الكتابة تحت الاحتلال: حراسة للذاكرة وحماية للرواية وإثبات للوجود

الأسير حسام زهدي شاهين | فلسطين
لاشك بأن الكتابة تحت الاحتلال تعد بمثابة معركة، تتصارع فيها القوى المتناقضة، على تعميم كل طرف لروايته، وحشد الدعم المساند لها على الجبهات كافة، فالكتاب والأدباء والمثقفون، عموماً، المنتمون لشعبهم وقضيتهم، يقومون بدور حراس الذاكرة، وحماة الرواية من التزوير والطمس، ويحولون الثقافة إلى سلاح هام من أسلحة المقاومة، التي تحمي الوعي، وتدفع عنه كل أشكال السطو والهيمنة.
فالكتابة في هذا السياق، تصبح مهمة إثبات وجود، لوجود قومي منفي أصلاً، من قبل المحتل، بكل ما يترتب على هذا الاثبات الانساني والسياسي من أعباء وتبعات تهدد الأمن الشخصي للكاتب باعتباره “محرض” من وجهة نظر المستعمر، وبصفته “مثقف عضوي” حسب تعبير غرامشي، من جهة انتمائه ليس لأنه اختار هذا الطريق بإرادته الحرة الكاملة، وإنما لأنه وجد نفسه مجبراً على الانحياز للعدالة، والتنطح للدفاع عن الحق، وإسماع صوت الضحايا والمعذبين، بحكم تموضعه الإبستمولوجي الذي يفرض عليه الانتصار بقلمه لذاته المنفية أصلاً كونه جزءًا من كل.
كما أنه يدرك تمام الإدراك بأن هذه الكتابة الإرادوية المشتبكة بوعي مع العدو، سيكون لها مفعولها الجمعي، وروحها المعنوية، التي تحرك طاقات الجماهير وتفعلها في مواجهة الاستعمار، بما ينطوي عليه ذلك من تضحية شخصية في سبيل قضية عادلة، وبعكس هذا التيار، سيصبح الحياد، مجرد الحياد، شكلاً من أشكال الخيانة، للذات أولاً، وللجماعة ثانياً، وللإنسانية ثالثاً؟
وبما أن الكتابة اشتباك على جبهة الفكر والوعي، محلياً وإقليمياً ودولياً، اغتيل على دربها كلٌ من: غسان كنفاني، ماجد أبوشرار، ناجي العلي، كمال عدوان، كمال ناصر، وحنا عيد مقبل، ونجا بإصابات بالغة بسام أبوشريف، حتى وإن كانوا لاجئين خارج الوطن الذي يسكنهم، وسُجن، المتوكل طه، عبدالناصر صالح، وعلي الخليلي، واعتقل وأبعد عن أرض الوطن، محمود شقير، وأكرم هنية، وما هذه العينة إلا شريحة صغيرة من بين مئات الكُتاب والصحفيين الذين دفعوا من أعمارهم ثمن مواقفهم والتمسك برأيهم، وبالتالي تحولت الكتابة تحت الاحتلال إلى مشروع ذي كلفة عالية جداً، كونها وسيلة نضالية وكفاحية ناجعة في فضح كل ممارسات وأساليب المُستعمر القذرة والإجرامية، إلى جانب رفدها وتغذيتها الدائمة لعقلية الصمود والتحدي في أي صراع ينشب بين قيم المُستعمِر وبين قيم المستعمَر أياً كانت طبيعتها.
إذاً الكتابة تحت الاحتلال فعل ثوري بكل ما للكلمة من دلالات، فهي من ناحية تجسيد واقعي لطبيعة الصراع، ومن ناحية ثانية تطبيق فكري ومعنوي للنظرية الثورية التي سنتها الطليعة المقاتلة، وفي المقدمة منها شريحة المثقفين.
فمن الطبيعي أمام ما تحمله الكتابة من رمزية بالنسبة للشعوب المُستعمَرة أن يهتم الكتاب والأدباء والشعراء والصحفيون، وغيرهم ممن يمارسون الفعل الكتابي بالارتقاء بلغتهم المكتوبة إلى أعلى درجات الإقناع، وصيانتها من كل ما يمكن أن يتسلل إليها من إيهامات مضللة تسعى إلى بث روح الإحباط والانهزامية في أتون الحرب النفسية التي يشنها العدو، وتستند إلى جدار ذات اللغة لصناعة الشك القاتل، وترويجه في الفضاء المسموع والمكتوب والمرئي لعالم تُهيمن عليه التكنولوجيا، وتتدفق فيه المعلومات بيُسر وسهولة وسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي،
مما يجعل من الكتابة مهمة شاقة تحتاج إلى ذكاء خاص، وتقنيات لغوية تواكب متطلبات المرحلة بثوب جديد، لايمس بتاتاً، ولا يأتي بأي حال من الأحوال على حساب جوهر الموضوع المطروح ومضمونه، بقدر ما يجب أن يحقق زيادة ملحوظه في رفعة الوعي، لأنها العنصر الأهم في عقيدة الدفاع عن الحقوق الوطنية، بهدف إحداث التغييرات السياسية في المواقف المعادية أو المتأرجحة لصالح القضية الفلسطينية، ولنا في منى الكرد وشقيقها محمد خير دليل على هذا الطرح إبّان هبة الشيخ جراح في العام المنصرم.
على المقلب الآخر نجد أن الحركة الصهيونية في مراحل استيطانها الأولى في فلسطين، وتحديداً خلال ثورة عام “1936” قد استعانت بالشعراء والأدباء الصهاينة لدى تنفيذها لمشروعها الاستيطاني “سور وبرج” كي يروجوا للفكرة، ويحثوا اليهود على الهجرة إلى فلسطين، ومن بينهم برز الشاعر “شاؤول تشرنيحوفسكي” في قصيدته (تشييد كيبوتس على الأرض) والشاعر ناتان ألترمان في قصيدته (البرج الأول) وغيرهم العديد من الأدباء والشعراء الذين نذروا أنفسهم وأقلامهمم لهذه المهمة العدائية الإستعمارية.
وهكذا نجد أن الكتابة أيضاً وظفت من ناحية الحركة الصهيونية لتعزيز الاستيطان، وربط المستوطنين بالأرض، لما للكلمة المكتوبة من قوة في حشد الطاقات البشرية حتى وإن كانت استعمارية استيطانية، الأمر الذي يفسر ضرورة وحتمية المواجهة على هذه الجبهة الثقافية، ويؤكد أن الكتابة تحت الاحتلال واجب وطني وديني وإنساني، على كل من يستطيع المساهمة فيها، لأن صاحب الحق والمعتدى عليه، أقوى بكثير من المُعتدي إذا ما قدم حُجته التاريخية والإنسانية بلغة واضحة، ومفهومة للعالم، بعيداً عن الإغراق في الشعارات الفضفاضة والطنانة، التي لاتخدم حتى كاتبها.
وفي ختام هذه الإطلالة السريعة على هذا الموضوع الشائك والبحثي، تجدُر الإشارة إلى أهم المعضلات التي تعترض طريق الكتابة تحت الإحتلال، وتحتاج إلى من يعمل على إزاحتها، سواء أكان، إتحاد الكتاب أو وزارة الثقافة أو المنظمات غير الحكومية أو القطاع الخاص، بكل امتداد هذه المؤسسات في عمقنا العربي، الرديف الطبيعي لدعم ومساندة كفاحنا الوطني، وعمقنا الدولي، الحليف والمتضامن مع حقوق شعبنا المشروعة، إلى جانب المهمة الأساسية التي تقع على كاهل الكتّاب أنفسهم، وأقصد بذلك لغتهم المكتوبة،
بحيث تكون قادرة على محاكاة هموم الجماهير وإلهاب روحها الثورية من ناحية، وعلى إيصال الرسالة لمحيطنا العربي والدولي من دون أي التباس من ناحية ثانية، ومن ثم يأتي دور هذه المؤسسات سالفة الذكر في: رعاية الكتّاب واحتضان أعمالهم، من جهة نشرها وتعميمها وترجمتها إلى لغات أجنبية، والعمل الممنهج على تعميم ثقافة القراءة وتوسيع دائرتها، لأننا شعوب لا تقرأ مع الأسف الشديد، وهنا لابد من توظيف مراكز الأبحاث المتخصصة للتنقيب عن داء الإستنكاف العربي عن القراءة وعلاجه، فبالتأكيد لكل علة سبب، ولكل داءٍ دواء!!
وحتى تحين ساعة الحرية واللقاء، لكم منّي ومن إخوتي ورفاقي الأسرى كافة، أجمل التحيات، والأمنيات بنجاح ندوتكم هذه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى