في الليل أرتكب حماقة الرجوع مرة أخرى إلى ذاتي

بقلم: ياسمين كنعان

في الليل أبتكر إيقاعا آخر.. أحد من حركتي قدر المستطاع، كي لا تثير خشخشة السلاسل في يدي ريبة السكون، وكي لا ينتبه الوشاة أني أمارس جنوني المعتاد، وكما كل ليلة أقوم بتقشير وجه الحائط المتجعد..!

في الليل يكون إيقاع القيود أعلى، وانتباهة السجان أشد.. في الليل أتدرب على إيقاع مختلف للشهيق والزفير..!

 حتى التنهيدة المنفلتة بعفوية قد تثير ارتباك الليل..!

في الليل تتسع أحداقي وتصير أكثر استدارة مثل قط يتربص..!

في الليل يحتك الحديد بالحديد.. وأسمع في الممر وقع خطاي تجرجر حلقات العمر ولا أشغل نفسي في عدها..!

في الليل أتذكر قلبي الذي نسيته في مكان ما؛ أجس نبضه مثل طبيب أخرق لايميز نبضه من نبض المريض، و يختلط عليه الأمر..!

في الليل أسترجع صورتك للمرة الأخيرة قبل أن أسلم روحي للموت، وأصدق نبوءة الميت الذي زار منامي وقال حين استدار ستموتين من فرحة مباغتة لا يحتملها القلب..!

في الليل أمشي على خطاي في خيالي، أمشي في الشارع الضيق، تبتسم لي فتاة من الصف الثالث أو الثاني، أعيد ترتيب الوجوه بعبثية مطلقة، و أكتشف مصادفة أني أعيد تمثيل حياتي مرات ومرات مثل أي ممثل فاشل، وأدرك أنه لو تم استبدالي مثلا لن يتغير إيقاع المسرحية، سيصفق الجمهور المسكون بالغباوة لأي عابر، ولا يلتفت لوجهي القديم، وحين يعرضون جثتي على أمي لتتعرف علي، ستقول كان لي ابنة تشبهها حد التطابق، لكن ابنتي ماتت في حادث قدر مؤسف، و ستقرأ عليهم وصيتي الأخيرة” إن مت مرة أخرى ضعوني في قبري القديم أريد أن أستعيدني وأنا أدخل العدم، أخاف من شبحي الذي سبقني إلى عدمي مرات ومرات..إن مت مرة أخرى لا تعيدوني إلى اسمي القديم..وأتركوا فتحة القبر على حالها..فإني سأموت ميتات متعددة..!”

في الليل أرتكب حماقة الرجوع مرة أخرى إلى ذاتي…!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى