أدب

الأسلوب الإنشائي بين المبنى والمعنى.. دراسة في شعر أمل دنقل

دعاء خميس جابر| ماجستير لغة عربية
كلية الآداب / جامعة دمنهور

إذا كان الأسلوب الخبري يتسم بثبات الدلالة وجفافها، فالأسلوب الإنشائي يتسم بحركية الدلالة وحيويتها، إذ يدور في إطار سلسلة متوالية من المنبهات والاستجابات.وبهذه الأساليب تتنامى حركية النص وتنشط دلالته، وتقوى قنوات الإبلاغ بين ثالوث الإبداع: النص والمبدع والمتلقي، ويصبح دور الأخير ذا أهمية خاصة في كشف جماليات العمل الإبداعي.

 وبهذا تعد الأساليب الإنشائية أداة تعبيرية تسهم في كشف رؤية الشاعر لواقعه هذا من ناحية، كما تعين المتلقي على استكشاف أبعاد التجربة واستنطاق الدلالة من ناحية أخرى، وقد استطاع ” أمل دنقل” استغلال هذه الأساليب استغلالاً أضحى واضحاً في إبداعه، وأصبح من الملامح الأسلوبية التي تشكل بنية النص في شعره، ومن أبرز هذه الأساليب: الأمر والنداء والاستفهاموالتعجب.

اعتمد أمل دنقل في قصيدة (لا تصالح) على السؤال والتعجب؛«ويُشكِّل السؤال سمةً أسلوبيَّةً مُهيمنةً في البُعد الإقناعي بالهدف المُكَثَّفِ في النَّهي الذي استهلَّ به الشاعر النص؛ إذ يبدأ الشاعر طرح الهدف (النهي) بشكلٍ مباشر، ثم يُحيل المُخَاطب إلى ذاته بطرح التساؤلات التي تُحاصِر المخاطب؛ فلا يملك إلا الإقرار بها مُعقِّبًا بالخبر الذي يُؤكد الحقيقة التي طرحها عبر الأسئلة»([1]):

لا تُصَالِحْ !

ولَو مَنَحُوكَ الذَّهب

أَتُرَى حِينَ أَفْقَأُ عَينَيكَ ،

ثُمَّ أُثَبِّتُ جَوهَرَتَينِ مَكَانَهُمَا ..

هَلْ تَرَى .. ؟  ([2])

ولا يسعى الشاعر بتوظيف السؤال هنا إلى غرضٍ معيَّن،«وإنما هو دعوةٌ للتأمُّل الذي يحمل على الرفض إقرارًا بإنكار حدوث الرؤية لو أن ما طرحه التساؤل الأول كان محتمل الوقوع»([3])؛ فكما أن الرؤية مستحيلة في حالة وضع جوهرتين مكان العينين؛ فكذلك الصلح مستحيل.

إنَّ علامتَيْ السؤال والتعجُّب هما الأكثر بروزًا في النص، فأحيانًا يُفرِد إحداهما، وأحيانًا يجمع بينهما، ودلالتهما واضحة في النص؛ من حيث الرفض والاستنكار والتحذير والتنبيه؛ فهما يعملانِ على تقوية المعنى أسلوبيًّا وحِجاجيًّا؛ فضلاً عن التأثير في الدلالة، وتُدَعِّم علامتا الترقيم ذلك التأثير من حيث التشكيل البصري للنص، والأمثلة على ذلك كثيرة، ومنها قوله:

لا تُصَالِحْ عَلَى الدَّمِ .. حَتَّى بِدَمْ !

لا تُصَالِحْ ! وَلَو قِيلَ رَأْسُ بِرَأْسِ ،

أَكُلُّ الرُّؤوسِ سَوَاءُ ؟

أَقَلْبُ الغَرِيبِ كَقَلْبِ أَخِيكَ ؟!

أعَيْنَاهُ عَيْنَا أخِيكَ؟!

وهل تتسَاوَى يَدٌ .. سَيْفُها لك

 بِيَدٍ سَيْفُها أثْكَلك ؟([4])

استخدم الشاعر السؤال بالهمزة الممزوج بالتعجب ، ثم أتْبَعَه بالسؤال بـ(هل) ؛ وكلا السؤالين حمل معنىً واحدًا ، وهو عدم المساواة بين الأخ والعَدُوّ بأي حالٍ من الأحوال ؛« فقد جاء السؤال الأول ينتهك المساواة بشكلٍ مطلق (أكُلُّ الرؤوسِ سواء ؟) ، أما بقية الأسئلة فتضع المخاطب بين ضِدَّينِ لا يستويان أبدًا (قلب الغريب وقلب أخيه – عينا الغريب وعينا أخيه) في السؤالين الثاني والثالث ، ثم يُضيف البُعد النَّفعي إلى ذلك ليبلغ التأثير والإقناع مبلغهما في نفس المخاطب ؛ إذ يضعه أمام مقارنة بين يد أخيه التي كان لها سيفها ، ويد الغريب التي أثكله سيفها »([5]).

وكان للسؤال بـ (كيف) تأثيرٌ بالغٌ في الإقناع باستحالة الصُّلْح ؛ حيث استخدمها الشاعرُ في «استثارة نوازع الرجولة والنخوة في نفس المُخْاَطب ؛ إذ يُلاحقه بأسئلةٍ تَسْلُبُ السلامَ مَعْنَاهُ، وتَجْعَلُهُ عَارًّا وخُنُوعًا ، ويَسْلُبُالشاعرُ ما يُمكن أن يُقال عن السلام من كلمات ؛ فيُقيم حاجزًا يقف حائلاً دون تأثيرها الذي قد يؤدِّي إلى القبول ؛ فيبني الشاعرُ الأسئلةَ على تفريغ هذه الكلمات من مضمونها التأثيري »([6]) ؛ فقد حاول الشاعر / كُليب إقناع أخيه بأن الصلح مع العَدُوِّ سيؤدي إلى انهيار صورته الرجولية في عين المرأة  والأبناء ، يقول :

كَيفَ تَنْظُرُ فِي عَينَي امْرَأةٍ ..

أَنْتَ تَعْرِفُ أنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ حِمَايَتَهَا ؟

كَيفَ تُصْبِحُ فَارِسَهَا فِي الغَرَامْ ؟

كَيفَ تَرْجُو غَدًا .. لِوَلِيدٍ يَنَامْ

– كَيفَ تَحْلُمُ أَو تَتَغَنَّى بِمُسْتَقْبَلٍ لِغُلامٍ

وَهُوَ يَكْبُرُ – بَينَ يَدَيكَ – بِقَلْبٍ مُنَكَّسْ ؟ ([7])

وفي أقوال اليمامة مثَّل السؤال أداةً حِجاجيَّةًقويَّة؛ كما في (لا تُصَالِح)؛ حيثُ عاد أمل دنقل إلى السؤال على لسان اليمامة (ابنة كُليب)، سؤالاً لا يتطلَّبُ جوابًا لكنه يُفيد استنكار التنصُّل من الأُصُول والموروثات.

ويستمر في حِجاجه المنطقيّ بالأسئلة التي ترمي كلها إلى اتجاهٍ واحدٍ؛ هو استحالة الصُّلْح مع قاتلي والد اليمامة؛ فإذا ضُرِب بالبُوقِ إنذارًا بالحرب والخطر – ولم يكنْ ذلك في ساحات الحرب بل في المدينة -؛ فماذا ينتظر الجنود حتى ينهضوا من سُباتهم وينالوا من العدو، وإذا كان الحمام المُطَوَّق لا يُقدِّم بيضته للثَّعابين؛ فكيف تُقدِّمُ اليمامة رأس أبيها ثمنًا لِيسود السلام، يقول على لسان اليمامة:

هَلْ فِي المَدِينَةِ يُضْرَبُ بِالبُوقِ ثُمَّ يَظَلُّ الجُنُود

عَلَى سَرِيرِ النَّومِ ؟

هَلْ يُرْفَعُ الفَخُّ مِنْ سَاحَةِ الحَقْل .. كَي تَطْمَئِنَّ العَصَافِير؟

إِنَّ الحَمَامَ المُطَوَّقَ لَيسَ يُقَدِّمُ بَيضَتَهُ لِلثَّعَابِينَ ..

حَتَّى يَسُودَ السَّلام([8])

استطاع أمل دنقل توظيف السؤال ليُرسِّخَ بعض المفاهيم التي لا مجال فيها للجدال عند الشاعر، والتي تهدف إلى رفض الصُّلْح مع العدو، بإظهار هذا الصُّلح في صُورٍ تَنْفِرُ منها النفوس العربية الأصيلة؛ فهذا الصلح عند أمل دنقل يعني (الخُنُوع والذُّلّ والعار -التنازُل عَنِ القِيم – التفريط في حَقِّ من ماتوا – التنازُل عن حق الأحياء من ذوي المقتول – التَّخلِّي عن الصورة المُثلى للرجولة – السقوط من نظر المرأة).

الهوامش:

( ([1]عيد بلبع : أسلوبية السؤال ؛ رؤية في التنظير البلاغي ، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر ، الإسكندرية ، ط1 ، 1999م ، ص 102.

( ([2]أمل دنقل : الأعمال الكاملة ، ص 327 .

( ([3]عيد بلبع : أسلوبية السؤال ، ص 102.

([4])أمل دنقل : الأعمال الكاملة ، ص 329 .

( ([5]عيد بلبع : أسلوبية السؤال ، ص 106.

( ([6]المرجع السابق ، ص 108.

([7])أمل دنقل : الأعمال الكاملة ، ص 334.

([8]) المصدر نفسه ، ص 344 .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى