تحت أضلع الصدى

بديع صقور | شاعر سوري
“وأسمعُ للقبورِ صدىً وجيعاً
حنين الغائبين إلى الإيابِ”*
-1-
تحتَ أضْلعِ الصدى
فوق غصون الريح نامت طيورُ أرواحهم ..
فوق تلال الصباح
خبا حنين أصواتهم،
وسال دمع الزهور.
-2-
في الليلة الأولى للحرب
نامتِ الجلّنارة في حضن أمها..
قبيل الشروق
اخترقت رصاصةُ طائشةٌ صدرها..
أشرقت الشمس..
الجلّنارة ما تزال نائمة في حضن أمها
استيقظتِ الأمُ ، وحضنها مبلل بالدم ،والدموع.
-3-
طارت أسرابُ النحل
فرّتْ عصافيرُ الدوري..
رحل الغيم..
حين داهم القتلة قرية أمّ الغار
تشققتْ شفاه الأزهار..
ومن فوق الهضاب
لوّح الرعاة الصغار بأيديهم وأصواتهم :
عودي يا أسراب النحل
عودي يا عصافير الدوري
عودي.. عودي يا غيوم.
-4-
من كانوا زهور الأمس
/ في الحرب/
ذبلوا، وطواهم تراب النسيان.
-5-
النسور التي كانت تحلّق فوق الغيوم بفرح،
عندما حاولت الرجوع إلى وكناتها في الجبال
انهال عليها رصاص غزير كالمطر.
-6-
القبور مظلمةٌ وباردة
الهامدون في قبورهم يشكون الضجر
وقلّة النوم .
نحن أيضاً سكان “الأرض الخراب”*
نشكو الضجر والضنْكَ، والسهاد، والجوع وقلّة النوم..
في بيوتنا المظلمة الفقيرة .. الباردة.
-7-
الصواريخ تغزو السماء
الطائرات تشتّت قطعان الغيوم
في سهول السماء.
الطيور..
الغيوم..
سهول السماء..
لا يحبون الصواريخ ولا الطائرات
التي تغتال الأزرق الجميل.
/نحن أيضاً، من نشبه الطيور والغيوم، وزرقة السماء
لا نُحبُّ الصواريخ، ولا الطائرات ، ولا مشعلي الحروب./
-8-
قبل أنْ تبتعد السفن
قبل أنْ تنأى الشواطئ
وقبل أنْ يداهمنا الغروب..
هلمي أيتها النوارس..
هيا نجْمع معاً آخر خيوط الشمس ، لنغزل
منها شالاً نكسو به زغاليل أرواحنا
المبْحرة إلى جزر الغياب.
-9-
يبسَ العشبُ
حزنَ الرعاةُ
ذبُلَ وجه الأرض، بعد أنْ أحرقتِ الحربُ
ثوبها الأخضر المزين بالزهور.
حزنَ الربيع
غادر مُكْرها السهول،
والجبال،والهضاب، والوديان،والبيوت.
-10-
ذبُلَ وجه الأرض..
لا أعراس
ولا زهور..
ولا من أبٍ يهيئ محراثه لحراثة الحقول ..
ولا من أمٍّ تبْسط كفيّها إلى السماء، وتبتهل:
يارب أغدقْ علينا رحمتك ،
وترأف بنا يا مالك السماء.
-11-
خوتِ الدروب..
لا قطعان، ولا رعاة..
خوتِ البراري والحقول..
من ذهبوا إلى الحرب، تأخروا
في الرجوع !.
-12-
تقطَّعتْ بنا السبل
طريق البحر وعرٌ، ومظلمٌ وبعيد..
أقلعتِ السفينة..
من كنّا نودُّ الإبحار معهم،
أبحروا..
ابتعدتِ السفينة..
وحيداً وجدْتُ نفسي على رصيف الميناء الموحش،
ولا من أُلوّح لهم بقبْلةٍ ،
أو من يلوّح لي بمنديلٍ من دموع!.
-13-
الأرغفة يابسةٌ
الأيدي يابسةٌ
والقلوب هي الأخرى أيضاً،
أضحتْ يابسة.
حكيم في القديم ، قال:
– رؤوس الملوك أكثر يباساً
من حجارة القلاع.
-14-
” أُريها السُّها، وتريني القمر”
يداها جناحا حمامة
يدايَ فوق يديها..
يدُ العاصفة الآثمة
كسرت أجنحتنا البيضاء.
-15-
يسقط المطر
تغرد البلابل ..
تنتشي الوديان
تسقسق الينابيع
تضحك الأنهار،
فترتعش المواويل على ثغر الشفق..
تتراقص العناقيد..
وهاتي يا كروم عناقيدك التي بلون الشفق ..
هيّا.. نعتصرها ياصبايا..
هيّا.. نعبئُ خوابي خريفنا بالنبيذ،
مؤونة للشتاءات القادمة.
-16-
ليس للسراب بيت!
تحت أيّ سقفٍ سيبني السنونو عشَّهُ
في الربيع القادم ؟
-17-
غافلته المراكب وأبحرت..
أين ستبات النوارس هذه الليلة،
بعد أن أبحرت المراكب!
ليس لهذه الأيام بيت
ليس لهذا البحر قرار..
وكلُّ الذي جنيناه من بساتين هذا العمر
محْضُ سراب.
-18-
كنوز العيش تسرقها الليالي
ليلةً بليلة
” تنقضي الأيام والدهر لاينفدِ*“
و” بنات المجون”** ما زلنَ ينُحْن على الراحلين.
-19-
على صوت موسيقا الينابيع
تعالي نضْبط أوتارَ أصواتنا،
ونغني للعائدين من ميادين التعب.
تحت أضلع الشمس..
تعالي نخبئْ بين أحضان النجوم،
نايات جروحنا..
عندما تغفو النجوم، نغافلها ونسحب من بين أحضانها
ناياتنا التي خبأْناها في الربيع القديم،
ونعْزفُ عليها معزوفة حبّنا الأول ..
تلك التي كنا نسيناها في الزمنِ البعيد،
تحت ظلال الغربة.
تعالي نتسلق شجرة الريح..
نصنع من أغصانها عرزالاً،
وننام عليه كعندليبين غريبين بلا وطن.
*** ***
على وقع أنغام نايات الجبال،
تنهال دموع الأمَّهات على الذاهبين
من أبنائهن إلى حوْماتِ الحروب..
/أمُّ عزام،هذا الصباح توقف قلبها، وعلاء الضائع في صحراء الحرب،
لمْ يعد بعد!/
-20-
الغابات، تغمضُ جفونها المقرّحة
القبرات تصلي لجارها القمر.
على غصن غيمة ينام الندى
تأخر الغائبون،
وردّدتِ البراري صدى أصوات الجبال:
“يا صبح روّج ..”
يا صبح !.
الغياب جرحٌ لا يندمل.
-21-
قبل أن تبحر مراكبهم، قالت له:
انتظريهم..
قبل أن تبتعد المراكب،
كتب على دفتر محاجرِ الشوق:
انتظرهم ..
بعد أن غابت المراكب خلف تلال الموج،
غنّتْ له:
/ أيُّها القمر العالي في سمائك
إن ابتسامتك تشبه ابتسامة حبيبي
يا رب .. يا من تنادي باسمك الناس
أعدْ لي حبيبي من دار الغياب/.
-22-
بعد أن ابتعدت مراكبهم،
طارت عنادل العمر و”غيرُ مجدٍ”
انتظار الضائعين في غابات الحروب.
-23-
العصفور يغرّد
الوردة تغزلُ شالاً أبيض بلون الثلج..
العصفور يغرّد..
الوردة تبتسم..
وقبل أن يطيرَ العصفور
طبعَ على خدّ الوردة قبلة.
-24-
” وكلُّ من أشعلتْ له الأيام سراجاً،
حين تمّ اشتعاله هبّتْ عليه الريح”* *
انطفأت القناديل،
أظلمتِ الدروب..
وهبط الليل ..
و/الذاهبون إلى الحرب، آخر أحلامهم الرجوع
إلى الحياة/.
…………….
هوامش:
*بيت شعري للشاعر العربي الكبير بدوي الجبل” محمد سليمان الاحمد” (١٩٠٣-١٩٨١)
*ت. س .إيلوت: شاعر أمريكي، ولد في بريطانيا عام ١٨٨٨انتقل إلى أمريكا( ١٩١٤) من أشهر قصائده: الأرض الخراب، توفي عام(١٩٦٥)
*مقطع شعري للشاعر الجاهلي طرفة بن العبد،من أصحاب المعلقات، عاش مابين(٥٤٣-٥٦٩)
**بنت المجون: نائحة جاهلية ،كانت مشهورة بالنواح على الموتى.
*مابين قوسين: للشاعر الإيراني حافظ الشيرازي، من أشهر الشعراء الغنائيين في إيران،ولد في شيراز( ١٣٠٥ ) في شيراز، وتوفي فيها