هذيان في منتصف الليل

هند خضر | سوريا

على حافة العقل و الجنون، على الحد الفاصل بين الممكن و المستحيل أمضي تائهة ،أعدّ الأيام والليالي واللحظات لأتخطى حاجز الصمت الذي وضعته السنين بيننا ، على الرغم من أن الصمت أصبح لوني المفضل إلا أنني أحتاج في بعض الأحيان للكلام معك لكي أخرج من عزلتي ..

في هدأة الليل حيث السكون يلف المدى والكون يرتدي وشاحاً أسود كقلبي أنا …يأتي ذكراك فأعلن انهزامي تحت ضوء قمر السماء و أبدأ حواري السري مع ذاتي، أسألها عنك فتجيبني بلسان حالك وكأنك أنت تتكلم ..

هل تعلم لماذا؟

لأنني أقمت لك بين الضلوع وطناً يحتوي غربتك و يحميك من طعنات الزمان وغدر الأحبة ..قلبي خير مكان وضعتك فيه، أطهر مكان لم تطأه قدم من قبلك ..

أكلم نفسي عندما تعترض رحلتي ذكريات داعبت فكري و ظني و أحاسيسي ،لها رائحة تتصاعد إلى دماغي الذي عكرت صفوه السنين فتعدّله، كلماتك لطالما علقتها على جدران ذاكرتي واليوم باتت تشغل الحيّز الأكبر في كتاباتي و لغتي، حتى أنني أستعير من مفرداتك وعباراتك كثيراً لشدة تعلقي بك و بها، إنها مؤنسي في وحدتي بعد أن فُجعت بالرحيل وتذوقت من كأسه المر كالعلقم ..

(رحيلك سلب مني يقظتي و لم يعطني هدأة الكرى )

حكايتي لا يعرفها سوى أنت و مرآتي، أنت لست هنا ومن المحال مخاطبتك،ملح حبك يفتت أجزائي من الداخل ولا شيء معي، لا شيء معي سوى رقم هاتف مستحيل و لهذا وقفت أمامها و بدأت حواري مع ذاتي و سألتها عنك:

أين هو اليوم ملهمي في الكتابة و معلمي في الحب و فنونه؟

أجابتني: أتسألين عنه و هو الشغاف الذي يحيط بقلبك ؟! إنه في مكان أعمق من أن يصل إليه أحد ، هو لم يرحل عنك ولا منك و حبه ليس ملحاً يلهب جروح قلبك إنما هو كرغيف الخبز الذي تحتاجينه كل يوم لتقتاتي عليه ..

أين أنا من عالمه اليوم؟

ضحكت نفسي ساخرةً قليلاً مني وبنفس الوقت رأفت بحالي و ردت:

مكانك في روحه باقٍ أكثر من أيّ وقت مضى، عندما يلمحك أدرك أنه يتقطع إرباً ،يتمنى أن يوقفك ، يزيح حجراً تقف بينكما و يحكي لك عن قلبه الذي أزهر معك و اهترأ من بعدك ولكن توقيت قدومه الخاطئ والمعاكس يمنعه و يقيده بسلاسل من صنع الزمن فيكمل طريقه مجبراً على اعتناق الصمت ، غير آبه بالالتهابات العاطفية التي يحدثها السكوت في صدره ولا بتآكل أطراف أعمدة روحه ..

إلى متى سأبقى واقفة على تلك الحافة وهاجس وصوله ينمو بخفاءٍ بين النبضة والأخرى؟

ستظلين واقفة طالما تملكين إحساساً عالياً يوحي لك بقدومه ،فالإحساس بوقوع الشيء قبل أوانه يصدق في أغلب الأحيان، اتبعي إحساسك وانتظريه إلى أن يأتي ،يأخذ بيدك ، ينقذك من حافة الهاوية و ينتشلك من حفرة الأسئلة المعقدة ..

قلت لنفسي في ختام حواري: إحساسي العالي مقبرتي أترى لهذا السبب أعلن هزيمتي في عتمة الليل؟

أجابتني: كلا ..هذه ليست هزيمة كل ما في الأمر أنك كلما خلوتِ بنفسك ليلاً خلوتِ به، والنفس تتوق لمن يفهمها، يحتويها و يقدّر جوهرها و ماهيتها، وأنتِ لم تنهزمي ولن يحصل هذا طالما تنامين وفي قلبك يغفو رجلاً  خبأ لك من الحب أجمله ومن القداسة أعظمها.

شكراً لنفسي التي استمعت لي، أجابتني على أسئلتي التي أوقعتني في حيرة ، بددت شكوكي وحولتها إلى يقين ..

اليقين بأن ما تشعر به يشعر بك حتى لو تكبرت المسافات عليكما ولم تتواضع للقائكما ..

اليقين بأن من يحوم طيفه حولك، لا يتركك بمفردك من المؤكد أنه وفياً لك حتى لو بينكما سنة ضوئية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى