
د. إسراء بدوي | القاهرة
دكتوراة في النقد الأدبي كلية الآداب جامعة عين شمس
يبدو أن رحلة الحب فى هذه الرواية زمنية تعاش لا تروي فما بين حضور شخصية أريج وخلفية الواقع هناك سياق مرجعى يعيد تكوين الأنا فى علاقتها بالأخر من جهة , وعلاقتها بتنظمية الحدث .
” فى زمن مضي.. ثمة مساحة من الوقت أمسكتها الذاكرة “
الكاتبة فى بداية السرد منحتنا الإجابة قبل أن تعطينا السؤال, بدأت بزمكانية اللقاء بينها وبين الحبيب الذى بات زمكانية النهاية والبداية, الموسيقي الخفية التى لوحت لنا بها حتى نتدارك الحضور المتنوع,متعدد الدرجات لشخصية أريج.
وصنعت مفارقة زمنية مهمة برواية “ذلك الغريب ” التى كتبها ذلك الحبيب”إلى من آضاءت روحي بحبها وكانت عصية على النسيان” فالساردة تتابع الأزمنة المرجعية كظل للواقع, تتوشج فيه تقنيات السرد, لتمنحنا لذة اكتشاف الحقيقة, وفك شفرات النص.
وبحضور شخصية أريج ظهرت أبجديات شخصية أبنائها نسرين ونادر فكل منهما كان بمثابة عتبات أخرى للنص وتمنح النص الواحد تجربة, تمنح القدرة على التجاوز, وخلق مصائر متعددة أو ما يقال عليه النص “التيماتي”.
فبخروج نادر وحبه للفتاة الإيطالية وعلاقة تلك الفتاة بأبيها, والذى سينقلنا الحدث بعد ذلك إلى مسار مهم هو “دار رعاية المسنين” فى ظل واقع ثقيل من وطأة الكورونا.
يكشف قدرة الساردة على تنامي خط السرد, كما يمنحنا الهوية الذاتية التى انسلخنا منها فى ظل ذلك الوباء, فهذا الحب بينهما منح الحياة لهؤلاء المسنين , ليبرز الخطاب السردى و الآثار النفسية لهما حين يرفض الأبناء قبول الآباء فى رحلة سطرت سطوة التخلى, وترافقت مع نزيف المشاعر.

كما أن صدى هذا الحب كان بمثابة مرآة عاكسة لدلالة التجربة التى عاشتها أريج التى تزوجت مدحت المظهر الجسدى والعقلى لشهوة المال,وقبح الواقع.
مدحت لم يكن مشكلته فقط فى كونه زوج تطاول على زهرة شبابها , وكانت قادرة على الوقوف بصلابة أمام مرض النفس الطامعة, لكن كذلك مدحت مثل عتبة الحبكة تجسيد حى للزمن واستعباده للإبرياء, وتجسيد للمكان الذى أصبح فى هذه الرواية دائرة تصارعنا جميعا.
الخطاب السردى تموضع فى عدة أبعاد:
البعد الأول : البعد النفسي.
البعد الثاني: البعد الإجتماعي .
البعد النفسي ظهر واضحا حين طوت أريج لوحة الروح المهترئة , لتمارس الحب فى دفق وعى بالذات والكيان النسوي, بمحبة خالصة ألبستها الساردة ثياب ذلك الحبيب وكأنها تمنح السرد ديمومة وحركة عوض عن صمت وخذلان مدحت.
كذلك معايشة الواقع النفسي لؤطاة الموت والرحيل لذلك الحبيب,وبالرغم من أن الموت قبض مفاتيح روحها للتحرر, إلا أن الموت كان بطل خفي روح وثابة فى جسد يواجه, ليس الزمان والمكان فقط بل كذلك أزمات الواقع.
سيكولوجية أريج فى التعامل مع مدحت هى عود أبدى كلما أخذنا السرد فى طيات الحب, تعودالساردة بالتفاتات الضمائر لتؤكد لنا أن الواقع يخمش بأظافره وجوه الحقيقة.
كذلك أنطولوجيا “المذكرات” هى زمن ثالث لبناء الحكاية يسخر من الواقع وهو لا يتكون إلا فى لحظات المتابعة لزيادة أعداد مرضي الكورونا, وحالات الوفاة المتجسدة فى عقل مدحت.
الحاضر الحى فى الواقع الميت الذى هدمته ببراعة فى رمزية مهمة رمزية الكلب “دولشي” فهو ممارسة فعلية على عاتق الوعى الذاتي , واستبصار لحركة الزمن ما قبل وما بعد.
فما قبل أن تكسر أريج الدائرة وترحل كانت حضور “دولشي” إيقاع زمنى لعلاقتها بالآخر الغائب المتمثل فى أبنها, وعلاقتها بالأخر الحاضر الذي يقيس الزمن بملذات فادحة يمارسه بسلطة مستلبة فى مال أبيها.
وخروج دولشي لم يكن العتبة الحقيقية بل كانت الأهم هو ذلك الكلب الذى كان جائعا ودق باب مدحت الخاوى, هذا الكلب صوت اللقاء الذى يمنحا السؤال لماذا لم يتوقف الزمن عند البعض قبل أن يدمر زمنية الأخر؟.
مدحت كان الإجابة التى رسمت مدلول المرض الحقيقي لذات مهترئة تحمل الخطيئة التى وضعت أمام أريج عبر اللاب توب, وكانت بمثابة مفتاح كسر تلك الحلقة التى لم نجد فيها سوى رجل هش استعان بطاقة الشر ليختزل تجربة الخوف والاستنكار والاستبعاد من قبل الأب, فوظف ذلك الخوف فى سياق الاستعطاف على أريج لتحقيق انتصار مزيف انتهى بموت هادىء بعقل ينهار بسطوة اتفاق جمعى لمرض العصر وهو يعتصر حرمة الحب الذى شعر بحب زوجته وإخلاصها للوحة رسام لوح بعوالمه الرحبة فى الفن والإنسانية لإريج فذهبت طوعا.
وفى ظل هذا الواقع كان هناك تضافر لشخصية نسرين الأبنة وعلاقتها بأبنتها, وعلاقتها بالممرضة التى فقدت أبنتها, فهو انعكاس آخر للتمظهر الإجتماعي لنفسية الآخر وتمثلها لتمظهرت الوعى النفسي بالزمن وتحولاته, وهو ما لجأت إليه هذه الأم فى تلك الفترة الأم الأولى أريج ضحت بقرب أبنائها مقابل الابتعاد عن سلطة الزوج, والأم الثانية ضحت بقرب أبنتها الر ضيعة خوفا عليها من انتشار المرض .
تراوحت العلاقتين بين الألفة والنفور فشعرنا بالحكم النفسي فى لحظة ما, وكأن سعادة الذات باللحظة أو الدقائق الآنية فى رفقة الحب , يمنح تلك الذوات القدرة على قبول الواقع .
وهو ما يؤكده لنا غياب أريج دون أن يدركنا النص لمكانها, وموت مدحت وحيدا , يحقق مدى كرنولوجي للزمن النفسي وهو يضع الأنا فى بيولوجية الانتظار الذي يفك طلاسم غربتها, ويمنح العشق دون كفاية , ويحتفظ بقناع ذلك الغريب دون أن يقتله .