أين أنت يا أبانا كي تحمينا؟

خالد جمعة | فلسطين

إنه اليوم الأكثر حزناً، ليس فقط لأن الشهداء سقطوا فيه بمئة رصاصة محت ملامحهم، ولكن لأننا اكتشفنا ـ مجدداً ـ وهمنا العميق، إذ تناسى كثيرون ما يعنيه الاحتلال، وما يعنيه أن تكون مناضلا دون سند جماهيري، دون سند فصائلي، دون سند سياسي، دون سند من أي نوع، غير دعاء الأمهات الذي غالباً يمكن أن ينفعك بعد استشهادك وليس قبل.

حين تقرر أن تستبدل حياتك، أكلاتك المفضلة، أشكال الموضة، أنواع الموبايلات، وبنت الجار التي تحبّ هيأتك وخطوتك في الشارع، وتضع البلاد مكان هذا كله، تعبئها في قلبك كمخزن بندقية، فأنت مختلف في الوقت الذي يجب أن يكون هذا هو العادي، لماذا أصبحت مختلفاً، أسمعك تسأل، ورغم أن لدي إجابة من ألف صفحة، إلا أنني لن أزيدك حزنا، فلو أجبتك لزارك الموت مرة أخرى.

سمعت صرخةً أخيرةً، ربما كانت آتية من الثقوب التي أحدثها الرصاص في زجاج السيارة الأمامي: أين أنت يا أبي كي تحمينا؟ لم تكن صرخةً تطلب حمايةً من الموت، فأنتم لم تطلبوها، بل حماية من النسيان، حماية من أن يذهب كل هذا العشق الذي رعيتموه كل ملليمتر بشلال دم، أن تذهب هذه السفن السائرة من منافيكم في أوطانكم إلى طاولة الخطابات المقبلة، وأن تكون أشرعتها أكفانا لمستقبل يبدو غامضاً.

إنه اليوم الأكثر حزناً، حين نكتشف أن لا شيء، ولا أحد قادر على حماية شتلة زيتون من الريح، لا أحد قادر على حماية صورة من حبر الأعداء الأسود، لا أحد قادر على نحت تمثالٍ لصبيٍّ في العاشرة يحلم بأغنية للوطن، لا أحد قادر على أي شيء، ولا شيء يأتي إلى أي أحد.

إنه اليوم الأكثر حزناً، لأن منديلاً مطرزاً، لأمٍّ ثكلى سقط في الطريق إلى المقبرة، وهو يحمل دموعاً ملوّنةً بالدم، ويحمل تنهيدةً لم يستطع جبل جرزيم أن يحتملها، ولم يعثر عليه أحد، بصراحة: ولم يبحث عنه أحد.

إنه اليوم الذي ينقل فيه الأعداء كلاما عن قنابل موقوتة، فيما تدق نابلس ركبتيها في الأرض، تطلب غفران الأرواح التي استأمنت ترابها، لم تنفعها خمسة آلاف عام من التاريخ، فكل مرة تحزن المدينة بالطريقة ذاتها، منذ أسسها الكنعانيون وهي تلقى السيوف في جلدها الزيتوني، صدّت بابل وفرعون، صدت آشور وفارس، صدت السلوقيين والرومان، صدت كل من أتاها غاصبا، واحتضنت كل من أتاها عاشقا.

الآن يجتمع الأنبياء، على رأسهم يقف يعقوب بعينين بيضاوين من الحزن، لم يتصور أنه سيحزن إلى هذا الحد بعد عودة يوسف من منفاه، هو الآن على رأس الجبل، يبكي الورد الذي قرر فجأة أن يذبل، والعصافير التي قررت فجأة أن تسكت، والأشجار التي قررت فجأة ألا تنمو، وألا تهتز مع الريح.

إنه اليوم الأكثر حزناً، وغداً، سيكون اليوم الأكثر حزناً كذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى