أيُّهم أنا؟ رسالة للمقبلين على الدراسة الجامعية

منى مصطفى |كاتبة وتربوية مصرية

مع انتهاء المرحلة الثانوية وبداية التقديم للجامعات أهدى أولادي الخريجين هذا المقال:
أيهم أنا؟

عندما كنت صغيرةً، وكان أحد إخوتي عندما يحتاج شيئًا من أبي، كان يطلب مني أن أبلِّغه أنا، وعندما كنت أجلس مع أبي ومعه بعض أصدقائه كانوا يقولون لي: أنت محامية مفوَّهة، حتمًا ستدخلين الحقوق إذا كبرت!

وعندما كان يغفل معلمي عن دورِه في إعداد برنامج الإذاعة ولا يعدُّه، كان يقول بكل بساطة: أحضِروا منى تلقي كلمة… وغالبهم رشَّحوني لدراسة الصحافة، وكنت أميل لذلك، وأعتبرها الخيار الأوفق.

وعندما رُزِقت الصداقة الحقيقيَّة اصطحبتْني صديقتي الأقرب إلى نفسي لأن أكون معها معلِّمة؛ استجبت لها؛ حتى لا أفارقها؛ لعُمْق حبي لها، وصداقتي معها؛ ولأن التدريس مهنة تفاعليَّة تتفق مع ميولي.
دخلت كلية الآداب، وبقي دور اختيار القسم!

التحقْتُ بقسم اللغة الإنجليزية لتميُّزي فيها، وحبي الشديد لها آنذاك، وبعد أسبوعين رفعوا نسبة القَبول في القسم نفسه درجتَيْن عن درجتي؛ لتخفيف العدد، فخيَّروني أن أذهب لقسم آخر، فاخترت اللغة الفرنسية؛ لحبِّي لها كذلك، وما إن حضرت المحاضرة الأولى إلا وقرَّرْتُ تركَ هذا القسم؛ لأن القاعة ضيِّقة جدًّا عن العدد، وبهذا الشكل لن أحضر؛ فلا فائدة من شهادة بلا علم أو تفاعل مع معلِّم تنطبع شخصيته عليك إيجابيًّا.

عدْتُ لحيرتي! أيَّ الأقسام أختار؟
قررت دخولَ قسم الجغرافيا؛ لأنها مادة مميَّزة عندي، وأشعر بسعادة ومتعةٍ في دراستها، فحضرت المحاضرة الأولى التي كانت عن معنى كلمة جغرافيا (وصف الأرض)، وتوزيع البشر على حسب لون البشرة، ونسبة الميلامين في الدم، وارتباطها بالموقع الجغرافيِّ حسب الحر والبرد … ولكن حتمًا سأترك هذا القسم؛ لأن القاعة تضيق عن العدد، ولن أحضر ولا فائدة لشهادة بلا علم، هذه عقيدتي.

عُدْتُ لحيرتي! أيَّ الأقسام أختار؟
قرَّرتُ دخولَ قسم الفلسفة؛ فهي مادة ثريَّة وثقافية، وهنا تدخلت صديقتي الأقرب والأعلم بنفسي ومنعتْني بكل قوتها، وقالت: كفاكِ حيرة؛ لقد اخترتُ لك، وغدًا ستسجِّلين لغة عربية مثلي، فما خُلقت إلا لها، وباتتْ تمتدحني لترغِّبَني فيما تراه لي نافعًا.

استسلمت لها؛ تخلُّصًا من الحيرة.
وما إن بدأت الدراسة إلا ووجدت أكبر مدرجات في الجامعة مخصصة للغة العربية لكثرة عدد الدفعة، ووجدت متعةَ دراسة اللغة التي أحببت الإنجليزية من أجلها .

ودراسة سير العلماء والمفسِّرين والأدباء؛ فطفت معهم حيث حقَّقْتُ حبِّي للجغرافيا، وتنقُّلي المستمرِّ مع كل عالمٍ وأديب لوطنِه وحياته وخيالِه وسبحاته.

ولم أُحرم الفلسفة من خلال القضايا النقدية التي كنا ندرسها، بل فاض اللهُ علينا بفهمِ القرآن ومعانيه، والبحث وراء بلاغته.
هنا وجدت نفسي التي لم أكن أعرفها.
نعود للبداية، وأسأل: أيُّهما كان خيرًا؟
بعد الخبرة بالحياة والنفس علمت أنني لو دخلتُ “حقوق” أو “إعلام” يقينًا كنت سأخسر الكثير، ولن أزيد على أن أكون إحدى المتعصِّبات لفكرٍ (اللهُ أعلم به)!

أَمَا وقد هداني اللهُ لدراسة اللغةِ وتدريسِها، فقد أسهمتُ في إعداد نفوس وعقولٍ على ما أعلم أنه خير، وأسأل الله أن يغفر لي تقصيري إن قصَّرت.

ابني الغالي، ابنتي الحبيبة، يا من أنت على مشارف الجامعة، خُذْ بالأسباب، لا تختَرْ شيئًا لا تهواه نفسك، استعن بالمخلصين فيمن يعرفونك جيدًا، وخذ بنصحهم، وابذل الأسبابَ، وتوكل على الله، واحتسب ما أقامك الله فيه لخدمته سبحانه أيًّا كان موقعُك.

لا تبكِ كثيرًا على ما كنت تتمنَّاه، بل أثبتْ وجودَك فيما أنت فيه، واستقبل رسائل ربِّك إليك، ستعرف عندها أنه ما اختار لك إلا الخير ما دمت بذلتَ ما استطعت من سبب.
بورك غرسُكم، وطاب الثمر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى