جبينة مرت الغول

ياسمين كنعان


أكثر ما كان يغيظ الغول صمت “جبينة” ونظراتها؛ رغم كل جبروته ووحشيته كان يتحاشى النظر إليها مباشرة، صمتها كان سلاحها الوحيد الذي تشهره في وجهه، كانت ترفع جدار الصمت وتغوص في داخلها كي لا تسمع، البعض قال انها مصابة بالصمم والخرس، والبعض قال لم تكن تتقن لغة البشر، والبعض يعزي صمتها لطول المدة التي بقيت محتجزة فيها في كهف الغول، حتى أنها نسيت لغة البشر ومفرداتهم، كانت تتقن لغة العيون لا غير، تحدق بالأشياء فتتراكض نحوها على نحو مثير، والبعض كذب الرواية..!
كانت “جبينة” مغلفة بالصمت والغموض، قلة من فكروا بالاقتراب من الكهف-كهف الغول، آخر من تجرأ على الاقتراب أصابته لوثة الجنون ضيع كل مفرداته وظل لسانه يردد جملة واحدة” عيون جبينة ساحرة”، ثم اختفى عن الأنظار، قيل انه هام على وجهه، وقيل أيضا أن الغول عندما عرف الحكاية قام بتقطيعه إلى نتف صغيرة وأطعمه لكلابه المسعورة التي التهمت حتى عظامه..!
من هي جبينة، ومن أي البلاد أتت، وكيف صارت رهينة الغول، وهل تزوجها لتصير فيما بعد” مرت الغول” ويضرب فيها المثل حين تقول الجدات” الغول أكل كل الناس إلا مرته..!؟”، لماذا لم يأكل الغول جبينة، ولماذا يصر على حبسها في كهفه الرطب البارد،وهل تحولت هي أيضا إلى “غولة” كما يقولون وصارت تخطف الأولاد ليلا وتطهوهم في قدر كبير ليصيروا حساء لزوجها، بعضهم يقسم أنه رأى في عنقها قلادة من أسنان لبنية قيل انها للأطفال الذين خطفتهم، والبعض حلف برأس جده الأكبر أن جبينة كانت أجمل من كل نساء القرية، وأكثرهن لطفا، وقال انه لمحها ذات ليلة ماطرة تخرج على رؤوس أصابعها من كهف الغول وتدخل أحد البيوت القديمة، توقظ الأطفال النيام وتشعل الموقد، وتشمر عن ذراعيها وتخبز الخبز لهؤلاء الأطفال الذي يرجح أنهم أيتام..!
لا أحد يعرف على وجه التحديد من هي جبينة، ولا كيف قبلت أن تكون “مرت الغول”، ولا لماذا يصيبها الخرس والصمم كلما أشهر الغول كفه في وجهها، البعض يقول أنها لم تكن امرأة من لحم ودم، قالوا ان الغول بعد ان اختطفها، لم يحتمل نظراتها الحادة، فخنقها بقبضة من كفه الكبيرة، وشق بطنها بأظافره وقام بحشو الجثة بالملح و حجارة”الشبة”، لكنه فشل في اسكات نظراتها الحادة، ظلت تحدق فيه بتحد..!
لا أحد يعرف حقيقة جبينة،ليس لجبينة حقيقة ولا اسم ولا ملامح، قيل أن كل امرأة تعيش في كنف غول هي جبينة، وأن كل امرأة تتعذب في كهف غول هي جبينة، وان كل امرأة تتحدى الغول بصمتها ونظراتها هي جبينة، وأن كل امرأة محشوة بالملح أو صارت مع الزمن تمثال ملح هي جبينة، ليس ثمة جبينة واحدة، بل ثمة جبينات” كثر..!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى