سياسة

هل صار النظام الدولي واجهة شكلية

دكتور طارق عشيري| أكاديمي من السودان
سؤال يظل يطرح عبر النخب السياسية المختلفة هل انتهي النظام الدولي او( الشرعية الدولية) كا يحلو للبعض منهم ولم يعد العالم يُدار( بالقواعد التي عرفناها)، ولا بالوعود التي بشّرت بها “الشرعية الدولية”. فبين حروبٍ تُشعل دون مساءلة، ودماءٍ تُراق بلا محاسبة، ومؤسساتٍ دوليةٍ عاجزة عن أداء أبسط واجباتها
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد( أزمات متفرقة)، بل (مؤشر على تفكك عميق في بنية نظامٍ فقد عدالته)، (وتآكلت هيبته)، وترك الدول الضعيفة—وفي مقدمتها السودان—تواجه مصيرها في( عالمٍ تحكمه القوة لا القانون).
لم يعد النظام الدولي ذلك الإطار الضابط الذي يُحتكم إليه عند اشتداد الأزمات، بل تحوّل في نظر كثير من الشعوب إلى (واجهة شكلية تخفي عجزًا أخلاقيًا في شتي المناحي السياسية) . ففي عالمٍ تتساقط فيه( هيبة القانون الدولي أمام سطوة القوة)، وتُدار فيه الحروب بميزان المصالح لا ميزان العدالة، يطفو على السطح سؤال مصيري: هل نحن شهود على أفول النظام الدولي، أم على إعادة إنتاجه بصورة أكثر قسوة وانتقائية؟
إن ما يجري اليوم، من شللٍ في المؤسسات الدولية، وازدواجيةٍ فاضحة في المعايير، وترك الدول المنهكة—كالسودان—تواجه الحروب والانهيار وحدها، يؤكد أن العالم دخل مرحلة انتقالية خطِرة، تتآكل فيها القواعد القديمة دون أن تتشكل بدائل عادلة، مما يجعل مستقبل الاستقرار الدولي مفتوحًا على كل الاحتمالات.
يشهد العالم اليوم حالة غير مسبوقة من الاضطراب والارتباك، دفعت كثيرين لطرح سؤال جوهري: هل (يتلاشى النظام الدولي) الذي حكم العلاقات بين الدول لعقود؟
والحقيقة أن ما نراه ليس انهيارًا مفاجئًا، بل تفككًا تدريجيًا لنظام دولي فقد قدرته على الضبط والتوجيه، ودخل( مرحلة انتقالية خطِرة لم تتشكل معالمها بعد).
النظام الدولي القديم: من الهيمنة إلى العجز
بعد انتهاء الحرب الباردة، تشكّل نظام دولي أحادي القطبية تقوده الولايات المتحدة، مستندًا إلى مؤسسات دولية مثل الأمم المتحدة، وصندوق النقد، والبنك الدولي، مع خطاب معلن يقوم على “القانون الدولي” و“حقوق الإنسان”.
غير أن هذا النظام، ومع مرور الوقت، بدأ يفقد مصداقيته، خاصة مع ازدواجية المعايير في التعامل مع النزاعات، واستخدام المؤسسات الدولية كأدوات سياسية لا كمرجعيات عادلة.
وتتجلى ملامح تآكل النظام الدولي في عدة مظاهر واضحة، من أبرزها:
الشلل الكامل لمجلس الأمن الدولي وعجزه عن إيقاف الحروب أو حماية المدنيين.حتي بيانات الشجب والادانه تلاشت مع تراجع احترام القانون الدولي، وعودة منطق القوة وفرض الأمر الواقع.
وصعود قوى دولية وإقليمية تتحدى النظام القائم دون تقديم بديل متكامل.
وتحول الصراعات من أزمات قابلة للحل إلى حروب مفتوحة بلا سقف زمني أو أخلاقي.
ان العالم اليوم لا تحكمه قواعد راسخة، بل توازنات مؤقتة وتحالفات متقلبة.
لسنا أمام نظام دولي جديد، ولا أمام فوضى كاملة، بل أمام مرحلة سيولة دوليةحيث القواعد القديمة لم تعد صالحة، والجديدة لم تُكتب بعد، وهي أخطر المراحل في تاريخ العلاقات الدولية.
ودليلنا المشهد السوداني الذي يعكس لنا صورة مؤلمة لهذا الفراغ فسنوات الحرب في السودان لم تحرك تلك البركه الساكنة ففي ظل غياب إرادة دولية حقيقية لحماية المدنيين أو فرض السلام، أصبح السودان ضحية لانهيار المعايير الدولية، وساحة لتصفية الحسابات وتضارب المصالح، دون اكتراث بحجم الكارثة الإنسانية.
لم يعد السؤال: ماذا يفعل المجتمع الدولي للسودان؟
بل: هل لا يزال المجتمع الدولي قادرًا أصلًا على الفعل؟
النظام الدولي لم يتلاشَ بالكامل، لكنه يفقد شكله، ووظيفته، وأخلاقيته.
والعالم يتجه نحو نظام متعدد الأقطاب، تحكمه المصالح لا القيم، والقوة لا القانون.
وفي هذا الواقع الجديد، لن تنجو الدول الضعيفة بالانتظار أو التعويل على الخارج،
بل بإعادة بناء ذاتها من الداخل، وصياغة مشروع وطني قادر على حماية الدولة وسط عالم بلا رحمة.
انّ السؤال عن (شكلية النظام العالمي) لم يعد ترفًا فكريًا، بل أصبح ضرورة لفهم ما يجري حولنا. فالعالم لا يعيش نهاية مطلقة، وإنما يقف على أعتاب تحوّل كبير، تتراجع فيه هيمنة قديمة وتتصاعد قوى جديدة، وتُعاد فيه (٠صياغة المصالح والتحالفات). هذا التصدّع في بنية النظام العالمي ليس إعلان فوضى بقدر ما هو( مخاض نظام مختلف)، أكثر قسوة وأقل يقينًا. وبين هذا وذاك، تظل الدول التي تُحسن قراءة اللحظة، وتبني قرارها على استقلال الإرادة ووضوح الرؤية، هي الأقدر على النجاة وصناعة موقعها في العالم القادم. فالنظام العالمي قد لا يتلاشى… لكنه بالتأكيد لن يعود كما كان وعلينا ان نضع استراتيجية جديدة لمفهوم عالمي جديد قادم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى