في ذكرى نكبة فلسطين,,, كلامٌ لا بد أن يُقال

حسام عبد الكريم | كاتب و باحث – الأردن

أولاً

بعض الناس يلومنا نحن ( الفلسطينيين خاصة والعرب عموما) ويحمّلنا مسؤولية كارثة القضية الفلسطينية وما آلت إليه, على اعتبار أننا كنا “غير عقلانيين” وأننا بغبائنا وجهلنا تسببنا في كل ما جرى لأننا رفضنا قرار تقسيم فلسطين والحلول السلمية وأصرينا على الحرب والقتال ,,, فكانت النتيجة هي الهزيمة وفقدان الوطن !

ولهؤلاء اقول: هل “اسرائيل” دولة حمائم, وادعة ومسالمة؟ وهل لو تُركت “اسرئيل” وشأنها منذ تأسيسها, ولم يتصدّ لها أحد, لكانت اكتفت بما حددته لها الأمم المتحدة في قرار التقسيم 1947 , فلم تعتدِ ولم تتوسّع؟ هل “اسرائيل” هذه بلا اطماع في الأرض العربية؟! على هؤلاء أن يجيبونا إن كانوا يقدرون.

نحن أخطأنا بلا شك, ولكن ليس لأننا واجهنا “اسرائيل” بل لأننا لم نواجهها بما فيه الكفاية. ونحن أخطأنا بلا شك ولكن ليس لأننا تصدّينا للدولة الصهيونية ولكن لأننا لم نعدّ العدة المناسبة لتلك المعركة.

أي أن العبرة المستفادة من التاريخ ليست في أن المقاومة المسلحة كانت خطأ, بل العكس تماما. الكفاح المسلح كان صواباً , صواباً ثم صواباً ! ولو أننا حين مارسناه كنا أكثر تصميما وعزماً وعلماً ووعياً لما كان هذا حالنا.

ثانياً

اسرائيل باطلٌ وبُنيت على باطل, وستبقى باطلاً ما بقي الليل والنهار, وحتى لو اعترفت بها حكومات وانظمة فلن تصبح شرعية ابدا لأن الحق لا يسقط بالتقادم.

ستعود فلسطين الى اصحابها, ستعود حرة عربية رغم انف العملاء والمتخاذلين.

وهذا ليس فقط كلام انشاء, بل حتمية تاريخية, وكل من قرأ التاريخ يعرف ان الكيانات الطارئة مصيرها الى الزوال

ثم ماذا يعني ان اسرائيل هذه تمتلك اسلحة وطائرات متطورة ومتفوقة ؟! لا شيء,مجرد لحظة تاريخية ستعبر وتعدّي, ولن يدوم إلا الحق.

ثالثاً

زوال اسرائيل لا يعني بالضرورة الابادة ولا الذبح والسلخ. كلا. بل يعني زوال الدولة الاسرائيلية كدولة صهيونية يهودية واختفاء انظمتها وأجهزتها وتحولها الى عربية / اسلامية كما هو أصلها. شيء يشبه ما جرى في جنوب افريقيا حيث اختفت دولة الابارثايد العنصرية البيضاء من الوجود تماماً, وكأنها لم تكن, وعاد الحق الى اهله, دون ابادة ولا استئصال ولا همجية. ولذلك أقول وأكرر : زوال اسرائيل من الوجود سيحصل وستتحرر فلسطين من البحر الى النهر.

رابعاً

ليس هناك أسخف ولا أتفه من تلك التهمة / الفِرية التي نسمعها من حين لآخر توجّه الى الشعب الفلسطيني على ألسنة سفهاءٍ من القوم يقولونها إما جهلاً صارخاً أو لؤماً محضاً : لقد بعتم ارضكم لليهود وتخليتم عن وطنكم !

هكذا يقول السفهاء الذين وصًانا القرآن الكريم بالاعراض عنهم , ولكني من باب وضع النقاط على الحروف أقول :

ذلك كذب, ولم يحصل. لم يبع الفلسطينيون ارضهم رغم كل الاغراءات الهائلة التي كانت تعرضها الوكالة اليهودية آنذاك. هم تمسكوا بأرضهم وبلدهم بل وأصدروا حكم الاعدام على كل انواع السماسرة والعملاء ومن يتعاون معهم. والتاريخ موجود وموثق.

أما أقصى ما نجحت الوكالة اليهودية بشرائه من اراضي على مدى 50 سنة قبل حرب 1948 فكان لا يتجاوز 4% من ارض فلسطين في منطقة مرج ابن عامر في الجليل الفلسطيني بالتحديد. وتلك الاراضي لم تكن مملوكة لفلسطينيين بل كانت تملكها عائلات اقطاعية من العهد العثماني, وهي عائلات لبنانية وسورية معروفة قررت بيع ممتلكاتها في فلسطين عندما رأت الامور تتدهور الى الاسوأ.

هذا كل ما هنالك. حصلوا على 4% من الاراضي خلال 50 سنة, ومن عائلات تعيش في الخارج وليست من اهل البلد.

وأما قصة التشرد الفلسطيني والشتات والمخيمات ,,, فذلك حصل ليس بسبب بيع الوطن كما يدعي السفهاء بل بسبب التمسك به, وهو أدى الى العدوان الصهيوني الاجرامي الذي تعرض له شعبنا. وكانت الوحشية الصهيونية في الاعتداء على المدنيين مقصودة تماما وبخطة محكمة وضعها زعماؤهم من أجل ارهاب الناس وارغامهم على الهرب من مصير الموت المحتوم. كل انواع الفظاعات ارتكبوها : هم اول من اخترع اسلوب التفجيرات العشوائية في الاسواق, وهم من اعتدى على المساجد, وخطف الناس وقتلهم, وأخيرا الإغارة على القرى الآمنة وقتل سكانها بالسلاح الابيض, حتى الاطفال لم يسلموا من عصابات مناحم بيغين وشامير والهاغاناه,,,,

ولذلك كان من الطبيعي أن يلجأ عدد كبير من الناس للنزوح من مدنهم وقراهم الى مناطق أقل خطرا , حتى يحافظوا على حياتهم واولادهم . لم يكن القصد ترك الوطن, وانما تجنب الموت على ايدي عصابات الصهاينة المتوحشة. والبعض انتقل الى مناطق اخرى داخل فلسطين (وخاصة قطاع غزة) والبعض الآخر انتهى به المطاف خارج الحدود الى سورية ولبنان, أو الى شرق نهر الاردن.

هذا ما جرى. وهو سلوك بشري طبيعي ومفهوم ويحصل دائما في مثل تلك الظروف. ولا يُعاب الناس عليه. وفي زماننا هذا رأينا ملايين العراقيين يغادرون بلادهم وبعضهم عاد وبعضهم لم يعد, ونرى الآن ملايين السوريين مشردين في مشارق الارض ومغاربها, وقبلهم رأينا اللبنانيين ايام الحرب الاهلية كيف تركوا لبنان , ونرى ربع شعب ليبيا وقد غادرها فراراً من القتل والقتال الى تونس ومصر وغيرها , ونرى اليمنيين اليوم في جيبوتي ومصر , ورأينا الكويتيين سابقاً ,,,, والقائمة طويلة وتشمل بلاد العالم غير العربية ايضا.

اي ان النزوح شيء طبيعي. الناس تطلب الأمان فتغادر بلادها لحين تهدأ الاوضاع ثم يعودون ,,,,, ولكن الفارق في الحالة الفلسطينية أن الله قد ابتلانا بعدو شيطاني لعين أخذ بلادنا وقعد مكاننا ولا يسمح لنا بالعودة

هذا ما جرى لنا ايها الاخوة الذين تعايروننا بالتشرد وضياع الوطن !

خامساً

دعونا من القيادات والزعماء والرؤساء وكل هؤلاء ,,, ولنذكر فقط حقيقة أنه في حرب 1948 كانت الجيوش من سبعة بلاد عربية تقاتل معا في ارض المعركة ضد عدو مشترك. قوات من جيوش مصر وسورية ولبنان والاردن والعراق والسعودية كانت موجودة على ارض فلسطين, ومعهم ابناء الشعب الفلسطيني, يقاتلون ضد العدو الاسرائيلي.

ولذلك أقول لذلك الفلسطيني المتخصص في هجاء “العرب” وشتمهم واعتبارهم شراً مستطيرا ,,,, توقف يا اخي رجاءً . فـــ “العرب” لا يستحقون منك ذلك الشتم والبغض . صحيح أن منهم الخائن والمتواطئ , ولكنّ منهم ايضاً جنودا شرفاء وابطالا قاتلوا بكرامة واخلاص في ظروف صعبة وأجواء قاسية, وضحّى منهم الكثيرون بحياتهم في ميدان الشرف بفلسطين, ومقبرة الشهداء العراقيين في جنين تشهد على ذلك, والشهداء المصريين في الفالوجا ايضا, وغيرهم الكثير.

” العرب ” ليسوا سواء يا اخي, منهم من باع نفسه للشيطان ومنهم من افتدى قضية الحق في فلسطين بنفسه وروحه.

سادساً

عتاة الصهاينة, بن غوريون و غولدا مائير و موشيه دايان و مناحم بيغين , الذين كان لهم الفضل الاكبر على الارض في تأسيس الكيان الصهيوني الذي سمّوه “اسرائيل” .

هؤلاء كانوا بالفعل مناضلين, بل ومناضلين أشداء , آمنوا بالعقيدة الصهيونية ( وليس بالضرورة بالديانة اليهودية ) الى أقصى مدى وأمضوا أعمارهم يكافحون ويعملون بلا كلل من أجل الهدف الذي وضعوه امامهم.

كانوا (رجالاً) و(نساءً) مخلصين لقضيتهم ومستعدين للبذل والتضحية ,,, واجهوا في المقابل (وللأسف) قياداتنا العربية الفاشلة التالفة المتخاصمة المتآمرة , فكان نصرهم المؤزر الكبير, ولا عجب, فذلك منطق الاشياء. اشتغلوا بأسلوب علمي, وعن وعي وتصميم وتخطيط, وكانوا متحدين في حربهم.

وبالمناسبة هؤلاء الصهاينة المؤسّسون ليسوا مثل جنود “اسرائيل” في ايامنا , مدلعين ومرفهين ,,,, لم يكونوا مثل جلعاد شاليط وغيره من أجيال الاسرائيليين الجدد.

لحسن الحظ ان هؤلاء الصهاينة العتاة, الروّاد, المؤدلجين, قد مضوا وانتهوا ,, والآن لا يوجد الا أمثال نتنياهو والبقية من المتأنقين ذوي البدلات وربطات العنق والمتحدثين بالانجليزية !

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى