الكتابة والطبيعة والمرأة في ديوان “حين أولد في المرة القادمة” لـ” سامر كحل”

رائد محمد الحواري | فلسطين

أهم أداة عند الشاعر هي الكتابة، فهي من تميزه عن غيره، وبها يعبر ما يريده/يحتاجه/يشعر به، وبها يوصل فكرته، من هنا نجد العديد من الشعراء يركزون عليها ويجعلونها مُوجدة/مُولدة لبقية عناصر الفرح: المرأة، الطبيعة، التمرد، في هذا الديوان يؤكد “سامر كحل” على أن الكتابة هي النطفة التي يتشكل من خلالها كل شيء جميل/مفرح، فقد استخدمها أكثر من عشرين مرة، وأحيانا يقرنها بالمرأة ويجمعهما معا، فتأتي القصيدة بهية مدهشة للقارئ، هذا ما يميز ديوان “حين أولد في المرة القادمة” فهناك حديث عن اللغة، فالشاعر يقدمها ككائن حي، تحمل همومه وما فيه من فرح/ألم، لهذا يعد هذا الديوان حالة تماهي بين الشاعر والقصيدة، الأداة/الوسيلة التي يتواصل بها مع الآخرين.

بداية ننوه إلى أن الديوان فيه قصائد طويلة، وأخرى جاءت على شكل ومضة شعرية، وسنحاول التوقف عند بعض ما جاء في الديوان، ونبدأ من قصيدة: “رطوبة” والتي يقول فيها:

“سأنشر هذي القصائد

حتى جف لقد لحقتها الرطوبة

في قبو روحي

وبت أخاف عليها التلف” ص8، هذه القصيدة الأولى في الديوان، والشاعر يشير فيها إلى طبيعة علاقته مع الكتابة/القصيدة، فهو يتعامل معها كجزء من ذاته، كشيء نفيش، لهذا يخاف عليها، وبما أن هناك ألفاظ بيضاء “قصيدة، سأنشرها، روحي” وأخرى سوداء: “الرطوبة، قبو، التلف” فهذا يعطي صورة عما يحمله الديوان، إن كان فرح أم ألم، ففاتحة الديوان تعطنا فكرة عما فيه، وإذا أخذنا حجم الفاتحة، ستصل لنا فكرة عن حجم القصائد، وإذا ما توقفنا عند معنى المقطع، سنجده متعلق بالشاعر، بمعنى أن القصائد فيها هموم وآمال الشاعر ورؤيته لواقعه وللواقع العام.

وجاء في قصيدة “البازلت”

“ما نزال .. هنا

عند منعطف الجمال

نقيم..

نصول أرواحنا

ونُقمر خبز القصيدة

تنورنا..

مشعل..

ولدينا من الحب

وقد.. وفير ..

يدق الشروق علينا

فتشرع أرواحنا

ونلاقيه

بالعنب البلدي

وكرج الحجل

ما نزال

نعد مؤونتنا ..من حين

ونملأ حاصل أيامنا

بطحين الأمل

ويحاورنا .. في الصباح

الندى

فنيهم بعذب الكلام

لم يصرح لنا أحد

منذ أول عشب هنا

أنه .. حوار الندى

في صدام

هنا الحب

يهرب من شرفات القصور

ويطلق ساقيه

نحو البراري

قطيع من الغنم

يشرد في الصبح نحو التلال” ص29و30، القصيدة متعلقة بالخصب الروحي بالجمال/بالكتابة، وبالخصب الطبيعية المادي/الأرضي، فنجد الخصب الجمالي/الروحي حاضر في ألفاظ: “أرواحنا، القصيدة، الحب (مكرر)، الشروق، الشرفات، الندى، الصباح، الحجل، العنب” وهو متعلق بالكتابة وبالطبيعة معا، بمعنى أن الشاعر يستخدم عنصري من عناصر الفرح الكتابة والطبيعة.

أما الخصب الطبيعة/الأرضي/المادي فنجده في ألفاظ: “خبز، وفير، مؤونتنا، نملأ، بطحين، الغنم” لكن إذا ما توقفنا عند المعنى سنجد أن الشاعر يدخل ويمزج بين الخصب/الجمال الروحي وبين الخصب المادي، بحيث لا يشعر القارئ بوجود فرق بينهما، فهما جاءا بتركيبة واحدة، فالجمال حاضر فيما هو روحي وما هو طبيعي.

فهناك مجموعة من الصور الشعرية تؤكد على هذا المزج: “ونُقمر خبز القصيدة” فالشاعر جعل ما هو روحي/القصيدة، تأخذ صفة المادة “نقمر” وهذا ما يجعل الجمال مزدوج، ويتناسب وطبيعة الناس/البشر، فالتوازن بين الحاجة المادية والروحية طرح منطقي وواقعي، لكن جمالية الفكرة تكمن في أن الشاعر لا يقدمها بماشرة، بل من خلال قصيدة أدبية، ومن خلال صورة شعرية، وهذا ما يجعلها ترسخ في ذهن القارئ.

ومن الصور التي تجمع بين الخصب المادي والخصب الروحي هذه الصورة: ” ولدينا من الحب/وقد../ وفير ..” لفظي “وقد، وفير” متعلقان بما هو مادي، “حطب/زيت، طحين” لكن الشاعر يقرن هذا المادة بما هو روحي، بالحب، وهنا تكمن جمالية القصيدة، اعطاء المادة صفة جمالية، ومزج فكرة (الحاجات) المادية ما (الحاجات) الروحية/الجمالية، وهذا ما يعطي الصورة الشعرية جمالية، فبدا الشاعر وكأنه يخلق من أدوات الطعام والشراب لوحة فينة، تعطي فكرة أهمية التغذية/الطعام للمتلقي، وأيضا تمنحه متعة النظر/التأمل/المشاهدة بما يعد له من صورة أدبية، فينمو/يتطور جسديا/ماديا ويتطور تذوقه للجمال/للأدب.

وأيضا نجد هذا المزج في قوله: “ما نزال/نعد مؤونتنا ..من حين/ونملأ حاصل أيامنا/بطحين الأمل” الجميل في هذا المشهد أنه يأخذنا إلى الفلاح الذي يخزن مونته في الخوابي لوقت الشتاء، لكن، رغم أن الشاعر يستخدم  “نعد، مؤونتنا، طحين” إلا أنه يجير كل هذا لما هو روحي: “الأمل”، بمعنى أن يزيل الصفات المادية عما طرحه، ويمنحها لشيء روحي/الأمل.

عنصر الفرح الطبيعية، البرية، الريف حاضر في القصيدة، فنجده في الفاظ: “منعطف، الشروق، بالعنب، الحجل، الصباح/الصبح، الندى (مكرر)، عشب، البراري، الغنم، التلال”  وهذا ما جعلها قصيدة تفيض بالجمال والفرح، فالألفاظ الجميلة المتعلقة بالطبيعة، والممزوجة مع تلك المتعلقة بالكتابة: “القصيدة”، أوجدت هذا البياض الناصع، وجعلت المتلقي يستمع بما يقدم له من صور ومشاهد.

قصيدة “علامة رفع” هي القصيدة المتألقة في الديوان، حيث يخفي الشاعر حاجاته/رغبته/اندفاعه نحو المرأة، خلف (اللغة/الكتابة)، بحيث لا يصرح بمن هي المخاطبة، المرأة أم اللغة، وهذا المزج وهو إحدى ميزات الديوان: ” يقول في القصيدة:

“لأن الأغاني

تبعثرني قسمة

قسمة

في تقسيم

هذا الكمان

لأن زماني تخلى

وخلى مكاني

بغير مكاني

لأني قضيت حياتي

أداري صفاتي

وكان وضوحي

كحب غسيل

كجرح بناي

لأني

ما ذقت من سفرتي

غير صحن الرحيل

ولم يبق لي

غير بعض حروف

ميبسة

من رغيف

وهذا أنا

غارق

في المسافة

ينهش فيّ دفء روحي

صقيع الأماني..؟

ويصبح فعل المضارع بي

غائبا

وأنا مصدر

للمعاني..

أعيدي إلي المضارع

عودي

لقاموس روحك

كي تعربي لغتي

جيدا

ولا تخطئي لغة النحو

نحوي

وخلي حروف حنينك

أحرف جر

ولا تجزمي

فالسكون

ثقيل

ما كنت يوما لك

غير فاعل رفع

وظاهرة ضمتي

فوق خصرك

مشدودة كالوثاق

وبينة وبياني…” ص54و55، نلاحظ وجع/الألم الشاعر يمكن في “تبعثرني” وما تلاه من “تكرر “قسمة”، وهذا التبعثر ناتج عن حالة روحية/جمالية “الأغاني” ونلاحظ أن هناك مزج وتقارب بين (شكل) الكلمات: “قسمة/تقاسيم، الكمان/مكاني، تخلى/خلى” هذا يشير إلى أن هناك حالة من (مزاوجة) المعاني يستخدمها الشاعر في القصيدة وفي الديوان.

قلنا في بداية المداخلة أن الشاعر يستخدم صيغة أنا المتكلم في غالبية القصائد، وهذا يشير إلى الوحدة/التماهي بين الشاعر والقصيدة، وهذا ما نجده في هذه القصيدة، حيث هناك ياء المتكلم حاضرة في الكثير من الألفاظ: “تبعثري، زماني، مكاني، حياتي، صفاتي، وضوحي، لأني، لي، روحي، بي، إلي، لغتي، نحوي، ضمتي، لكن لا يكمن هذا التماهي في أنا المتكلم فحسب، بل نجده في التماهي بين اللغة/الكتابة والمرأة، فكما تماهي الشاعر في ياء المتكلم، تماهت المرأة مع اللغة والمعنى: “أعيدي إليّ المضارع/عودي لقاموس روحك/ كي تعربي لغتي/ولا تجزمي فالسكون ثقيل، وظاهرة ضمتي فوق خصرك”، وهنا يرتقي الشاعر ويصل إلى الذروة، فالمرأة حلت في اللغة وأصبحتا كيانا وحدا، وبما ان الحديث متعلق بعنصرين للفرح، المرأة والكتابة، فقد قدما بصورة مذهلة ورائعة.

وإذا ما توقفنا عند المقطع الثاني من القصيدة والذي جمع بين المرأة واللغة سنجد أن هناك تكرار لبعض الألفاظ: “المضارع، لغتي/لغة” وألفاظ أخرى قريبة في الشكل: “أعدي/عودي، النحو/نحوي، بينه بياني” كما نجد وجود كلمات تحمل عين الحرف: “النحو/نحوي/حنينك/أحرف” وهذا يأخذنا إلى العقل الباطن للشاعر، حيث نجد في هذا التكرار وتماثل الحروف الرغبة والحاجة للمرأة، فبدا وكأنه يريد الحلول فيها، من هنا استخدم ـ دون وعي ـ ألفاظا وحروفا تشير إلى هذه الرغبة.

وبما أن الشاعر جعل خاتمة المقطع متعلقة بالمرأة، وتحديد علاقته وحاجته الجسدية، فقد جاءت الألفاظ تتراوح بين ما هو ناعم وشديد: “غائبا//عودي، تعربي/تخطني، حنيك/تجزمي، رفع، مشدودة/ضمتي” وهذا الجمع بين النعومة والشدة ناتجة عن العلاقة الجسدية بينهما، حيث أن القاء يحتاج إلى الحالتين، وهذا ما (يزيح) فكرة اللغة/الكتابة ويجعل الحديث متعلق بالمرأة وبالحاجة الجسدية إليها.

الومضة والدهشة

الشاعر يقدم في الديوان مجموعة ومضات شعرية، سنأخذ بعض النماذج مما جاء فيه: “رشاقة/ الحداثة.. /ريجيم.. / تخسر فيه القصيدة.. وزنا..” ص131، فهنا الشاعر يعطي القصيدة صفة أنثى، كائن الحي، ويقدم ما يحصل لها في (الحداثة/الريجيم) دون أن يعطينا وجهة نظره في الحدث، فهو يقدمه (كسارد/كناقل) فقط، وللقارئ ان يفكر في هذا الأمر، هل هو جيد/جميل، أم غير ذلك؟، والجميل في هذه الومضة أن الشاعر استخدم لفظين معاصرين “حداثة/ريجيم” وهذا يشير إلى حالة معاصرة تحدث الآن.

“ولاء

لما رأى قلبي

بهاءها..

حتى كرات دمي البيضاء

تخضبت..

وأعلنت ولاءها..” ص135، الجميل في هذه الومضة أن الشاعر يوزع دهشته في الومضة، على ثلاثة مراحل، الفاتحة “ولاء” والمنتصف “بهاءها” والخاتمة “ولاءها” فبدا لفظ الهمزة الكامنة في الكلمات وكأنه يلفظ على شكل (آه) المستخدم للتعجب/للحيرة/للدهشة، ونلاحظ أن وجود الألوان “دمي، البيضاء، تخضبت” وهذا ينسجم مع الطبيعة الجمالية للألوان التي تدهش المشاهد، وتجعله يتعجب/يندهش لما فيها من تمازج وفنية، وإذا ما توقفنا عن طبيعة اللون الأبيض/بيضاء الناعمة والهادئة، وبين طبيعة والأحمر/دمي” القاسية والشديدة، يمكننا الذهاب إلى ما بعد هذا الأثر (النفسي) للشاعر، وانتظار ما سيحدث بعده أثناء اللقاء.

الديوان من منشورات دار الينابيع للنشر، الطبعة الأولى 2021

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى