مقال

في غربتي

خالد رمضان| كاتب مصري – صلالة
الغربة والاغتراب والتغريب كلها مترادفات تدور في فلك واحد، وتصب في بوتقة واحدة، وتعني أن تترك مسقط رأسك، ومرتع شبابك وصباك إلى أرض أخرى تبحث فيها عن لقمة العيش التي عز عليها الحصول في مكانك الذي به نشأت، وترعرعت، فحين ضاق ذلك المكان بك خرجت من ديارك تاركا أبناءك وزوجك، وأهلك وأرضك التي عشقت ترابها، طارقا أبواب الرزق، طالبا أنواع الخير التي يمن الله بها على من يشاء.
تمر عليك الأيام والليالي، وأنت منهمك في عملك، مشغول عن نفسك حين ينسحب بساط العمر من تحت أقدامك ودون أن تشعر.
تفتقد زينة الحياة، وفلذات أكبادك وقد حرمت رائحتهم الزكية، ولمسات أيديهم الندية، وأحضانهم الدافئة الهنية، فقط تراهم على شاشة الجوال كمن يشاهد فيلما سينمائيا لا روح فيه ولا حياة، فلا تستطيع تقبيلهم إذا اقتربوا، ولا تطبيبهم إذا مرضوا، ولا احتضانهم إذا فرحوا، فقط تنظر إلى صفحات وجوههم على الجوال وقلبك يعتصر ألما وحزنا.
في غربتي
تتعرى الوجوه وتسقط الأقنعة، وينكشف المستور، فيبدو كلٌّ على حقيقته، وشعارهم: المصلحة فوق كل الاعتبارات، إنه صراع البقاء يا عزيزي، وكأنها غابة لفاء يأكل القوي فيها الضعيف، ولن تجد إلا القلة القليلة التي اعتصمت بحبل الله المتين، وشربت من ماء الأصالة، وتربت في بيوت الكرام، فسرت روح العفة في دمائهم، وبدت ملامح الشهامة والعراقة في وجوههم.
في غربتي
تغسل ثيابك وتطهو طعامك، وتنظف هندامك، وتحمل همومك وٱلامك، وتداوي جراحك، وتلملم أشلاءك، وتكتم ٱهاتك، وتصادق أحزانك، وتقف كالطود الشامخ فلا تميلك الريح، ولا ينال منك الكسيح ولا الصحيح، وإلا كنت لقمة سائغة في أفواه المتربصين والكائدين والمعادين فتذهب أدراج الرياح، ويمحى اسمك ورسمك من سجلات الزمن.
في غربتي
تكشف لك الحياة عن وجهها القبيح، فلا تجمل ولا تستر، فإما أن تكون أولا تكون، فهي لا تعرف الصدر الحاني، ولا القلب العطوف، فإن أحسنت صفق لك الجميع، وحملوك على الأعناق، وإن أسأت فمن على أعناقهم ألقوك، وفي التراب وضعوك، ولو استشفع لك الشافعون ما نفعوك.
في غربتي
تبني صروح المجد، وتغرس بذور العلم حتى ترى ثمارك يانعة، وصروحك شاهقة، ثم ينتابك اليأس والقنوط، وتحوطك الهموم والآلام والأسقام حينما تتذكر أنك مهما جلست راحل، ومهما تقدمت مفارق، تاركا أمجادك وأعمالك وٱثارك وكأنها لم تكن، ثم تعود إلى بلادك مجهولا مغمورا لا يعرفك إلا القليل، فقد كبر الصغار وصاروا شبابا، ونساء، فتغتم وتهتم لأنك حتى في وطنك أصبحت غريبا.
لكن:
في وسط هذا الظلام الحالك يبدو شعاع ينير لك الطريق، وهو حديث النبي – صلى الله عليه وسلم- حين يقول:”ومن سعى على والديه ففي سبيل الله، ومن سعى على عياله ففي سبيل الله، ومن سعى على نفسه ليعفها ففي سبيل الله، ومن سعى مكاثرا ففي سبيل الطاغوت.”ويصور الشاعر هنا حياة الغربة بقوله:
موت الكرام حياة في مواطنهم
فإن هم اغتربوا ماتوا وما ماتوا
وفي الاتجاه المعاكس ينظر إليك أهلوك ومحبوك وجيرانك وأصدقائك على أنك من المصطفين الأخيار، أو ممن نزلت عليهم السكينة أو مائدة عيسى عليه السلام، أو أنك أوتيتَ سؤلك يا صديقي، يقولون وهم لا يعلمون، ويتشدقون وهم جالسون.
يقول الشاعر:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده
ولا الصبابة إلا من يعانيها
وفي الأخير أقول:
في غربتي
لا يصمد إلا المغامرون المثابرون الصابرون الطامحون الذين صارعوا الحياة فصرعوها، وردوا لها تلك الضربات القاصمة الصاع صاعين، ومن أحسنوا استخدام شعرة معاوية، فاشتد عودهم، وقويت شوكتهم، فازدادت خبرتهم، وارتقت مكانتهم، وهنا يقول الشافعي:

فالأسد لولا فراق الأرض ما افترست
والسهم لولا فراق القوس لم تصب
إني رأيت ركود الماء يفسده
إن ساح طاب وإن لم يجر لم يطب

في الغربة تظهر معادن الرجال فيميز الله الخبيث من الطيب، فالغربة مزيج بين الألم والأمل، وهكذا الحياة مدرسة كبرى لا تزال تتعلم فيها ما دمت على قيد الحياة، وفي الحقيقة ستظل تلميذا وإن بلغت من الكبر عتيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى