
عوض الله الشيخ العوض*|السودان
عندما تسلّم حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق آل سعيد – حفظه الله – مقاليد الحكم، كانت سلطنة عُمان تقف أمام واحدة من أدق المراحل الاقتصادية في تاريخها الحديث، حيث تزامن انتقال القيادة مع تراجع حاد في أسعار النفط، وارتفاع مستويات العجز والدين العام، إضافة إلى صدمة جائحة كورونا التي أربكت اقتصادات العالم وأوقفت عجلة النمو في معظم الدول. في ذلك التوقيت، لم تكن التحديات ظرفية أو عابرة، بل كانت تعكس اختلالات هيكلية تراكمت عبر سنوات طويلة، وهو ما جعل التعامل معها يتطلب رؤية عميقة وقرارات شجاعة تتجاوز الحلول المؤقتة.
اختار جلالة السلطان منذ اللحظة الأولى نهج المكاشفة والوضوح، مؤمناً بأن بناء الثقة بين الدولة والمجتمع يبدأ بالاعتراف بحقيقة الأوضاع الاقتصادية دون تجميل أو إنكار. لم تُقدَّم الأزمة بوصفها قدراً محتوماً، بل باعتبارها نقطة انطلاق لإعادة صياغة النموذج الاقتصادي العُماني على أسس أكثر استدامة وكفاءة. هذا التشخيص الواقعي مكّن صانع القرار من الانتقال مباشرة إلى مرحلة العلاج، بعيداً عن السياسات التسكينية التي قد تؤجل المشكلات ولا تعالج جذورها.
وجاءت إدارة المالية العامة في صدارة أولويات الإصلاح، حيث أُعيد النظر في هيكل الإنفاق الحكومي، وتم ضبط المصروفات وتحسين كفاءتها، مع العمل الجاد على تنويع مصادر الإيرادات بعيداً عن الاعتماد شبه الكامل على النفط. ورغم حساسية هذه الإجراءات، فقد نُفذت بتدرج محسوب يراعي الاستقرار الاجتماعي، ويوازن بين متطلبات الإصلاح المالي وحماية المواطنين من الآثار المباشرة لأي تغييرات قاسية. هذا الانضباط المالي أسهم خلال فترة قصيرة في تقليص العجز وتحسين المؤشرات الاقتصادية، وأعاد الثقة الدولية في الاقتصاد العُماني، وهو ما انعكس إيجاباً على التصنيفات الائتمانية وجاذبية السلطنة للاستثمار.
ولم تكن هذه الإصلاحات منفصلة عن إطار استراتيجي شامل، إذ شكّلت «رؤية عُمان 2040» البوصلة التي وجّهت السياسات الاقتصادية والمالية. فقد أعاد جلالة السلطان تفعيل الرؤية باعتبارها مشروعاً وطنياً ملزماً، لا مجرد وثيقة نظرية، لتكون مرجعاً لتخطيط السياسات وتنفيذها. ووضعت الرؤية التنويع الاقتصادي في قلب التحول، مع التركيز على قطاعات واعدة قادرة على خلق قيمة مضافة حقيقية، مثل الصناعة التحويلية، والخدمات اللوجستية، والسياحة، والتعدين، والطاقة المتجددة، بما يضمن اقتصاداً أقل هشاشة أمام تقلبات الأسواق العالمية.
كما أدركت القيادة أن الإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن ينجح دون إصلاح إداري متزامن، فكان إعادة هيكلة الجهاز الحكومي خطوة محورية في مسار التحول. جرى تقليص الازدواجية بين المؤسسات، ودمج عدد من الجهات الحكومية، وتعزيز مبادئ الحوكمة والكفاءة والمساءلة، بما أسهم في تسريع اتخاذ القرار وتحسين جودة الخدمات العامة. هذا الإصلاح المؤسسي لم يخفف الأعباء المالية فحسب، بل أسس لبيئة إدارية أكثر مرونة وانسجاماً مع متطلبات التنمية الحديثة.
وفي الوقت ذاته، انتقل دور الدولة تدريجياً من كونها المحرك الرئيسي للاقتصاد إلى دور المنظم والممكّن، مع فتح المجال أمام القطاع الخاص لقيادة النمو. تم تحديث القوانين الاستثمارية، وتبسيط الإجراءات، وتحسين بيئة الأعمال، ما جعل السلطنة أكثر قدرة على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية. كما حظيت المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بدعم خاص، باعتبارها ركيزة أساسية لتوليد فرص العمل وتعزيز الابتكار وتنويع القاعدة الإنتاجية.
ورغم عمق الإصلاحات الاقتصادية، ظل البعد الاجتماعي حاضراً بقوة في نهج جلالة السلطان، إذ لم يُنظر إلى الأرقام والمؤشرات بمعزل عن الإنسان العُماني. فجاءت السياسات مصحوبة بإجراءات حماية اجتماعية، وبرامج دعم تستهدف الفئات الأكثر تأثراً، بما حافظ على التماسك المجتمعي وعزّز القناعة العامة بأن الإصلاح ليس عبئاً، بل استثمار في مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.
وهكذا، خلال سنوات قليلة، تحولت الأزمة الاقتصادية من تحدٍ وجودي إلى فرصة تاريخية لإعادة بناء الاقتصاد العُماني على أسس متينة. قصة النجاح المالي التي تعيشها السلطنة اليوم لم تكن نتاج الصدفة أو تحسن الظروف العالمية فقط، بل ثمرة قيادة واعية امتلكت الشجاعة في القرار، والحكمة في التنفيذ، والرؤية البعيدة التي تضع مصلحة الوطن والأجيال القادمة فوق كل اعتبار. إنها تجربة تؤكد أن الإدارة الرشيدة للأزمات قادرة على تحويل أصعب اللحظات إلى بدايات جديدة، وأن عُمان، بقيادة جلالة السلطان هيثم بن طارق، تمضي بثقة نحو مستقبل اقتصادي أكثر توازناً واستدامة .
* مستشار اقتصادي وقانوني


