التراث عند محمد الجابري بين بداوة الفكر وحداثة التنوير

د.  الغزيوي بو علي | الرباط – المغرب

 إن التراث هو كل ما الينا من الماضي داخل الحضارة السائدة، فهو إذن قضية موروث وفي نفس الوقت قضية معطى حاضر على العديد من المستويات وليست القضية هي “تجديد التراث” أو “التراث والتجديد” لأن البداية هي “التراث” وليس “التجديد” من اجل المحافظة على الاستمرار في الثقافة الوطنية، وتأصيل الحاضر، ودفعه نحو التقدم، والمشاركة في قضايا التغيير الاجتماعي، التراث هو نقطة البدلة كمسؤولية ثقافية وقومية، والتجديد هو إعادة تفسير التراث طبقا لحاجات العصر، فالقديم يسبق الجديد.

والأصالة أساس المعاصرة، والوسيلة تؤدي الى الغاية. التراث هو الوسيلة والتجديد هو الغاية وهي المساهمة في تطوير الواقع وحل مشكلاته، والقضاء على أسباب معوقاته، مغاليقه التي تمنع أي محاولة لتطويره.

والتراث ليس قيمة في ذاته إلا بقدر ما يعطي من نظرة علمية في تفير الواقع والعمل على تطويره، فهو ليس متحفا للأفكار نفخر بها وننظر اليها بإعجاب، ونقف امامها في انبهار وندعو العالم معنا للمشاهدة والسباحة الفكرية بل هو نظرية للعمل، وموجة للسلوك، وذخيرة قومية يمكن اكتشافها واستغلالها واستثمارها من اجل إعادة بناء الانسان وعلاقته بالأرض وهما حجرا الفترة اللتان تتحطم عليهما كل جهود البلاد النامية في التطور والتنمية.

  1. تحديد معنى الثرات:
  1. مستويات التراث:

يوجد التراث على عدة مستويات فهو أولا تورات موجود في المكتبات والمخازن والمساجد والدور الخاصة يعمل على نشره فهو تراث مكتوب، مخطوط او مطبوع، له وجود مادي على مستوى اولي، مستوى الأشياء. وتعقد المؤامرات وتقام المعاهد، وتنشر الفهارس، وتعد الاحصائيات عن الموجود منه في مكتبات العالم، ما نشر منه ومن لم ينشر بعد، ما بقي منه وما ضاع.

وهي قضية مثارة في عصرنا على هذا المستوى المادي عندما يكثر الحديث عن احياء التراث، وبعت التراث ونشر التراث، وتحقيق التراث، وترسل البعثات الى شتى مكتبات العالم لجمعه وتصويره وتخزينه، وترسل السلاسل التي قد تستمر وقد تتوقف، وترصد الأموال، ويوظف الباحثون، وتكثر الدعايات حول نشر التراث، وكأن البعث والاحياء والنشر يعني إعادة طبع القديم طبعات عدة واختيار ما وافق هوى العصر دون متطلباته، فلإدا لجأ العصر إلى الى التصوف بعيدا عن روح الهزيمة او طلب للنصر، فانه يعاد نشر المؤلفات الصوفية. وإذا تشوف العصر الى المدينة الفاضلة وتطلع الى المجتمع الجديد تعويضا على الفساد الخلقي والانحراف السياسي نشرت المؤلفات عن فضائل الصحابة، وعن العشرة المبشرين بالجنة. واذا شاعت الخرافة في الناس وساد الانفعال على العقول واشتدت الحاجة، وزاد الضنك، نشرت مؤلفات عن المعادون عالم العدل القادم الذي تملأ فيه الأرض عدلا كما ملئت حورا، وانعكب اهل السنةالي شيعة بأحد ما يكون التشخيص. وإدا قيل ان البب في الهزيمة هو البعد عن الكتاب والسنة اعيد نشر الكتاب والسنة في طبعات مذهبة، منمقة مزركشة، للزيادة ثروات التجار، وليتبرك به الناس في بيوتهم. تقيم الشر وتمنعهم الحسد، وتجلب لهم الخير، ويتبادلها رؤساء الدول هدايا فيما بينهم، وترسلها المؤتمرات والجمعيات الإسلامية الى الدول الإسلامية غير الناطقة بالعربية لنشر الوعي الإسلامي، ونكون جميعا كالحمار يحملالأسفار.

ولكن هذا التراث ليس مخزونا ماديا فحسب، هذا الكم الهائل من المخطوطات القديمة المنشور منها وغير المنشور، الذي حرر في عصور لم توجد فيها المطابع بعد، ولكنه ليس كيانا مستقلا بذاته يدافع عنه وكأنه يحتوي على حقائق نظرية مسبقة توجد بذاتها، مهددة بالضياع، ان غابت وتحشد لها العقول في مرحلة الخطر، حقيقيا او وهميا. ليس التراث موجودا صوريا له استقلال عن الواقع الذي نشأ فيه وبصرف النظر عن الواقع الأول الذي يهدف الى تطويره بل هو تراث يعبر عن الواقع الأول الذي هو جزء من مكوناته.

وإن ما عبر عنه القدماء باسم ” أسباب النزول” لهو في الحقيقة أسبقية الواقع على الفكر. زمن ذاته له، كما أن ما عبر عنه القدماء باسم “الناسخ والمنسوخ” ليدل على ان الفكر يتحدد طبقا للقدرات الواقع وبناء على متطلباته، ان تراخي الواقع تراخي الفكر وان اشتد الواقع اشتد الفكر. فالتراث اذن ليس له وجود مستقل عن الواقع وبناء على متطلباته، ان تراخي الواقع تراخي الفكر وإن اشتد الواقع اشتد الفكر. فالتراث إذن ليس له وجود مستقل عن واقع حي يتغير ويتبدل. يعبر عن روح العصر، وتكوين الجيل، ومرحلة التطور التاريخي، التراث اذن هو مجموعة التفاسير التي يعطيها كل جيل بناء على متطلباته، خاصة وان الأصول الأولى التي صدر منها التراث تسمح بهذا التعدد لأن الواقع هو أساسها الذي تكونت عليه. ليس التراث مجموعة من العقائد النظرية الثابتة والحقائق الدائمة التي لا تتغير بل هو مجموع تحققات هذه النظرية في ظرف معين، وفي موقف تاريخي محدد، وعند جماعة خاصة تضع رؤيتها، وتكون تصوراتها للعالم.

التراث اذن مازال قيمة حقيقية في وجدان العصر يمكن ان يؤثر فيه، ويكون باعثا على السلوك. تجديد التراث اذن ضرورة واقعية، ورؤية صائبة للواقع، فالتراث جزء من مكونات الواقع وليس وليس دفاعا عن موروث قديم، التراث الحي يفصل في الناس ويوجه في سلوكهم، وبتالي يكون تجديد التراث هو وصف لسلوك الجماهير وتغييره لصالح قضية التغيير الجماعي.

فتجديد التراث هو إطلاق لطاقات مختزنة عند الجماهير بدلا من وجود التراث كمصدر لطاقة مختزنة.

تجديد التراث هو حل للطلاسم القديم وللعقد المورثة، وقضاء على معوقات التطور والتنمية والتمهيد لكل تغيير جدري للواقع، فهو عمل لابد للثوري من ان يقوم به وإلا ضل القديم شبحا ماثلا أمام الأعين يمثل أرواح الأسلاف التي تبعث من جديد تتربص بالأبناء شرا إذاهمخرجوا من جبتهم ورفضوا سلطانهم، ولم يدينوا لهم بالطاعة والولاء او يقوم أنصار المحافظة والإبقاء على الأوضاع القائمة باستغلال هذا المخزون لصالحهم، وأخد الجماهير من جانبهم، وقطع خط الرجعة على إنصار التغيير والتقدم، وسحب البساط من تحت ارجلهم، والتراث والتجديد يعبران عن موقف طبيعي للغاية، فالماضي والحاضر كلاهما معاشان في الشعور، ووصف الشعور هو في نفس الوقت وصف لمخزون النفسي المتراكم من الموروث في تفاعله مع الواقع الحاضر، اسقاط من الماضي او رؤية الحاضر، فتحليل التراث فهو في نفس الوقت تحليل لعقليتنا المعاصرة وبيان أسباب معوقاتها، وتحليل عقليتنا المعاصرة هو في نفس الوقت تحليل للتراث لما كان التراث القديم مكونا رئيسيا في عقليتنا المعاصرة ومن ثمة يسهل علينا رؤية الحضارة في الماضي ورؤية الماضي في الحاضر.

فالتراث والتجديد يؤسسان معا علما جديدا وهو وصف للحاضر وكأنه ماض يتحرك، ووصف الماضي على انه حاضر معاش، خاصة بيئة كتلك التي (19ص) نعيشها حيث الحضارة فيها مازالت قيمة، وحيث الموروث مازال مقبولا. فالحديث عن القديم يمكن من رؤية العصر فيه، وكلها اوغل البحث في القديم وفك رموزه، وحل طلاسمه، أمكن رؤية العصر، والقضاء على المعوقات في القديم الى الأبد، وإبراز مواطن القوة والاصالة لتأسيس نهضتنا المعاصرة. ولما كان التراث يشير الى الماضي والتجديد يشير الى الحاضر، فان قضية التراث والتجديد هي قضية تجانس في الزمان، وربط الماضي بالحاضر وإيجاد وحدة التاريخ…

فقضية التراث والتجديد هي اذن الكفيلة بإظهار البعد التاريخي في وجداننا المعاصر، واكتشاف جدورنا في القديم حتى يمكننا الإجابة على السؤال: في أي مرحلة من التاريخ نحن نعيش؟ وحتى نعود الى تطورنا الحضاري الطبيعي، فتحل مشكلة الجمود والتوقف من ناحية وتحل مسألة التقليد للأخرين والتبعية لهم من ناحية أخرى.

التراث والتجديد يمثلان عملية حضارية يمثلان عملية حضارية هي اكتشاف التاريخ، وهو حاجة ملحة ومطلب ثوري في وجداننا المعاصر. كما يكشفان عن قضية “البحث عن الهوية” عن طريق الغوص في الحاضر إجابة عن السؤال من نحن؟ واكتشاف ان الحاضر ما هو إلا تراكمات للماضي بالإضافة الى واقع جديد هو نفسه نتيجة لضياع الجهاد القديم.

  1. إعادة الاختيار بين البدائل:

 إن قضية ” التراث والتجديد” هي أيضا قضية إعادة كل الاحتمالات في المسائل المطروحة، وإعادة الاختيار طبقا لحاجات العصر، فلم يعد الدافع عن التوحيد بالطريقة القديمة مفيدا ولا مطلوب، فكلنا موحدون منزهون، ولكن الدفاع عن التوحيد يأتي عن طريق ربطه بالأرض، وهي أزمتنا المعاصرة.

” التراث والتجديد ” اذن هي إعادة كل الاحتمالات لان القديمة بل ووضع احتمالات جديدة، واختيار انسبها لحاجات العصر، إذ لا يوجد مقياس صواب وخطأ نظري للحكم عليها بل لا يوجد إلا مقياس عملي، فالاختيار المنتج الفعال المجيب لمطالب العصر هو الاختيار المطلوب. 

ولا يعني ذلك ان باقي الاختيارات خاطئة بل يعني انها تظل تفسيرات محتملة لظروف أخرى، وعصور أخرى ولت أو مازالت قادمة.

  1. التراث قضية وطنية:

 إن تراثنا القديم ليس قضية دينية لانطباعه بصيغة دينية، ولأنه قام ابتداء من الدين، ولكنه قضية وطنية تمس حياة المواطنين وتتدخل في شقائهم أو سعادتهم. والدفاع على التجديد ليس عاطفة التقديس والاحترام والتبجيل الواجبة لكل موروث ديني بل انتساب الانسان المجدد الى أرض وانتماؤه الى شعب. قضية “التراث والتجديد” قضية وطنية لأنها جزء من واقعنا، نحن مسؤولون عنه كما اننا مسؤولون عن الشعب والأرض والثروة، وكما أننا مسؤولون عن الأثار القديمة والمأثورات الشعبية. لذلك أترنا لفظ “التراث” وليس “الدين” فالدين جزء من التراث، وليس التراث جزء من الدين، ويمكن التعامل مع التراث كما نتعامل مع المأثورات الشعبية وتاريخه، القضية إذا ليست قضية دينية بل قضية اجتماعية او سياسية او فنية أو تاريخية. تجديد التراث إذن ليس غاية في ذاته بل وسيلة للبحث عن روح الشعب وتطويرها كوسيلة لتطوير الواقع ذاته ولحل مشاكله، تجديد التراث هو دراسة للبعد الاجتماعي، فهو أدخل في علم الاجتماع الديني أو علم الاجتماع الحضاري، ومن ثم كان أحد مشاكل العلوم الإنسانية. الحديث عن التراث إذن ليس حديث عن الدين، فالتراث حضارة، والحضارة ناشئة بفعل الزمان والمكان.

والتراث ايضا قضية شخصية لأننا نتعامل مع موروث شخصي يربطنا به، وهو موصوف بنفس الصفة، فهو “الإسلامي” ونحن “المسلمون” والنسبة تشير الى الحضارة وأكثر مما تشير الى الدين، وتعني اننا والتراث من منطقة حضارية معينة كما يعيش الغربي في تراث مسيحي ولا يكون هو مسيحيا او كما يعيش الهندي في تراث هندي ولا يكون هندوسيا أو بوذيا.

تجديد التراث هو حياة المجدد نفسه، وجزء من التحليل النفسي لشخصيته الوطنية من أجل التعرف على مكوناته النفسية، فتراث المجدد في نفس الوقت ذات وموضوع لأن موضوع البحث هو ذاته أي وجوده التاريخي في اللحظة الحاضرة بين الماضي والمستقبل. لا ينظر الباحث الى التراث إذن نظرة سائح الى عالم غريب، لأن التراث جزء من ثقافات الباحث الوطنية، والباحث مسؤول عنه مسؤولية قومية.

انطلاقا من هذا الطرح المنهجي، فالباحث الجابري يحاول في مشروعه أن يعيد النظر في الفكر واللغة، وكذا في القول النصي، لان هذه المرجعية جعلتنا نرى أنه فوكاري وديردي في متونه، لأننا

نوافق الأستاذ الجابري موافقة تامة عندما يقرر بأن القارئ العربي المعاصر “مؤطر بتراثه ومثقل بحضارة” (ص:21)

نحن إذن نريد أن نحاور الكتاب في أمر كل من الأنا الجماعي (نحن) والتراث، كما تفسرها لنا المقالات المكونة للكتاب. وكما تقترح علينا طبيعة العلاقة الممكن إقامتها بينها، سنحاول إذن من خلال بعض الملاحظات العامة ان نصوغ طبيعة كل من الحيرة والدهشة اللتين نحن بصدد الحديث عنهما.

مند مقدمة الكتاب وعبر كل المقالات الخمس المكونة له يكشف لنا الأستاذ الجابري عن كل أوراقه. (كما يقول الممثل الفرنسي) يكشف لنا عن تلك الأوراق بصدق وإخلاص، بل بصراحة تتطلب قدرا هائل من الشجاعة والوضوح في الرأي والقول، وهو يكشف لنا عنها من خلال تحديده لسؤالين أساسيين يعرضان (87) لكل مفكر عربي معاصر يتصدى للقيام بمحاولة مماثلة، أولا: لمدا نقرأ التراث؟ وثانيا: كيف نقرأ التراث؟ السؤالان مرتبطان عند الجابري ببعضهما البعض ارتباطا مصدره وعي قومي عربي حاد بالتناقض الموجود بين الماضي “المشرق المزدهر” والحاضر “الذي ليس حاضرنا” ولكنه حاضر الغرب الأوروبي الذي بفرض نفسه ك “ذات” للعصر كلهللإنسانية جمعاء ” (ص:9). ووعي بضرورة تحقيق ثورة شاملة حيث ان “هوة تفصل بيننا وبين مزدهر ماضينا وعقبات كأداء تحول دوننا دون مواكبة عصرنا. فكيف نقتحم هذه ونردم تلك؟” (ص:70) هناك اذن تقابل بين الماضي المتخلف، وارتباط بين تحقيق الثورة وإعادة بناء التراث. ينبغي اذن ان نقرأ التراث بكيفية تمكننا الخلدونية ” يجب ان نتجاوز بالتحليل والنقد الخلدونية كواقع مستقبلية تخطط لنهضتنا” (ص:402). وليس في الامر ما يدعو الى الاستغراب متى فهمنا ان المقصود بالتراث “ليس التراث كما يدعو الى اجدادنا وكما تحتفظ لنا به الجابري حينا، وهو الروح الرشدية (ص:64) حينا اخر، وهو في كل الأحوال “المضمون الأيديولوجي” الذي يستطيع ان يبقى في مقابل ” المحتوى المعرفي” الذي يعرض له التبدل المستمر بطبيعته. (ص:87-88)

ونعتقد ان الصياغة الاخيرة لهذا الرأي تأتي في خاتمة مقال «مشروع قراءة جيدة لفلسفة الفارابي السياسية والدينية” وذلك عندما يقول : ” إنه لأفضل مرة أن نحاول قراءة تراثنا قراءة أيديولوجية تريد ان تكون واعية، من ان نستمر في قراءته قراءة أيديولوجية غير واعية، قراءة مزيفة مقلوبة” (ص:108). هنا تبلغ شجاعة التصريح بالهدف المنشود مداها البعيد. نحن اذن امام قراءة مزيتها الأولى ادراكها للبعد الأيديولوجي الملازم لكل قراءة، لكل نص مقروء ولكل قارئ ، ومزيتها الثانية وعيها بضرورة توضيح ذلك البعد الأيديولوجي. انها قراءة تعرف بالضبط ماذا تريد، تعرف كيف تجيب عن السؤال : لماذا التراث؟ وهي تريد ان تجيب عنه بكيفية يكون معها بالإمكان تسخير مكتسبات المنهجية المعاصرة لخدمة الهدف الأيديولوجي الذي يقوم مشروع القراءة بتحديده. هذا الحديث عن الأيديولوجيا، والايديولوجيا الواعية لذاتها يجعل الحديث يكتسي نبرة وجدانية عارمة، نبرة قوية على نحو ما نلمسه في المقدمة الطويلة للكتاب، نبرة قد يؤدي تأججها الوجداني الى اذكاء حماس القارئ مما يقود الى مقابلة خطاب بخطاب اخر. وسواء كان الخطاب مؤمنا على قول الأستاذ الجابري ومصفقا له، او كان على العكس من ذلك خطابا محتجا وصارخا، فإنهما يتساويان في الواقع. يتساويان من حيث إساءتهما للكتاب، ولذلك فنحن نرفض ذلك الحديث كما نعتقد أن مؤلف الكتاب نفسه يرفضه. 

  1. “عصر الانحطاط” و “القطيعة الابستيمولوجية” 

لنجعل من قراءة النص الأتى منطلقا لتسجيل ملاحظاتنا الأساسية الأولى، نعتقد أن الدعوة إلى ” تجديد الفكر العربي” أو “تحديد العقل العربي” ستظل مجرد كلام فارغ ما لم تستهدف، أولا وقبل كل شيء، كسر بنية العقل المنحدر إلينا من “عصر الانحطاط” (….) إن تجديد العقل العربي يعني في المنظور الذي نتحدث فيه، إحداث قطيعة إبستيمولوجية تامة مع بنية العقل العربي في عصر الانحطاطو إعدادها إلى الفكر الحديث والمعاصر” (ص18). يستخدم هدا النص مفهومين إثنين: مفهوم “الانحطاط” ومفهوم “القطيعة الأبستمولوجية”. مفهومين منتميان إلى مجالين مختلفين أشد الاختلاف. اما اولهما فهو مفهوم ينتمي إلى مجال الميتافيزيقا، فهو إذن تصور الميتافيزيقي. وأما ثانهما فينتمي إلى مجال الابستيمولوجيا، فهو إذن مفهوم إبستيمولوجي، المفهومان إذن يتعارضان من الناحية المنطقية تعارض كليا، والتعارض هنا يعني النفي المتبادل أي محضور الواحد منهما يؤدي بالضرورة إلى انتقاء الثاني وبتالي إلى غيابه الضمني أو الصريح. نقول مرة ثانية، انهما يتعارضان لأن كل واحد منهما تعبير عن فلسفة خاصة في الكون وفي التاريخ، وتعبير عن أفق فكري مغاير: إنهما يعملان بالتالي في ميدانين متغايرين. هل يدرك الأستاذ الجابري هذا التغاير الموجود بين التصور الميتافيزيقي والمفهوم الابستيمولوجي إدراكا كافيا؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، فكيف يتمكن من التوفيق بينهما توفيق يؤدي، على المستوى النظري المجرد، إلى التعايش “واستمراريتها.

عندما يتم التصريح بالتعارض بين اشكاليتين نظريتين، او عندما (تقفير القاعدة النظرية) كما يقول التوسير Louis Althusser – lire (maspéro,1975, paris)

Le capital – tome – p 22.

 تحدث القطيعة الابستيمولوجية، والأستاذ الجابري (ودائما على المستوى الفهم النظري المجرد) يظل وفيا لهذا التحديد، وبواسطته يفسر ما يراه من تعارض بنيوي بين الفكر الإسلامي في المشرق والمدرسة الفلسفية في المغرب، بين المنظومة الفارابية، السنوية من جهة والمنظومة الرشدية من جهة أخرى، فقد نتفق مع الأستاذ الجابري في هذه المسألة من حيث تفسيره للاختلاف الموجود في المحتوى المعرفي بين كل المنظومتين، كما الننا قد نختلف معه، ولكننا نؤكد وهذا ما يعنينا في هذا المستوى من التحليل، أي ان مستوى الصدق الصوري متوفر (أي الصدق على مستوى الفهم النظري المجرد)، نؤكد ان الجابري دقيق وواضح في هذه المسألة ولكن ما يعنينا في الواقع اكثر من هذا، هو ان نؤكد بأن القول بالقطيعة في تاريخ العلم وفي تاريخ الفكر هو قول ينسجم مع مبدأ “الاستمرارية” أي انه يتناقض تناقضا كليا ومطلق مع المبدأ الذي يقضي بوجود “التطور” وأيضا مفاهيم مثل “الازدهار” و”الانحطاط” ولكن الامر غير كذلك على الاطلاق في حديث الأستاذ الجابري عن مصطلح “الانحطاط” يقوم الأستاذ باستعمال هذا المصطلح وبالتعامل معه ليس فقط بدون ان يتبه الى ضرورة تحديده تحديدا دقيقا (مثلما رأيناه بفعل مع المفهوم السابق وانما أيضا واساس بدون ان يدرك المقتضيات الفلسفية والمستلزمات الابستمولوجية التي يؤدي اليها الأخذ به، وبالضبط من حيث التعارض الصارخ بين القول ب “القطيعة” والقول ب “الانحطاط”.)

يقول هنري (Henri-Iréné-marrou) : “الانحطاط مفهوم يعبر عن حكم قيمة يتضمن هوبدوره فلسفة كاملة في التاريخ”  ويذكر بان هذا المفهوم كان واضحا بالنسبة لرجال عصر الانوار وأنه كان له” استعمال مشروع وذا دلالة داخل نسقهم(89) الفكري…” ولان فلسفة عصر الانوار، المنبثقة عن عصر النهضة كانت تملك الشعور بكونها تعيد ربط الصلة مع الأزمنة القديمة” المستنيرة” مجاوزة بذلك غياهب العصر الوسيط” 

(Henri-Irénée-Marrou-la décadence de l’antiquité classique in classicinneuve  et Larose-1977, paris .p.109)

ثم يعلق مارو “بعد ذلك” ان استعمال مفهوم “الانحطاط” لا يعني فقط القبول الشعوري للأحكام قيمة تصدر عن فترة تاريخية شديدة الثقة، بنفسها، وإنما يعني؟ أيضا تعاملا مع “تصور ساذج لمفهوم الحضارة”. (Abid, p 111)

وفي مجال حديثنا هذا يمكن ان نظيف: إن الحديث عن الانحطاط يعني عند الأستاذ الجابري انزلاق اللاوعي الى الإشكالية التي يقوم هو نفسه بإنقاذها، مثلا هو يعني على صعيد التحليل الابستيمولوجي تنكرا لمبدأ أخر مناقض لمبدأ الانحطاط، او على الأقل ازدواجية بين فهمه له فهما ممتازا أو استعماله له استعمالا سيئا.

القول ب “كسر بنية العقل المنحدر إلينا من عصر الانحطاط” هو قول يعني فقط دفع الخلل ومعالجة التصلب لتعود الأعضاء الى العمل مثل سابق عهدها، مثل “مزدهر ماضيها” الرفض الصريح ل “عصر الانحطاط” يعني القبول الضمني ل “عصر الازدهار” تماما كما يتحدث “مارو” عن مفكري عصر الانوار وعن شعورهم “بمعاودة ربط الصلة مع الأزمنة القديمة” المستنيرة “وبمجاوزة غياهب العصر الوسيط”. إن عصر الانحطاط في وجدان المفكر العربي المعاصر هو المقابل الموضوعي للعصر الوسيط عند الغربيين.

  1. حول مضمون الأيديولوجي والمحتوى المعرفي:

يقترح الأستاذ الجابري توظيف ثلاث عمليات من اجل تحليل التراث بصورة يكون فيها التوظيف موحدا ومنسجما. أول تلك العمليات هو المعالجة البنيوية التي يتعلق فيها الامر “بمحورة فكر صاحب النص حول إشكالية واضحة، قادرة على استيعاب جميع التحولات التي يتحرك بها ومن خلالها فكرة صاحب النص “، وثاني تلك العمليات هو التحليل التاريخي الذي يعني “ربط فكر صاحب النص الذي أعيد تنظيمه بمجاله التاريخي بكل أبعاده الثقافية والأيديولوجية والسياسية والاجتماعية، اما ثالث تلك العمليات فهو “الطرح الإيديولوجي (…) أي الكشف عن الوظيفة الأيديولوجية (الاجتماعية – السياسية) التي اداها الفكر المعني وكان يطمح او يراد منه ان يؤديها، داخل الحقل المعرفي الذي ينتمي إليه” (ص 23-24).ثم يوضح الأستاذ الجابري بعد ذلك ان هذا المجال التاريخي ذاته يتحدد بشيئين اثنين : الحقل المعرفي الذي يتحرك فيه هذا الفكر والذي يتكون من نوع واحد منسجم من “المادة المعرفية” (…) والمضمون الأيديولوجي الذي يحمله ذلك الفكر، أي الوظيفة الإيديولوجية ( السياسية-الاجتماعية) التي يعطيها صاحب أو أصحاب ذلك الفكر لتلك المادة، المعرفية” (ص31-32) ثم ينتهي الأستاذ الجابري في توضيحاته الى الحكم بأن “الانتماء الى نفس الإشكالية والى نفس الحقل المعرفي لا يعني بالضرورة الانخراط في نفس الأيديولوجيا، ولا توظيف المادة المعرفية التي يقدمها ذلك الحقل المعرفي في أغراض إيديولوجية واحدة، بل  ان ما يحصل في الكثير من الأحيان (ص-90) هو ان تحمل المنظومة المعرفية الواحدة، بل الفكرة الواحدة، مضامين إيديولوجية مختلفة، ولعل أفضل مثال معرفي يوضح هذه المسألة عند الجابري هي نظرية الفيض باعتبارها منظومة معرفية واحدة عند الكل من الفارابي وابن سينا رغم الاختلافات الجزئية المتعلقة بشرح مسألة الفيض او الصدور، وأيضا باعتبار وظيفتها الأيديولوجية-تختلف بين الفيلسوفين الإسلاميين.

ان واجب النزاهة العلمية ليفرض علينا ان نسجل بكل صدق بان الأستاذ الجابري لم يكتف في دراسته هذه بالحديث عن المنهج، بل إنه قد غامر حقا بمحاولته الدخول في معركة تطبيق ذلك المنهج … تطبيق المنهج كما يعتقد انه الأنسب او الأكثر مناسبة. الجابري مجتهد اذن، والاجتهاد هنا بالمعنى الفقهي للكلمة، وملاحظاتنا السريعة التالية رصد لما نعتقد بدورنا ان المجتهد قد اخطأ فيه، لدينا ملاحظات وتحفظات حول كل من مقالته “ابن سينا” وعرضه حول ” مشروع قراءة جديدة لفلسفة الفارابي السياسية والدينية”. يسعى الأستاذ في عرضه حول الفارابي الى الربط بين اراء الفارابي السياسية وبين نظريته في الفيض والصدور لكي يبرز وحدة التفكير الفارابي – كما يسعى بالمقابل الى إقامة نوع من التوازن والتقابل بين المنظومة الفيضية-السياسية من جهة، وبين الوجود الاجتماعي السياسي للمشرق العربي في القرن الهجري الرابع، توازن وتقابل بين المسيرة العامة للمجتمع، وبين التوجيه العام للفكر في مرحلة محددة. ذاك ما يدعولوسيانغولدمان بالتقابل البنيوي بين بنية الفكر وبنية المجتمع. يعني ان الأستاذ الجابري يظل وفيا لما يدعو اليه من تطبيق المنهج البنيوي التكويني، ولكن الذي يحدث في مقال الأستاذ الجابري هو إرغام المسيرة العامة على الاستجابة للخطاطة العامة الي يقوم برسمها ويطمئن اليها تمام الاطمئنان دون ان يقلقه أمرها فيخضعها للفحص المستمر. والنتيجة المنطقية لتلك الممارسة تأتي في صورة اصدار احكام جازمة شديدة التعميم، حتى وإن لم تكن الوقائع التاريخية تسير دائما في خط تأكيدها – والأستاذ الجابري عليم تمام العلم بالتعقد المزعج لتاريخ الإسلام في الشرق العربي، وعلى وجه أخص في مرحلة القرنيين الرابع والخامس للهجرة. أي المرحلة التي بلغ فيها الإنتاج النظري حدا هائلا من الخصوبة في بلاد الإسلام.

خاتمة:

يقول الأستاذ الجابري “ان القراءة استنطاق … وما يهمنا هو النصوص التي تقبل الاستنطاق لأنها تمنع عن “النطق” (الكتاب ص 118) نعم. إن القراءة استنطاق بالمعنى الذي يكون فيه الاستنطاق ملتحما بالتأويل، أو بالمعنى الذي نعتبر فيه التأويل استنطاقا، الاستنطاق إرغام على النطق، وتأويل توجيه لما نريد نحن كقارئين للنص ان ينطق به، هناك مواجهة صعبة حرجة بين القارئ وبين النص. عندما نقرأ فنحن لا نكتفي في الواقع بالبحث عما سكت عنه النص، عما هو غاب في النص، ولكن بحثنا يزدوج بتأويل أسباب الصمت، نحن إذن نبتدئ، أولا بافتراض ما هو غائب، زكما هو الشأن في كل افتراض فإن عمليات عديدة تظل في انتظارنا بغية نقل الافتراض الى مستوى التأكد واليقين، وهنا مكمن الخطر في قراءة يكون عمادها وموجهها هو البحث عن الخفي الإيديولوجي. الخطأ يتجلى في الاسراف في التأويل بغية تحويل الافتراض الى اليقين.

ويحاول نقد هذه الاتجاهات وتقويمها وبتالي نفيها ببديل هو “النظرية التراثية”.

  • يصنف د. محمد عابد الجابري هذه المواقف في ثلاثة اتجاهات أو “قراءات” غير أن هذه القراءات رغم تهددها بهذا الشك، تصدر عن منهج واحد وعن رؤية واحدة مما يجعلها “قراءة” الإقراءات” وهي (نحن والتراث” – محمد عابد الجابري – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء – الدار الطابعة بيروت ط 1 ابريل 1980 ص5-6).
  1. التيار السلفي: انشغل أكثر من غيره بالتراث وإحيائه واستثماره في إطار قراءة إيديولوجية سافرة أساسها إسقاط صورة “المستقبل المنشود” المستقبل الإيديولوجي على الماضي.
  2. التيار الليبرالي: ينظر الليبرالي العربي الى التراث العربي الإسلامي من الحاضر الذي يحياه” حاضر الغرب الأوروبي، فيقرؤه قراءة أوروبية النزعة أي ينظر إليه من منظومة مرجعية أوروبية.
  3. التيار اليساري العربي: يتبنى الفكر اليساري العربي المعاصر المنهج الجدلي، ولكنه مع ذلك يجد نفسه في حلقات مفرغة …. لان الفكر اليساري العربي المعاصر لا يتبنى المنهج الجدلي كمنهج “للتطبيق” بل يتبناه ك “منهج مطبق”.

تصنيف عبد الله العروي شبيه بالتصنيف الثلاثي لقراءات التراث العربي، ولا تختلف عنه إلا في ثالث الاتجاهات، فيرى صاحب “الأيديولوجية العربية” انه يمكن أن نميز في الأيديولوجية العربية المعاصرة ثلاث كيفيات رئيسية لفهم القضية الأساسية للمجتمع العربي: إحداها تضعه في الايمان الديني، والثانية في التنظيم السياسي ، وأخيرا الثالثة في النشاط العلميوالتقني ” (الأيديولوجية العربية المعاصرة – عبد الله العروي ترجمة محمد عيتاني– دار الحقيقة للطباعة والنشر- بيروت – ص 1/1970 – ص 25).

ورمز كل كيفية او اتجاه على التوالي ب: 

  1. الشيخ.
  2. رجل السياسة.
  3. داعية التقنية.

“التراث العربي كمصدر في نظرية المعرفة” – (طراد الكبيسي ص 8-9)

مند مقدمة الكتاب وعبر كل المقالات الخمس المكونة له يكشف لنا الأستاذ الجابري عن كل أوراقه، (كما يقول الممثل الفرنسي) يكشف لنا عن تلك الأوراق بصدق وإخلاص، بل بصراحة تتطلب قدر هائل من الشجاعة والوضوح في الرأي والقول، وهو يكشف لنا عنها من خلال تحديده لسؤالين أساسيين يعرضان (87) لكل مفكر عربي معاصر يتصدى للقيام بمحاولة مماثلة، أولا: لمدا نقرأ التراث؟ وثانيا: كيف نقرأ التراث؟ السؤالان مرتبطان عند الجابري ببعضهما البعض ارتباطا مصدره وعي قومي عربي حاد بالتناقض الموجود بين الماضي “المستشرق والمزدهر” والحاضر “الذي ليس حاضرنا” ولكنه “حاضر الغرب الأوروبي الذي يفرض نفسه ك “ذات” للعصر كله للإنسانية جمعاء، (ص:9)، ووعي بضرورة تحقيق ثورة شاملة حيث أن “هو تفصل بيننا وبين مزدهر ماضينا وعقبات كأداة تحول دوننا ودون مواكبة عصرنا. فكيف نقتحم هذه ونردم تلك؟ (ص:70)هناك اذن تقابل بين الماضي المزدهر والحاضر المختلف، وارتباط بين تحقيق التورة وإعادة بناء التراث. ينبغي إذن ان نقرأ التراث بكيفية تمكننا من تحقيق التراث في جوانبه المشرقة، أو كما يقول الجابري نفسه عن الخلدونية “يجب أن نتجاوز بالتحليل والنقد الخلدونية كواقع حضاري مازال يكبل مجتمعنا، لنحصل على الخلدونية كنظرية مستقبلية تخطط لنهضتنا” (ص:404). وليس في الامر ما يدعوا الى الاستغراب متى فهمنا أن المقصود بالتراث “ليس التراث كما عاشه اجدادنا وكما تحتفظ لنا به الكتب، بل ما تبقى” (ص:58) وما تبقى من التراث هو الخلدونية عند الجابري حينا، وهو الروح الرشذية (ص 64) حين أخر، وهو في كل الأحوال “المضمون الأيديولوجي” الذي يستطيع أن يبقى في مقابل “المحتوى المعرفي” الذي يعرضه له التبدل المستمر بطبيعته.

تحقيق ثورة شاملة حيث أن “هو تفصل بيننا وبين مزدهر ماضينا وعقبات كأداة تحول دوننا ودون مواكبة عصرنا. فكيف نقتحم هذه ونردم تلك؟ (ص:70) هناك اذن تقابل بين الماضي المزدهر والحاضر المختلف، وارتباط بين تحقيق التورة وإعادة بناء التراث. ينبغي إذن ان نقرأ التراث بكيفية تمكننا من تحقيق التراث في جوانبه المشرقة، أو كما يقول الجابري نفسه عن الخلدونية “يجب أن نتجاوز بالتحليل والنقد الخلدونية كواقع حضاري مازال يكبل مجتمعنا، لنحصل على الخلدونية كنظرية مستقبلية تخطط لنهضتنا” (ص:404). وليس في الامر ما يدعوا الى الاستغراب متى فهمنا أن المقصود بالتراث “ليس التراث كما عاشه اجدادنا وكما تحتفظ لنا به الكتب، بل ما تبقى” (ص:58) وما تبقى من التراث هو الخلدونية عند الجابري حينا، وهو الروح الرشذية (ص 64) حين أخر، وهو في كل الأحوال “المضمون الأيديولوجي” الذي يستطيع أن يبقى في مقابل “المحتوى المعرفي” الذي يعرضه له التبدل المستمر بطبيعته.

إذن يطلق على الانسان “حيوان ناطق” حسب الفكر اليوناني، ولكن التأريخ لم يتحرك على خط مستقيم، وأن الفكر المعاصر يمثل صورة متقدمة للفكر القديم، إنه الفكر المعاصر لا معرفة للقدماء فيه، وإذا عدنا إلى الفكر القديم أو الوسيط، لا نكون مبتعدين عن هذا التراث، بل نرتبط به كمفهوم، وكتصور وتمثل إن الفكر العربي في تعامله مع التراث لم يكن تعاملا برانيا، بل كان تعاملا جوانيا، لأنه سمح بتعميق الفكر والوجود، والطبيعة الإنسانية، فدرس تأريخ التراث وفق المتداول لا تؤدي عن هذا السؤال: كيف نقرأ التراث؟ فالسؤال يقربنا من مصادره وبداياته وانتشاره، وفي عذا ذلك لن يظل خافيا فحسب وإنما يستعذر كل تفكير أخر أيضا، ويبقى هذا التراث اسير الفكر السائد الذي نظر إليه كفكر مطلق. فالتراث هو الماضي والذاكرة والعقيدة، والتاريخ بكل أبعاده ووجوهه، فالجابري في تعامله مع التراث لم يكن تعاملا افقيا بل كان تعاملا استبيهيا نقديا، حيث لا يقف عند عتبة النصوص، بل يحفر من أجل استنطاق مفكريه، وهذه الرؤية الاركيولوجية جعلتني أعيد قواعد الجابري من خلال عملية انتقاد تحليلي، وليس النقد المهادن.

فقواعد الجابري للمستشرقين والماركسيين وكذا نقده للمنهج، وكذا الفكر الليبيرالي وأيضا السلفي، انها صيحة جديدة لا تعتهد المهادنة كما قلت، بل تعتمد الرؤية النقدية لهؤلاء المستشرقين الذين يدرسون التراثلأجلهم

، وليس لأجلنا كما يقول في كتابه “التراث والحداثة” ص94، فالتراث هو لنا وهويتنا، ولكن الفكر الاستشراقي قد قرأه من الخارج بمنظور انتر بلوجي استعماري وليس كذات وموضوع، تضعه (هناك لا هنا وهناك معا، أضف الى ذلك أنها مناهج مؤطرة برؤى نزعة التمركز حول أوروبا وتجعله مرتكزا ومرجعا على نفس المراجع ص73 ، ولكن لمدا قراءة التراث العربي حسب المستشرقين أي يرى أنهم يريدون أن يفهموا العرب لأنهم الواسطة بين الفكر اليوناني والفكر الغربي “ويقول إن الشيء الذي يعني أن المستقبل في الماضي العربي كان في استيعاب ماض غير الماضي العربي،وبالمقايسة يصبح المستقبل مشروطا باستيعاب – الحاضر – الماضي الأوروبي”المرجع نفسه ص 14، وهذه الشهادة التوثيقية تبين لنا أن العرب ليس لهم قيمة في بناء قارات حضارية إنسانية، وإنما كان هدفهم هو تفسير وتقريب الفكر اليوناني القديم الى الحضارة الغربية، وهذا ما تراه في النحو، والبلاغة، والمنطق والفكر والفلسفة، فهي كلها ترجع الى اليونان او الى الرومان أو المسيحية أو يهودية أو الهندية، (نفس المرجع ص18) فهذه الرؤية النقدية التي باشرها الجابري في متونه، نجدها عند ادوارد سعيد في كتابه الاستشراق، فالمستشرق يفرض منهجه الفيولوجي دون أن يأخذ بعين الاعتبار الحدود المعوقة التي فرضها الاستشراق على الفكر والفعل، فالشرق إذن قادر على فهم الغرب، وكذا وعيه الداخلي لأنه قريب منه وليس بعيدا عنه، (نفس المرجع ص 214) فالشرق يظل شرقا رغم الهجوم الذي تعرض له من طرف المستشرقين كما يقول أيضا جلال الين عظمة في كتابه “ذهنية التحريم ص 21- و 49) لكن هذا النقد لهؤلاء المستشرقين لم يمنع من نهج نفس الطريق الذي سلكه المثقف العربي، رغم أنه عربي، ولكن فكره غربي، كما يقول محمد أركون في كتابه “تاريخية الفكر الإسلامي ص 248-250” فالجابري رغم براعته الفكرية والتحليلية والنقدية، فإنه يتناول مفاهيم غربية لقلب التربة العربية، وهذا ما فعله أيضا ادوارد سعيد الذي أخد فكر مشيل فوكو خاصة في خضرياته المعرفية، ونظام الخطاب، والسلطة والمعرفة، والجابري في كل مواقفه ومواقعه وبحوثه، جعلته يعيد النظر في تعامله المثقفين العرب مع الماركسية، حيث اعتمدوا المنهج الماركسي كمنهج مطبق، وليس منهج قابلا للتطبيق، كما يقول في كتابه “نحن والتراث ص155” ، وكذا في كتابه “التراث والحداثة ص250″، لان في نقده للعقل العربي جعله منفتحا على كل العلوم الإنسانية والإسلامية. لذا يطالب بالقراءة الغربية بدل الاقتباس منه، بل أيضا بمواكبة تطوره ونموه كما يقول في كتابه”إشكالية الفكر العربي المعاصر ص112″ أما افكر اليوناني الذي اقتبسناه كان مجرد كتب في المكتبات والخزائن، فلم يعد حيا بل بقى ميتا، فلا حركة ولا فعل، فالجابري يرى أنه الفكر السلفي يطرح أسئلة نهضوية من خلال جداريات الغرب دون النظر الى الظروف والمراحل التاريخية التي مرت بها هذه المكتسبات، ويقول في هذا العدد ” إن الماضي يشكل في الوعي العربي الراهن عنصرا محوريا في اشكالياته ومن السذاجة المضالة، أو الطموح إلى تحقيق الحداثة بالقفز عليه

فاذا كان الفكر وليد واقعه ومساهم في تأطيره، فان الفكر العربي هو فكر خاضع لقراءات متعددة ومتنوعة، وهذا التعدد جعلني استشف ان العودة الى الماضي ليس عودة اقصاء بل هي عتبة التي من خلالها ألج العالم الفكري السلفي الذي وجده الجابري إما مرتبط بمرحلة الرسول (ص) (أي السلف الصالح والارتباط بالقول، والفعل دون السقوط في الدخيل، فهناك من السلفين من ينظر الى العصر ومؤسساته الذي لا يخلف احكام الشريعة، حيت نجد الحاكم الطائع، واهل العقد ولكل وهناك من السلفيين من…)فطون هذه الطروحات الماهوية، وقيمهم، أخدين بالنظم النيابية الليبرالية المرتبط باشوى الإسلامية ، وربط الاشتراكية بمعناها العام كفريضة الزكاة وحق الفقراء في أموال الأغنياء، إشكاليات الفكر العربي المعاصر، ص10 

فقراءة التراث هي قراءة إسقاطية على أن هائم في الماضي يمكنه تحقيقه في المستقبل (أي قياس الغائب على الشاهد)، فهذا التصور هو الغاء للتطور والزمان وأن الحاضر منبثق من الماضي كما يقول التراث والحداثة ص42 – ويقول المفكر المصري في هذا الصدد أيضا “أن المشكلة الحقيقية التي جعلت من نظرنا الى التراث عاملا رئيسيا فب تخلفنا الفكري، كون هذا التراث منافسا للحاضربطريقة لا تاريخية، والوضع الصحيح هو الا تكون هناك أية منافسة بين الماضي والحاضر، لأن الحاضر يضم الماضي في داخله ويتفوق عليه بنفس المعنى” (الصحوة الإسلامية في ميزان العقل ص42 – فهذا الطرح هو ضرب في العمق من تناوله موضوعات الابستمولوجية، ولا يقف عند هذا الحد المنهجي، بل يذهب الى تناول موضوعات المعرفة السوسيولوجية، والنفسية التي تأتي إلينا قبل أن نأتي إليها، فالجابري يقدم تمعنا في عملية تلقي المعرفة العلمية الحديثة في علوم المجتمع الانسان، هكذا فإن الجابري يضع ابستمولوجيا الأسس لبناء حقل العلم في التربة العربية مع استخراج أدوات الفهم، والهدم بعلم يتخطى الافهام إلى بناء الفهم في صورة تشتمل على الفهم المهدم قبليا كمكون أساسي من المواد الخام المستخدمة لبناء الفهم على ابستمولوجيا السوسيولوجيا، لمحمد حسين الرفاعي ص  220-، فالممارسة التحليلية هي التفكير بالنتاج المعرفي، يعني ذلك أن الابستيمولوجي يحاول أن بين صياغة نظرية كهندسة تربط بين التراث كنظريات مجردة، وبين التراث كبعد ابستمولوجي نقدي.

قد يتبادر للذهن أن التراث هو جنس وحياة فعلية، ومشكلة ومنهج وخصوصية تأهيلية مرتبطة بالوظيفة تلك دونما اقتراب أو تفاعل مع الواقع وهمومه وقضاياه، لكن تاريخ التراث قد تطور فعلا نحو مفاهيم تختلف كليا، وتكتسب معاني تخرج الى حد كبير عن حدود التأمل التي رسمها للسلفيون، لذي يحتفظ التراث بلا شك بمجموعة من المستغلين بالتاريخ الذين ظلوا مخلصين للتقليد الماضي الابوي، غير أن بات بديهيا أن التراث يرتبط بعصرنا وبشروط زماننا وبجدور حياتنا، فهو الأساس في تشكيل حياة الناس وتنظيمها وتحديد أهدافها، ذلك هو التدليل الذي يسهل إقامته للإشارة الى مدى مجاورة التأويل لحياتنا، (في الادب الفلسفي، محمد سفيق شناص -25-) إن هذا العمل – التراث – يأتي ليجسد أحد تمظهرات الدراسة النقدية في مجال دراسة الخطاب العربي، مستهدفا الوقوف عند أحد المكونات الرئيسية في الخطاب العربي، وهو المبدأ منظور إليه من زاوية النفي، الماضي الذاكرة العصر، فهي عبارة عن مادة التي تبين من خلالها الشخصية التراثية وتشبح عواملها السردية والوصفية، وتشيد أيضا علاقتها بالأمكنة والازمنة، وتحقق أوضاعها الماضية والسوسيو ثقافية والاجتماعية، انها بؤرة – الدلاة – وسيرورة تأويلية معقدة التي تستلزم من الجابري جهدا تأويليا، من هذا نعاود السؤال “كيف نقرأ التراث؟ وكيف تبنى العوالم في الخطاب العربي؟ وبأي معنى يتم استثمار المرجعية التأويلية؟ وما هي تمظهرات الموروث الثقافي في هذه القواعد الجابرية (الجابري)؟ ان الجابري كما ذكرت انتقد الفكر الماركيسي العربي، وكذا الفكر اللبرالي والسلفي بديلة، تجعل التراث إرثا مفتوحا على كل المناهج كما حددتها فاطمة المرنيسي (مجلة المتلقي ع 43-2020 ص 110) لان العالم ليس القضية المهمة في كتابات الجابري بل الانسان هو القضية الأساسية في هذه المرحلة من التفكير، لأنه يتقدم على العالم وراح الحديث يدور حوله وحول حقوقه، فالنسان لابد أن ينجو ويبلغ الخلود وبإمكانه أن يبلغ الخلود بتركيبته الفزيائية النفسانية، كما يقول رضا الداوريالاردكاني في كتابه “الفكر الغربي والحضارة الغربية ص57” إلا أن الفكر العربي بتياراته لا يطرح قضايا الواقع الملموس بل قضايا خارج الواقع.

يرتسم خطاب المرجعية في تحولاته، غاية مكاشفة موضوعه وحضوره واستنهاض أسئلته، تبعا لسنة التطور المعرفي والفكري، ولتطور إجرائي ترتهن أوليات اكتماله بمفاهيم متجانسة من حيث الحمولة الابستيمولوجية، مع بروز خلفيته المنهجية والشروط اشتغاله على تيماته، فتكون هندسة مشكلة من أنساق متعددة، وبين هاته الانساق تتولد حركة مضاعفة يتوالف فيها النظري والمعرفي والفكري والعلمي والديني، وتتفاعل أيضا الأسئلة مع الأنساق التي تحيل بمدلولاتها على الموضوعات الذهنية المجردة، فتصير عبرها منظومة متناسقة مع الأسئلة، تناسق تبدو معه المعرفة الاصطلاحية واللغوية وكأنها معرفة نقدية، إنها حركة “نظرية” تستحضر الغائب في شكل أسئلة: ما المرجعية؟ وكيف تتأسس؟ وهل يمكن أن نفكر خارج المنظومة المرجعية؟ وكيف تفكر فينا؟ وهل المرجعية تناقص ينضاف الى التناقصات؟ إن هذه الأسئلة المتناسلة تسمح لنا أن نستقرئ هذه التعريفات على المحيط الذي تحوله على شكل عتبات، ترتهن بعلاقة حوارية بين النص والمناصات فالمرجعية في حد ذاتها مفهوما اشكاليا، سواء في مجال الفكر أو المعرفة أو اللغة أو الادب، ويتراوح بين الثبوت والنفي الظرفي، ولا بد من معرفة هذا المفهوم وحقيقته وكذا درجات ممارسته على المستوى اللغوي وعلى المستوى الفني، التعرف كيف يمكن أن يؤدي النص المسرحي رسالته المرجعية؟ وكيف تندمج كمعطى استراتيجي يسمح للقارئ بمساعدة على ابراز خصوصية النص وحقيقته.

-مفهوم المرجعية: عند الجابري لا يصح الحديث عن المرجعية في غياب اللغة والمعرفة والفكر، فهي تلك العلامات التي لا يمكن أن ترجع نحو شيء ما، لكن المرجع يتشكل من مجموع الاعمال الإنسانية عبر تسلسلات في الأزمنة والامكنة، سيما أن المرجع هو غير المدلول بالمفهوم السوسوري، لان المدلول هو الجمع بين الشيء واسمه، ويقول “د محمد خرماش” والمرجع فهو حاصل الجمع بين الصورة السمعية أو البصرية المقروءة أو بين المفهوم أو التصور الذهني، وهو ما تؤديه العلامة كلها ويسمى بالمرجعية”، وتعتبر هذه الإشكالية أهم إشكاليات حملتها هذه الفلسفة التي أفضت من خلالها إلى منهج متميز واكبت من خلاله العالم الجديد الذي تولد عبر مجموعة من الاكتشافات اللغوية والنقدية، وسمحت بإبراز تمايز بين (المعنى والمرجع) المرتبط بالمفاهيم الاصطلاحية والادراكية الخاصة. وعليه فإن الوظيفة المرجعية في اللغة لا تجعل العلامة في تلاقح مباشر مع الخارج. “لكن مع الملموس وداخل التشكيلات الفكرية والدرامية، فلا تكون الإحالة على الشيء كمعطى من الواقع، ولكن على شيء من الفكر”، فالصفة التي تعرفنا بماهية الجوهر، هي التي تشكل الامتداد (الذات-اللغة-الوعي) الخاص للجوهر الجسدي، فهذا الامتداد هو ما نسميه بالعالم، الان الامتداد هو البنية المرجعية للذات التي تضفي على الابداع كل الخصائص الجمالية والفنية، من هنا فالمرجعية كائنة مؤثرة Affectant في وجود الشيء، كي تكون قابلة للمعاينة في وجودها الرمزي، ينبغيان تدرك من خلال الحضور كتغيير خالص للمكان والزمان، فالعلامة كشيء تساهم في تحديد وجود هذه الذات المتكلمة، لان التميز الممتد الى اللغة يفضي الى كونها الاحتجاج في وجودها الى غيرها. فوجود اللغة مرتبط بوجود ذات، ويقول د.خرماش “فعنصر الذاتية ليس غائبا تمامافي ذلك النقل أو التمثيل، لان وظيفة الفكر لا تقتصر على العكس الهادئ المسالم للأشياء، وإنما هو طاقة ديناميكية عاملة في التحصيل والاستعاب وهذا يعني أن تمثل الواقع الموضعي أو الحقيقة الخارجية، أي إقامة مرجعية ذهنية بجميع تمفصلاتها لا يتوقف فقط على ما يكون عليه هذا الواقع، لكن أيضا ما يكون عليه الانسان المدرك أو العارف، فاللغة هي نسق تجمع بين المفهوم والصورة الصوتية، وتشتد أشد الارتباط بالذات بمعناها الحقيقي.

نسكن الوجود الإنساني معا، لأن فعل التفكير أي فعل إنتاج الفكر لا يعني شيئا أخر، غير الالتزام الذي يقدمه الانسان اتجاه الوجود، ومن أجل الوجود، هكذا يقول هيدجر “الفكر هو التزام الوجود” فالمرجع هو في نفس الوقت فكر المرجعية من حيث ينتمي الى الوجود، انه الانصات الى هذا الواقع، إن ما نهدف اليه هو تحرير المرجعية من الشبهات الميتافيزيقية، وتحريرها من التأويل التقنيالذي يعود جدوره الى ارسطو وأفلاطون. إن المرجعية قد أسقطت كل ديكتاتورية لغوية بغية اكتشاف علاقة الذات بالواقع واللغة، أي حسب التعبير الهيدجري أن يتعلم بوجود في شيء لا اسم له، أي بعبارة أخرى أن يجعل للإنسان نفسه مؤسسا على ماهيته.

إن عبارة المرجعية حاضرة لا تحدد الجواب حول السؤال الذي يهدف الى معرفة واقعية الانسان أو غيابها، بل تمثل الجواب حول السؤال الذي يطرح حول ماهية الانسان، في نظري لا يتحدد إلا من خلال الماهية (الوجود)، ولا يتحدد الا من خلال الطابع الثابت في الوعي الذاتي من حيث هو حاضر كمكون فاعل في عملية التوظيف والممارسة والبناء، فان الانسان يضطلع بهذه الصفة، حيث يبلور مقوماتها في سجن الحضور، حيث أن الوجود المعرفي لا يعني شيء أخر غير المثول، مثول الانسان في حضوره، ومثول الذات في معرفتها، أي أن المرجعية ترتبط بوجود الانسان.

فهي في حقيقة الامر طريقة التي يسهر بها على حقيقة وجوده من حيث هو موجود، كما أنه مطروح بالكيفية التي يكون فيها وبها منفتحا على الوجود، هو الساهر على أمن النص، بهذا المعنى نفهم قولة هيدجر: “إن الانسان هو راعي الوجود وهذا هو المشروع الذي يحمله كتاب الوجود والزمن كعبء يفكر فيه…”، لكن إذا تساءلنا حول إمكانية أي تحديد لها؟ ما هي المرجعية لذا نجيب محفوظ إنها تكون أكثر قربا من الانسان على المستوى المعرفي، وأقل قربا على المستوى الوجودي، ذلك أن المعرفة تقدم لنا الكائن، ليس بالمفهوم الكوجيطي (انا أفكر + أنا موجود) با انطلاقا مما تحمله من قضايا إنسانية وإبستيمية، ومن حيث ما تحمله الذات المبدع، ووجوده ويقول هيدجر: فعبارة أصيل وغير أصيل، يعنيان هذه العلاقة الديناميكية الخارجية عن…. الماهية الإنسان بالنسبة لحقيقته (الوجود التي تبقى جديرة بالتفكير قبل أي شيء اخر، لانها لحد الان تظل محتجبة”، إن هذه العلاقة التي توجد المرجعية بالإنسان، كفكر وكممارسة ليست تلك التي توجد على أساس “الاصطلاح” بل إنها ماهية الانسان بصفتها حقيقة الوجود، الان الانسان يوجد في اللغة التب بمثابة منزل للوجود، حيث بجواره يسكن الانسان وفيها يبلور ماهيته، وفكره ومعرفته وفهمه، فوجودها هو وجود من حيث هو وجود تاريخي وإيبستيمي، ويقول هيدجر: “ليس هناك وجود الا من حيث أن هناك الموجود هنا”.

وانطلاقا من هده المنظومة الفكرية إن المرجعية لا تحضر في الانسان إلا من خلال استحضاره اللغة، لان الوجود يضيء وينير الانسان في المشروع الخارج عن الثبات والذات معا، لكن هذا المشروع لا يخلق ولا ينتج الوجود المعرفي، بل هو عبارة عن مشروع مستخلص، يتم من طرف الذات التي تعكس الوجود لكي يظهر كضوء الموجود الذي يمنح الجوار الى الوجود الممكن. حيث في ضوء المرجعية تسكن الانا المبدعة من حيث هي موجودة بصفتها حسب تعبير “هولدرين” فالمرجعية هنا ليست مفهوما بالمعنى البيولوجي ولكنها تتخذ في بعدها المعرفي والأنطولوجي، تأخذ مستويات متعددة سواء في ظل الفكر المغاير أو السائد، فهي الوطن الذي يؤصل فيه الانسان ويمتلك فيه ذاته، أي أنها ليست مكانا وحيدا ولكنها وجها لوجه أمام معانقة حقيقته، إنه الوجود، هذا الوجود الذي تم نسيانه حسب مفهوم “هيدجر”.

فغياب التحديد الاصطلاحي واللغوي الذي هو أهل وأجدر للتفكير. يمكن أساسا في التخلي عن الوجود الخاص للكائن، إنه علامة نسيان المعرفي. من هنا أن الحقيقة المرجعية تظل نسبية هي الأخرى في الكتابات الغربية والعربية، وغير محددة في شكل عبارات تريد أن تقول شيئا أخر غير الطريقة التي يوجد بها الانسان في ماهيته الخاصة، تعمل على إقصاء التصورات التي ترى بأن وجودها هو هيمنتها. نخلص من هذا كله أن عملية مجردة ومنسلخة عن العالم والانسان والمرجع والواقع والفكر، بل إنها تنحدر من الاحتكاك والتوليد. لذا نقر بأن إذا ما أردنا أن نموقع علمنا داخل العالم “المرجعية”، فإنه ينبغي أن ننطلق من ذواتنا عبر إحساسات وعواطف ولغة، متجاوز بث عبرها كل معنى قصد الوصول الى سياق يرتبط بالمعجم والدلالة والنفسي والثقافي والاجتماعي، لان المرجعية مؤسسة حول الموضوع والوظيفة وعلى النقل، وتشكل التبرير الجوهري لعملية التواصل، ذلك أننا نتكلم بهدف الإشارة الى محتوى معين نرغب في إيصاله الى الاخرين، فالوظيفة المرجعية تتقاطع مع وظائف متعددة (التعبيرية والانفصالية واللغوية) والى كل القضايا المرتبطة بالمرسل، ويرى “ديكرو” أن المرجعية مرتبطة بالعالم الخارجي وبأسماء الإشارة les démonstratifs  وبالمعرفات les déterminants ، وبأسماء الاعلامles noms propes، ويقدم “كريج” فرقا بين المرجع والمعنى، جاعلا من المرجع واحدا ووحيدا، ولكن الوصول اليه يختلف من تيار الى تيار ومن مدرسة الى مدرسة، فهو يشار اليه بالعبارة، أما المعنى فتتنوع حسب أطروحات المفكرين والباحثين واللغويين، فهي تشكل النظرية أفعال الكلام، لأستين وتطورت على يد “راسل وكرناب” أما في مجال المسرح فقد تم النظر الى المرجعية والمرجع من زوايا عديدة ( المؤلف، النص، القارئ) وأمام هذه الوضعية نتساءل هل يمكن دراسة في غياب المرجعية؟ وكيف يمكن تحديدها خارج السانيextra linguistique، وما هي علاقتها بالتأويل والتفسير؟

فالأمر لا يتعلق باللغة التي تنتج النص الغير المحدد بل تتنوع عبر فضاءات النص لتتجسد بالكتابة، وتتماثل مع الزمن التخيلي، لأنه الابداع يولد كلحظة مترامية الأطراف تظهر في كل أجزاء الفكر، بشكل منظم، ويخضع هذا التناغم لإيقاع لحماية تساهم في تشكيل تسوية جديدة، وتختزل الوجود، لتعيد ترتيبه في مخيلة القارئ، وهو يتمم عملية القراءة، كما يبدو والبعد الايحائي ككتلة نصية متكاملة تنتشر في النص كله ليجمعها القارئ مكن جديد، هكذا يرتسم مفهوم المرجعية، خطا أفقيا يحدد لنا فترة الحضور والغياب، والتشتت والتوتر خباها المبدع، ويرتبط بها شعوره واحساسه (المرهف)، لان الحضور المرجعي يرتبط بالزمان والمكان زمن يعمق رؤية المبدع ويشكل إيقاعه الوجودي حيث يحتاج “المبدع والقارئ والناقد” الى استحضار الذاكرة لإعادة تأويل وتفسير الواقع تفسيرا جديدا على ضوء الحاضر، أو لإبرازه كما هو، وكمقام يجسد معالم الذات كوظائف لغوية وغير لغوية.

إن التفكير مستحيل بدون صور كما يقول أرسطو ولقد صارت الحقيقة غير قابلة للتمييز عن الأفلام، لذى يرى دولوز بأن الصور لا ينبغي أن ترتبط بالعمق، بل لابد لها من سطح كما يقول في كتابه “منطق المعنى” فالصور لا تختلف من انسان الى انسان، إنه عالم افتراضي أو ممكنات العالم، إنه عالم الصور يحتك بعالم اللغة مما يولد لدينا عالما متلاطم الأمواج ودور الوعي هو اقتناص الصور أو الشكل، فالعالم وفق النهج الدلوزي مجموعة من الصور تترابط فيما بينها دون انقطاع، والعقل يقوم بمونتاج لهذه الصور المرتبطة بالوعي، أما الحركة ترتبط بالبعد المادي الخارجي أو بالفضاء، وبين العالمين: الكيفي والمادي (الكمي)، فالشعور هو حزمة ضوئية تنتزع الأشياء من ظلماتها الطبيعية لتكون ممكن الوجود، وليس واجب الوجود.

فالأشياء هي التي تجذب الشعور، ولا يوجد الشعور الخالص، بل يرتبط بالمادة لذا فالصورة هي المادة، حسب دولوز ما قبل الإنساني والادراك الحسي، وصورة الفعل، فالذاكرة هو إدراك لما هو سابق 

وما هو لاحق، أنها صور متلاحقة ليست بينهما فواصل، فصناعة الغرب للعصور هي صناعة فكرية بواسطة الوعي، فنحن نتحرك في ذاكرة الغرب، أي وجود ذاكرة عالم يعمل على تخليص الانسان من تزييف الذات المؤولة في الخطابات الاستحوادية وتخليص الصور من القبليات والفرضيات المستبقة، والمواجهات الأيديولوجية، فجاك يريد ايلح على الفكر المختلف لكي يواجه المعرفة في إطار العقل، وفي اطار الخرافة المبدعة من أخر المهيمن.

ولذا يترتب عن هذا في اطار الاختلاف، هو اقصاء التمركز ليكون للصور عمقا، واحاطة التساؤلات وتاريخية، لان طغيان العقل هو إفساد المفهوم التأويل والتفسير، في تاريخ الفكر الغربي، حيث يؤسس نظرية تفكيكية تتجاوز تلك التي كانت تعني في المقام الأول بالتمركز من أجل تكوين أطر نقدية لتفسير الصور الأنثروبولوجية وشروحاتها الفيلولوجية، وكذا معرفة التفاسير المؤسسية من طرف العقلانيين، هكذا صاغ دريدا هذه القاعدة بطريقة قطعية لكي يعرف بقبول الاخر المقصي بطريقة تعسفية، ولإظهار الأوهام والخرافات التي تخدم توجهات الانسان الغربي.

إن جاك ديريدا في نقده هذا يفتح لنا أفقا غير استحوادي لهذه الصور إما قبل، وإما بعد من أجل التمكن من تحويل صورة المقصي من التاريخ والفكر، واعتباره إنسان غير عقلاني وبدائي، ومهمش وكل الصور الغائبة والحاضرة الرابطة في أعماقه، فهذه المقاومة هو إضعاف كل التأويلات المتعالية والمعيقة لتطور المهمش، إذن هل يمكن للغربي أن يعيش وحيدا؟ وهل وجود الاخر ضروري أم حتمي أم طبيعي؟ وهل التفاهم مع الأخر مستحيل كما يقول غاستونبيرجي؟ وكيف استطاع أن يؤسس لنفسه لغوسا في غياب الاخر؟ وهل العرب الأن قادرون على تجاوز أنفسهم لفهم الاخر المهيمن؟ أسئلة كثيرة ومتعددة تساهم في المادة النظر في الصور، والرمز المجسد عن المقصي، لأن الكتابة إذن هي الواسطة بين الحداثي وما بعد الحداثي، وما بين العقلاني وما بعد العقلاني، والمتقدم وما بعد المتقدم وما بين الأيديولوجي والتأويل، لذلك يمكن تفسير هذه الثنائيات على أنها مهدف ومسعى لتكوين معايير غير عقلانية وغير مهيمنة، تجعلنا نفسر التاريخ، والكون والمعرفة والقيم أنها مفتوحة لا تنتهي لقارة دون قارة أخرى، فهي غير متواترة تعمل باستمرار على تطوير المفاهيم والمصطلحات لكي يتواجد المهمش والجابري، لان نقده هو نقد الماضي من أجل انتاج نقدي ومسؤول من أجل القفز إلى المستقبل، فالنهضة لا تعني العودة الى السلف بل هي الانشداد الى المستقبل في توازن دون فقدان أصالة أو ذوبان الخصوصية كما يقول، فإعادة الحاضر هو إعادة الماضي بوعي جدلي، يربط بين الفكر والواقع، ويرفض كل تجربة لا تستند على مبادئ المساءلة. لذا من المستحيل علينا نحن العرب المعاصرين أن نجهل طريق الماضي، إذن نحن مطالبون بكتابة تاريخ ثقافي عربي جديد برؤية نقدية وبتوجيه علمي، يؤسس للمرحلة الاتية، والممكنة وما ينبغي أن يكون لا ما كان فحسب، لان الوعي النقدي الجدلي، هو وعي تركيبي لا يقف عند المعرفي الأيديولوجي المنحط، أو عند تداخل الأزمنة، فتراث هو أرضية متحولة تسكن كل الانساق الفكرية، والأيديولوجية فهو سلطة تهيمن على الذات والواقع، ليس كتفاعل تاريخي، فالعودة اليه هي عودة تتسم بالقطيعة، لجعل الحداثة تحتويه لتصنعه من جديد على صعيد الشمولية العالمية، فالجابري يسعى في كتاباته الى عقلنة التراث وعقلنة الفلسفة، والعلم الان الحضارة العربية المعاصرة تقوم كلها على التنظيم العقلاني لكل مرافق الدنيا رغن أن العقل العربي يحمل في كينونته رواسب الماضي (الانحطاط- اما المعقول)، فهذه الرؤية الوصفية هي رؤية نقدية لهذه المراحل التاريخية التي تتطلب منها طرحا عقلانيا، وفكريا وتأويليا.

اذن فالرؤيا العقلانية هي عبارة عن نموذج حداثي يؤطر التراث بغربال نقدي، لكي يميز بين ما هو حي وما هو ميت، فهو السبيل الأوحد يخلق ثقافة وطنية صحيحة، لذا يتفق مع حسن حنفي، وزكي نجيب محمود، في التوغل في أعماق التراث، فقد تجاوز كل القراءات المنحطة والفاضلة، حيث دهب الجابري الى نقد النقد، من حيث المضمون، حيث يتجلى الأغراض المتعددة واعتماد المعاني العقلانية كبديل أيضا من حيث الشكل، فتتجلى الفصاحة والقوة وتنويع الأساليب النقدية المرتبطة بالدولة الإسلامية، والخلافة والفقهاء والمحادثات، فالإسلام لا يتعارض مع أطروحات الحداثة كما يرى أدونيس بدوره في كتابه الثابت والمتحول، بل يرفض كل ثقافة ذات بناء ديني، أعني ثقافة اتباعية تلغي كل ما هو مخالف للموروث السائد ، لذا يرى أن التنشئة المتناقضة التي يعيشها الانسان العربي في ككون عملية التلقي لا تساير واقعه الأصيل المناسب للواقع وخصوصيته، مما يجعل القواعد الاتباعية تتسم بالغموض والتناقض، وتكشف لنا عن عدم وجود نسق معياري يتم باسمه مباشرة تكون رؤية جديدة ويزيد الفقهاء والبلغاء النجاة من حدة هذه المعاناة من خلال تمثلهم له على أن هذا التجديد هو معاق وغير قادر على إنجازات حصيل جديد يلائم السلف، ولا غرور في ذلك فعملية القراءة المغايرة تتم داخل جو من القلق والخوف، مما يؤدي في حالات متعددة الى فشل كبير في السياسة والدين، ودلك بدرجات متفاوتة حسب اختلاف المتغيرات الوسيطية التي اعتمدها الباحث الاتباعي، إذن فالبنى التقليدية ولدت دون عتبة دينية، الشيء الذي جعل من هذا الطرح سيرورة مستقرة من التغيرات حيث تهدف الى ادماج الجزء داخل الكل، كما يعني به عملية اكتساب القيم والمعايير والتمثلات الاجتماعية، من أجل بناء المجتمع المثالي الثابت، ويقول أدونيس “إن الاتباعية تأسست على الايمان بأولية ثابتة، كاملة ومطلقة، والدين أساس هذه الاتباعية باسمة أضفت أشكالها وأبعادها ومعاييرها على الساسة والأدب، لقد كان هدف أدونيس وضع قواعد حداثية تتلأم مع الواقع العربي المعاصر، وهذه القواعد هي: زرع الاختلاف في الائتلاف، والوحدة في التعدد المنهجي، عارض براعته الفكرية التي تنم عن قوة تركيبية ونقدية، أكثر ما تنم عن قوة محاكاتية، وهذه الرؤية التخيلية عبارة عن روابط الموجودة بين هذا المنهج النقدي ومنهج التاريخ، حيث يحصر التراث في بعده الديني برؤية عدمية لان هدفه هو كسر هده البنية الاتباعية التي يرسخها الدين الإسلامي، وذلك عن طريق الترويج والتشجيع للنزاعات الالحادية في الإسلام، وثورات الزنوج والقرامطة، وتشجيع التصوف باعتبار أنه يحول الدين الى مسألة ذاتية أكثر من كونه ذات بعد موضعي، وبهذا تكون نزعة أدونيس اتجاه الدين والتراث نزعة عدمية نهدف الى هدمه.

يحاول الجابري في هذا العدد أن يبرز الاختلافات التي تميز منهجه عن تاريخ الفكر الاتباعي لاسيما المرتبط بالأصالة والتكرار وعدم التحول، وبالوقوف على هذه الأشياء تكون غايته الوقوف على خصوصية هذا التراث، ومن هنى يرى أن الخواطر والأفكار التي ترصد في هذا الخطاب التراثي، لا يكتفي بالنظر الى الخطاب من حيث هو ممارسة تحكمه قواعد، فهو لا ينظر اليه على أنه وثيقة لان التحليل الحفري ليس مبحثا تأويليا ولا مجازيا، فالتحليل العقلاني لا يجعل من ذاتيته استكشاف مظاهر الاستمرار الذي يربط الخطابات بما يسبقها وبما يحيط بها وبما يلحقها من تغيرات نسقية وفكرية، إن غاية الجابري هو نقد العقل العربي في خصوصيته من أجل ابراز كيف أن تلك القواعد العقلانية التي تخضع لها تلك الخطابات (علم الكلام –العفوية– النحو – البلاغة – الفلسفة…) أن تكون عبارة عن قواعد وممارسات التي تحكم الإنتاج الفكري وتوجيهه، فالقول يدور الذات المفكرة هي أمر لا ينبغي التفكير فيه فيها، بل الهدف معرفة كتابة نقدية التي تؤسس لموضوعها المبتكر كما يقول فوكو، لأننا لم نعد نقف أمام حقل العبارات وانتظاماتها، وتشكلها المفاهمية، التي تتحول من مسببات الى أسباب، ومن التزامن الى القطيعة، ومن الاتصال الى الانفصال وضروب من التحول، وهي الوان وأنواع ملتصقة بالوضعيات، وهي من صميمها، وتتم داخلها وعلى تشكيلات خطابية تظهر وتختفي، فالتراث الذي يريده الجابري تبينه هو اتخاذ فكرة التأكيد على كون الخطاب المعرفي يجاوز الذات، ولا ينسب اليها لكونه يتبنى فكرا مغايرا ومفوضا لجميع المفاهيم، والعناصر المكونة لجسم التراث وكيانه المادي، فانتقد الجابري كل المفاهيم والتشكلات المعرفية، وكذلك الاختيارات النظرية الجاهزة التي يعتبرها عناصر ومكونات للتشكيلية القاعدية للخطاب العربي، لان هذه المقاربة الابستيمية هي عبارة طفيفة ونادرة في جوهرها، فلا حاجة تدعوه الى توليد رؤى، بل إرساء خصوصية عقلانية داخل الفضاء الحداثي، لان تكوين العقل وتطوره يطرق قضايا لها علاقة بمواقع التراث، ويمنعها من النظر اليها من زاوية الثبات والاصل، وذلك من أجل أن تعكس روح العصر الحداثي.

ثمة رؤية منهجية تحتلها الذات داخل التراث، وهي موقع لا تتحدد كما قلت برؤية بنيوية، بل برؤية سميولوجية يمكن أن يحتلها أفراد وجماعات، من أجل الاستمرارية والانتقال المغاير لها، رغم اختلافها تكون مع ذلك كلا واحدا وموحدا، تحكمها قواعد الانتقال من زاوية موقعها الى زاوية التأويل وهنا تتوفر الحظوظ في اكتشاف فروق جديدة بين العبارة من جهة والكلمات والجمل والقضايا من جهة ثانية، ذلك أن التراث يحيل الى ذات نعتبرها  الملكة التعبيرية، والقادرة على تأسيس الخطاب كما يقول فوكو، فالذات إذن تحتل موقعا ولا تحيل على الصورة، حيث تتميز عن الذوات الأخرى كمشتقات لها، ولعل هذا ما يفسر الأهمية التي يتخذها هذا البعد وما يرتبط به من مفاهيم ووظائف، كالهوية والخصوصية، وقد أدى به الى توظيفات مفاهيم إجرائية أخرى لتأويل ذلك التراث كمفهوم القراءة والأيديولوجية، وما يرتبط بهما من مفاهيم أبستمولوجيا، كالموضوعاتيلة والتاريخية، والفينومينولوجيا والقطيعة، والبنيوية كلها ادواتتسمح لنا بتشكيلات تاريخية على أنها ذوات أسوسية تقبل التعيين في مستويات متعددة، إنها بمثابة عتبة غير متجانسة تخترق كل المستويات وتعبير البينات الذهنية ووحداتها وتمظهراتها السلوكية بمضامين جديدة، تطبعها سمة المفكر الناقد (بضمير المتكلم). اذ تسعى هذه الذات (الجابرية) الى الإحاطة بالإنجازات العلمية والمعرفية، بغية اكتشاف عنصر خفي الذي هو التراث والتجديد، فهو القانون الثقافي الذي يحدد نوع الموضوع الذي من شأنه أن يثير اهتمام العلم لكنه بمعنى الى إدخال اختلاف مهم بين أنواع الممارسات الخطابية، وأنواع الموضوعات التراثية التي تحررها كل ممارسة إبداعية نقدية، إذن نطرح الأسئلة التالية: كيف وظف الجابري مفهوم القطيعة؟ وكيف تمت القطيعة مع التراث الإبداعي؟ 

انه تفكيك ألية التفكير التي كونت التراث فيه، جعلت الجابري يعيد كتابة تاريخية جدية لتكون بديلا على أنقاض تاريخ الأجزاء الممزقة المبعثرة، يجب أن نبني تاريخ الكل، فهذه المراجعة للتاريخ، هي مراجعة للعقل العربي بكل بعدأسسه المعرفة، وبجهازه المفاهمي الذي استعمل في الحقل الثقافي العربي،فهذا الجهاز إذن يختلف عن الجهاز المفاهمي المستخدم في تاريخ الأفكار والمعرفة، والتراث إذن ليس سوى تاريخ أفكار بالمعنى الكلاسيكي، وليس تثوير للتاريخ كما يقول بول فاين Paul Veyne، فالباحث محمد الجابري لا يخرج عن دائرة فوكو وحقوباته، لان فوكو تناول العصر الكلاسيكي في كتابه “الكلمات والاشياء” لان الأرضية التي سمحت له بدراسة قضايا المعرفة وكذا النحو العام، والتاريخ الطبيعي أي البيولوجيا كما عند فراجو جاكوب في منطق الكائن الحي La logique du vivant .

فالاختلاف حسب ديريدا هو استراتيجية عامة لتفكيك مفاهيم الميتافيزيقا العربية، من أجل بناء فكر مضاعف، وخلق مساحة بين الماضي والحاضر والمستقبل، وهذا يعني أن الماضي لا ينفصل عن الحاضر، لان هذا الأخير يربط بالماضي من خلال الاثر، فالأثر حسب ديريدا يتوفر على الأمل يعني أن البعد الاختلافي المنهجي يقوم بمحو أسطورة الامل الحاضر، أي أن الامل هو الأصل، فالجابري يرى أن الماضي لا ينفصل عن الحاضر، ولا ينفصل عن المستقبل، بل يخلق مسافة مرتبطة سيرورة زمن القراءة، لان الاختلاف يعتمد كما ذكرت، على الانتقائية (الهوية- الذاتية)، حيث أن المؤجل (الأصل) يحيل دوما الى اللاحق، والهوية- والذاتية والتاريخ والسؤال، فالجابري يرى قد منح لهذه المفاهيم لهذا النقد، والكتابة كطاقة وحركية لمفردة الاختلاف، وكتميز ومسافة وكتأخير، فلا وجود للقراءة العقلانية دون تأويل التراث ولا وجود للتراث بدون نقد، ويقول فرويد “فمبدأ اللذة ينمحي ويزول ليفسح المجال الاوسع لمبدأ الواقع… نقبل بتأخير وتأجيل اللذة … وتسجيل الوصول الى مبدأ دورة اللذة”، إذن فمبدأ اللذة مستحيل تحقيقه ويبقى في حضور مؤجل في الواقع، كمتخيل وكمسافة لكونه مرتبطا بحضور نفي الأصل، كادراك، فمنطق القراءة العقلانية لا يعكس نظاما فكريا، ولا يجعل العقل العربي سيد كونه، لذا يدعوا الجابري الى تكسير كل نظام شمولي، وتماثلي، وكل هوية مغلقة، ليتم إظهارها وبناء منطق نقدي جديد اسمه الاختلاف المنهجي والنقدي، ليتمكن التراث من تقبل التنوع والتعدد ولينظر الى التشابه والذاتية كما لو كان وليدي التنوع وتعدد أولي، لعل الاختلاف عنده لا يتوحد مع الهوية المغلقة الى بالاختلاف الذي يتأسس على الكشف والاظهار قصد الكشف عن ما هو مغمر داخل تاريخ الفكر والتراث.

فالنقد الثقافي إذن لا ينتهي بنقده ولا بتأويله، يتدخل مع الاجناس المعرفية، لتمتد داخل العالم بأسره، لهذا فهو يهدف الى تحطيم المركز والانغلاق، من أجل بناء رؤى متعددة ولا نهائية، وهذه المواصفات المعروفة تفقد درجة تناغمها وتألقها أمام التحولات المتواصلة، فهذا الحضور الفوكاوي جعل فكره يتسم بطابع ابستسمولوجي، ينظر الى حقيقة الأشياء ومضامينها خارج السؤال الكلاسيكي القديم، وداخل الحقيقة العلمية التي تتحدث فيها الحقيقة العلمية التي تتحدث فيها الحقيقة بشكل مزدوج، مما يدعوا الى حصر مجال نشاطه النقدي والتحليلي داخل الوضعيات التي تفرض تقنيات كفضاء معرفي جديد تفسر فيه المفاهيم انطلاقا من مظاهر المرئية والتنظيمية كما يقول تويلي في كتابه: jeut et enjeux de la science, r lffont – paris – 1972 p142.، وكذا الكيفية التي أصبحت بها أفكار الجابري قابلة للتحليل، بهذا المعنى يمكن أن أقول بأن قراءة الجابري هي بمثابة حركة عبور نحو الفصل الموازي، فان هذه القراءة تطرح مسألة التأويل وتجربة الذات، فيما يحددها هي قدرتها على زلزلة المكونات الاثرية، وعدم الانصياع للذوق، بل الثورة التراثية على كل الكليشيهات المعرفية، لأن النقد الثقافي هو كتابة جديدة، ومضاعفة تصنع نفسها وراء المألوف، إنه الانزياح عند العادي والمعياري والشمولي، وخلخلة للذات، وتسرب داخل المحتمل قصد عقلنته، لكي يتجدد من خلال المخالفة المعرفية ومن الصواع أيضا، حيث يمنح للنصوص التراثية تفسيرات جديدة، وتقاطعات تؤسس نقدا حواريا باستمرار قد يتوقف بموت كاتبه وناقده كما يقول جاك ديريدا، مما أعطى لهذا النقد الثقافي متغيرا متعددا، لتقديم التفسيرات المطلوبة والمتدافعة في علاقات متشابكة في المحاذرة والتعارض والتنافس ، فالنقد عند الجابري مفتوح سواء برؤيته أو بالتداخل والتفاعل، حيث يطرح تساؤلات حول بداية الدعوة – والدولة – والأمة، والخلافة والامامة، والفرق الكلامية، وعلم الكلام والعقل، والأخلاق والفكر …وغيرها من المفاهيم، وهذا يقربنا الى المفكر السوسيولوجي إدكار هوران الذي يؤكد على أن الالية والحتمية هي مبدأ الحوار الذي يدخل فيه النظام الفوضى والتنظيم أو التفاد، فدخول الفردوالجماعة في نسق مفتوح مع علاقة نسبية، لان تحويل الموقف النسقي للموضوع الى نمط من المعرفة السوسيولوجية، أدى الى دراسة الأسئلة المطروحة في التراث، فبعد فكري وثقافي وفلسفي واجتماعي، فالجابري يرى أن التراث هو فلسفة الحضور، تعتبر نفسها صورة للماضي، فهي ذاكرة ترتبط بالماضي، ولكن كيف نتعامل مع هذه الذاكرة الطويلة كما يقول جاك لاكان، سوف نتعامل معها على أساس الاختلاف والمغايرة، لان الماضي لا يستطيع ان يتعايش مع الحاضر، لان هذا الأخير لديه أسئلة كبرى، ورهانات خاصة، لذا يبحث دوما في المتون التراثية، انطلاقا من النص، ومن القاعدة المنسية والمتعددة في جسم النصوص العربية لخلق معيار منهجي، يحمل التعدد والتمفصلات اللغوية والفكرية، أو بتعبير أدق يكشف لنا عن لعبة الكتابة الجديدة التي تحيى في أنطولوجية الثقافة العربية ولكي يبين لنا حقيقة التراث العربي داخل المتعدد النقدي المعاصر، فهذه الحقيقة لا تتم الا من خلال محور الاختلاف الذي أصبح جسرا داخل أبنية الهامش والمركز.

إن تعويض منطق التماثل والتشابه، يعني البحث عن عتبة التي تتعايش داخلها الاختلافات لا وحدة ولا هوية، لان أصل التراث يأتينا من الانسان، والكون وحيث نطرح السؤال من أين نستمد الأسئلة التي تتحدد كمستوى فكري وكوني؟  سؤال يندرج في عالم المفارقات ليصير بعد المقولاتي، عودة جديدة الى الأصل المفقود، لكونه ذاتية الاختلاف حسب جيل دولوز، والجابري لا يأخذ الأمور النقدية بالظواهر بل بالبواطن التي تجعل مفاهيمه تنخرط في البنيوي وما بعد البنيوي، حيث وجد واقعا مهترئا يهيمن فيه الذاتي والتاريخي دون فهم أنواع التشكيلات الفكرية والمعرفية، لذا جعل من نقده العنصر الفعال الدي يبني به قاعدة نشأ منها الخطاب النقدي الثقافي، محددا تعيناته ووظائفه كبعد اختلافي أي كتراتب متعدد لا يقف عند الاصالة ولا شروطها، بل الى بناء نظرية نقدية معرفية، واضفاء طابع النسبية على كل المقولات التي ذكرناها والمفاهيم الموظفة، وهذا العمل لا يتأتى له الا في مجال تاريخ الفكر العربي والغربي الذي يرصد الانقطاعات والاتصالات.

خلاصة: 

ومهما يكن من أمر، فإن الجابري يعد طودا عظيما يسكب الخير لأهل المعرفة، ويقرب لنا المسكوت عنه برؤية نقدية تراعي الجوانب التاريخية والمعرفية، عارضا براعته الفكرية التي تنم عن قوة تأويلة وحفرية، أكتر ما تنم عن قوة محاكاتية، فالجابري لا يدعوا الى حراسة التراث، بل يدعوا الى تكسير هذه الاصنام المتبعة من حراس الجهل المقدس، وهذا التكسير يقربنا الى عتبة العقل العربي الذي لم يستطع أن يفكك أطروحات التخلف والجهل والديمقراطية وحقوق الانسان، بل أبدع صناع الأحزاب وفبرك لغة القناع المقدس، هكذا عمل الجابري على تجاوز كل الأنماط القديمة والمحدثة برؤية عقلانية التي تعتمد الغربلة والتصنيف بدل الاتباع والانصياع للتراث، إن هذا المقال ليس إلا جزء من قراءة لهذا الفيلسوف والبنيوي التاريخي والعقلاني، لأنه قربنا من إشكالية العقل العربي والتراث، وكذا موقع العقل العربي فيما بعد الحداثة فيبقى الجابري قارة معرفية مفتوحة مازال البحث فيها من أجل البناء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى