التنمية الذاتية وأفق الاستدامة: تجربة قطرية”.. مَانِيفِسْتُو النهضة الشاملة ومنارة العبور نحو المستقبل
كتاب جديد للدكتور عبدالله المرزوقي

عالم الثقافة | القاهرة
في لحظة تاريخية فارقة من مسيرة الأدب الفكري و التنموي في المنطقة العربية، يطل علينا الدكتور عبد الله فرج المرزوقي بكتابه الأحدث: “التنمية الذاتية وأفق الاستدامة: تجربة قطرية”. هذا العمل ليس مجرد إضافة عابرة لرفوف المكتبات، بل هو إضافة كبيرة جداً ونقلة نوعية في كيفية قراءة التحولات الحضارية. إنه كتاب يجسد “فلسفة البناء” في أرقى صورها، حيث لا يكتفي برصد المنجزات العمرانية، بل يغوص في أعماق المحرك الحقيقي لهذه المنجزات.
أولاً: عبقرية الربط بين “الذات” و”الاستدامة”
تكمن القوة الضاربة في هذا الكتاب في قدرة المؤلف على تفكيك مفهوم “الاستدامة” وإخراجه من قوالبه الأكاديمية الجامدة ليضعه في سياق “التنمية الذاتية”. يطرح الدكتور المرزوقي أطروحة مفادها أن الاستدامة ليست مجرد مشاريع كبرى أو طاقة متجددة، بل هي سلوك فردي وقناعة ذاتية.
إن الربط بين تطوير الذات وبين استدامة الوطن هو “الخلطة السحرية” التي يقدمها الكتاب؛ فالفرد الذي ينمي قدراته، ويصقل أخلاقه، ويتحمل مسؤوليته تجاه الموارد، هو اللبنة الأساسية التي تضمن بقاء الدولة وازدهارها عبر الأجيال. هذا الطرح يجعل من الكتاب مرجعاً ليس فقط للمسؤولين، بل لكل مواطن ومقيم يطمح لترك بصمة إيجابية.
ثانياً: قراءة في المرتكزات الأربعة لنهضة قطر
يتناول الكتاب بعمق تحليلي مبهر رؤية قطر الوطنية 2030، معتبراً إياها البوصلة التي وجهت سفينة الوطن نحو آفاق غير مسبوقة. ويستعرض المؤلف هذه الرؤية من خلال أربعة محاور جوهرية، شكلت العمود الفقري للكتاب:
التنمية البشرية (بناء الإنسان): يؤكد الكتاب أن الاستثمار في العقل القطري هو الاستثمار الأبقى. من خلال التعليم النوعي والرعاية الصحية الشاملة، يتم إعداد جيل قادر على مواجهة تحديات المستقبل بوعي واقتدار.
التنمية الاجتماعية (النسيج المترابط): يسلط المرزوقي الضوء على أهمية القيم الأخلاقية، والعدالة الاجتماعية، والتمكين المجتمعي. إن المجتمع القائم على التسامح والاحترام المتبادل هو مجتمع محصن وقادر على استدامة منجزاته.
التنمية الاقتصادية (التوازن والازدهار): كيف وازنت قطر بين نموها المتسارع وبين الحفاظ على اقتصاد متين ومستقر؟ الكتاب يقدم إجابات وافية حول الاستراتيجيات الاقتصادية التي تضمن العيش الكريم دون المساس بحقوق الأجيال القادمة.
التنمية البيئية (أمانة الأجيال): يبرز الكتاب كيف تحولت البيئة من مجرد شعار إلى نهج عملي، من خلال مشاريع البنية التحتية الصديقة للبيئة والمبادرات التي تهدف لتحقيق التوازن البيئي.
ثالثاً: البعد الأخلاقي والقيمي.. “الروح” خلف “المادة”
ما يميز هذا الكتاب ويجعله إضافة كبيرة جداً هو تركيزه المكثف على الجانب الروحاني والأخلاقي للتنمية. يجادل الدكتور المرزوقي بأن “النهضة الحقيقية تبدأ من الداخل”. إن ترسيخ قيم الأمانة، والعمل الجماعي، والمسؤولية المجتمعية هي التي تمنح المشاريع الكبرى قيمتها الحقيقية.
الكتاب يدعو إلى ثورة في الوعي، حيث يرى أن “الاستدامة الأخلاقية” هي الضامن الوحيد للاستدامة المادية. المجتمع الواعي والملتزم هو الذي يحول خطط الدولة من “نصوص على ورق” إلى “واقع معيش” في التفاصيل اليومية الصغيرة.
رابعاً: شراكة المصير (الحكومة، القطاع الخاص، والمجتمع المدني)
يفرد الكتاب مساحات واسعة للحديث عن أهمية التكامل بين جميع أطياف الدولة. يوضح المؤلف أن الاستدامة ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي عقد اجتماعي يتشارك فيه الجميع.
الحكومة: بوضع السياسات والتشريعات الملهمة.
القطاع الخاص: من خلال المبادرات الاقتصادية المسؤولة.
المجتمع المدني والأفراد: عبر السلوكيات اليومية والمشاركة الفعالة في المبادرات البيئية والاجتماعية.
يمثل كتاب الدكتور عبد الله فرج المرزوقي صرخة وعي ومنارة فكر. إنه يؤسس لمرحلة جديدة من الكتابة التنموية التي تضع الإنسان في قلب العملية، وتجعل من الأخلاق معياراً للنجاح. هذا الكتاب هو إضافة كبيرة جداً للمكتبة العربية، ووثيقة تاريخية تشرح كيف استطاعت قطر أن تصيغ تجربتها الخاصة والفريدة في سماء الاستدامة العالمية.





