أمنيات أخيرة

ياسمين كنعان
     عندما أموت وأظن أن ساعة الرحيل اقتربت كثيرا..عندما أموت لا تخبروا أمي بموتي ولا تذيعوا خبر موتي في المآذن..الكل يظن أني ميتة منذ أمد بعيد؛ اتركوهم لظنونهم ولا تربكوا يقينهم و لا تكتبوا أي نعي لي في الجرائد فأنا كنت أشتري الجريدة صباحا من بائع الجرائد الكهل لأجل ابتسامة يمنحها لي دون مقابل..لا تغتالوا بنعي مقتضب وكاذب ابتسامته..!
     أحب من القرآن سورة يوسف لأنها تذكرني بمكر أخوتي وخذلانهم وتخليهم..وأحب أغاني فيروز أيضا فاختاروا ما شئتم لا فرق..!
     حين أموت لا توزعوا المياه المعدنية فأنا لم أكن مترفة؛ كنت أشرب الماء من الحنفية وعندما كنت أصغر قليلا كنت أغرف الماء من الشلال المتدفق في القرية وأشرب بكفي..!
      لا توزعوا التمر لأني أحب الشوكلاتة؛ فيها طعم طفولتي البعيدة..وأحب القهوة بدون سكر..!
عندما أموت لا تختلفوا على موضع القبر وترتيبات الدفن؛ أفضل أن أكون وجبة أخيرة للغربان والدود والنمل، لا أحب خط الرقعة إن كنتم تصرون على شاهد يكتب عليه اسمي..سأختار خط الثلث أو النسخ، ولكن أي اسم ستكتبون؛ فأنا عارية من كل الأسماء والألقاب..!
ليس عندي ما ترثونه غير حزني ونثار كلمات هنا وهناك، وخيبات كثيرة..!
حاول أن تلقي نظرة الوداع علي فأنا عشت محرومة من نظرة لقاء واحدة، ولتكن نظرة حب لا حزن فيها ولا شفقة..أذرف دمعة واحدة على وجهي كي أحفظ مذاق ملحك في دمي.. لا تلتفت لفضولهم أتركهم لوشوشاتهم سيكثر رواة القصص بعد موتي سيكتبون ما يعرفون وما لا يعرفون.. لا تلتفت لهم واكتب عني أغنية مرحة يرددها الأطفال؛ تشربت روحي الكثير من الهم والحزن ولا أريد أن أكون قصيدة..!
وأنت تنسخ ملامحي في ذاكرتك للمرة الأولى والأخيرة افتح كفي، ستعثر فيها على ورقة صغيرة مطوية فيها اسمك الذي كان تعويذتي للحياة، خذها واترك في كفي ياسمينة بيضاء صغيرة..!
    عندما أموت سأعبر هذه الحياة بلا أسف لأنني ما رأيت يوما وجهها، ولن أعلق نظراتي على أي وجه سأغمض عيني على وجهك وأمضي..لا وصية عندي..تلك أمنيات أخيرة..!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى