ظل قلبه يرافقني

بقلم: فاتحة الفتنان| المغرب
(عندما تكون الحياة بلا أنت فكيف أصير أنا؟)
ما سرُّ هذه العلاقة؟ تساءلتُ بصمت، ولم أتوقع يومًا أن تسكنني هذه الحالة من الاستسلام، بعد أن أغمضت عينيها إلى الأبد. دفنت مشاعرها، ورمت مفاتيح قلبها بعد وفاة زوجها. أسدلت الستائر، وأطفأت الأنوار، لأنها كانت تؤمن أن الحب قبسٌ وسلوك، لا خطبة تتلى ثم تمضي. كانت “حنان” ترتدي فيه جناح الحمامة وأنوثة الأحلام؛ قلبًا وعاطفةً تبحر بفيضٍ من الملامح في مجرة الكون.
أحلام، ذات الخمسين عامًا، امرأة مثيرة، مزهرة القداح، تفوح أنوثتها نعومةً وجمالًا. كانت ترتشف اللاشيء، وتحمل أوزارًا بثقلٍ كبير. نشأت على الفقد، ورأت أنه سيرافقها إلى اللحد. لم تدرك يومًا أن جذور القلب قد تزهر من جديد، وهي تطل من نافذة الأزرق، حيث قطوف كثيرة متدلية، لكنها لم تسمح لنفسها بقطاف أي منها، حتى لا تُعرقل طموحها ورغباتها في الحياة الأسرية.
حتى حطّم الصمت الأسود تمرّده على شظايا النفس. اشتد به الاشتعال، فحرّق كل المراكب، وقطع أسباب الخوف. لم يستسلم للتشظي، ولم يقبل بالانكسار.
“يا ليته ما فعل!”… حتى تحوّل إلى طوفان هزّ المشاعر من الأعماق. لم تؤمن يومًا أن للحب هزّات، وأنه اندفاع الروح نحو الروح. أشعل نيران العشق في داخلها، وكان خلف الستارة يستدرجها بطعمٍ بليد. لم تعِ في شرودها كيف انصاعت، محمّلةً بعبء المسافة.
“عندما تعزف الروح لحن حزنها، يصبح الكلام مدينة من الصمت.”
قالتها وهي تجول بعينيها في أرجاء الغرفة، تبحث عن شيء لا تعرف ما هو… ربما عن شجاعة خيانتها. في تلك اللحظة، كانت تنظر إليه بشرود، حين هام بها. لم ترَ برهان الله، لأن الشيطان كان مقرفصًا على أريكة الخطيئة، يعلن عليها شروطه من البداية، فتقبّلتها دون تفكير أو اعتراض.
من شرفة القصيدة، تدلّى الظل مرهقًا من هجير الروح، لعلّ ندى اللحظة يصقل مرايا القلب، حتى لا تبقى القصائد ثرثرة متشظية في الخواء. ما السر الذي أرخى حبل التوازن؟ ترك علامة استفهام معلقة على عتبة الروح، كمنجلٍ حصد كل ما أنبتته من سنابل.
منحت خيول مشاعرها السبق، تأبّط مكيالها، وراح ينثر لوازم العشق بسخاءٍ مجّاني. استباح كرامتها. لم تكن بحاجة إلى رجلٍ يستدرجها ليُهينها، ولا إلى من يُمنّنها بوجوده في حياتها. كان قلبها ينبض فيها ليبقيها، لا ليكسرها.
اكتظّت بالأسئلة التي لا تملك لها إجابة. تذكرت وعده لها، وقَسَمه بأن شعوره لم تحرّكه امرأة سواها. لم تستطع مقاومة هدهدة الحيرة. أثقلته بالشكوك، بقدر ما أثقلها هو بالوعود الكاذبة. لم تعرف أي مركبٍ تركب؛ تبحث عنه في داخله، وكلما اقتربت، غرقت قبل أن تصل.
ولا شط لبحر الغموض الذي يبتلعها. هذا الحاجز الخفي وتراكم الغموض جعلها تنطفئ في ذاتها، لأنها تجاوزت حدود العشق. كان يريد ظلًّا فقط، لكنها كانت شجرة عظيمة الظلال والثمر. كان يريد يدًا تربت عليه، وكانت له كلّها. كانت مجرةً وكونًا يحتويه حتى اختنق. كان يعرف أنها كانت كثيرة عليه، وأنها لم تُقدّر حجمه. كل ما كان يتردد في ذهنها حينها:
“نحن أرواح، والأرواح مصابيح، تضيء وتنطفئ.”
وتتابع نسج خيوطها…
أراني أصرخ، وكل ما فيّ يؤلمني. صعبٌ أن يعترف أنه سبب نكساري، وأنه قادني إلى هلاك ذاتي. ليتني استطعت قطع ذلك الحبل الأثيري الذي يربطني به… لأحرّره وأتحرر. لم أكن يومًا متناقضة، ولا انقسمت ذاتي على نفسي، لكن أحيانًا يغلب التطبّع، وأحيانًا يغلب الطبع.
أنا غيورة بطبيعتي، لا أحب أن يشاركني أحدٌ مملكتي. أميل إلى حافة التمرد، كمن تلامس صفيحًا ساخنًا. هو يعرف… كلما ابتعدنا، اشتقنا أكثر. كثيرًا ما عقدنا صلحًا واتفاقيات هدنة. خططنا لاستراتيجيات حبٍّ، مادام الشغف والوله لا يزال فينا.
كنا نؤمن بمبدأ “المرآة”، أيها القابع في داخلي… امتلأ بك فؤادي. لا فراغ بعدك.
عاتبته ذات يوم على إهماله، وعلى أنني آخر أولوياته، فلم يُعقّب. فقط قال لي:
“أنتِ في داخلي.”
ربّتَ على جموح جوادي الغاضب، فحلّقت بلابلي في الأعالي. أغلقتُ أبوابي ونوافذي حتى لا تتسرّب أنفاس عطره من مسامي. أطلقت العنان لخيالي. كلما احتواني الليل، صفعني الصباح على حلمه. أراه في كل الزوايا، أسحبه معي كظلي، دون أن يكون.
أرهقني هذا الحب. بعد هذا العمر، اكتشفت أن طفلتي الداخلية لم تتشبع بالحب، فاندفعت اليوم كبركان جامح مهزوم، لم يجد في خصوبته اتّساعًا لجنونه. حين ينشغل عني، أنزوي في سكوني، وفي داخلي زئير. أكتفي بتفجيره على حائط أوراقي، ثم أغفو، فأباغته في خيالي، أحتضنه، أقبّله، أراقصه، ثم يعاودني ألم الخذلان. يدخلني في حربٍ مع نفسي.
قدري نزل في الزمن والمكان الخطأ. ليتني أكتشف حدود الفهم، وسبب إصرارنا على إكمال شيء من الصعب إكماله، والعجز عن إنهائه.
هل في هذا العمر يقيدنا الخوف؟ نكسر مجداف الحب، ونطفئ لهيب الشغف؟
كم نبدو تافهين، وكأن الحياة تنظر إلينا بسخرية.
كانت الظروف جاحدة. لا أمان… ولا إيمان.
كيف نكون معًا، وأعيش وحدي؟
مكتظّةٌ بالسؤال.
في اشتياقه استحضارٌ له. في غيابه إحساسٌ بوجوده. منطقٌ يعجز العقل عن استيعابه. معركةٌ نذوب فيها، وجروحٌ غائرة على النفس والجسد.
إنها ضريبة المرأة الناضجة، العميقة، التي تبحث عن الجانب السحري في الحبيب، عن شغفٍ بحبٍّ يائس، لأنها تسكب قلبها بعينين متوهجتين بالأمل. تقدم مستوى مختلفًا من الحياة، أعمق وأكثر معنى. قد تفرط في التحليل والملاحظة، لأنها تريد أن تُحدث تأثيرًا إيجابيًا.
تتعاطف، وتشعر بمشاعر الآخرين، وتصبح طاقةُ الآخر ملكًا لها، متّصلةً بما حولها بحساسية مفرطة.
لا تتخلى عن شيء يسكنها وتؤمن به.
لا ذنب لي، وأنا أبحث عني.
وجدتني من تلك الفصيلة: ساذجة، أرى الجمال في المكسور.
أحببتك دون أن أجد سلطةً على نفسي.
كان وقتك ضيقًا في وجودي، ممتدًا في غيابي.
كانت سعادتي تتبخّر دائمًا معك.
ربما أنت من كان يدفعني للذهاب منك… إلى اللاشيء.
كنتَ تضيّع علينا فرص عيش اللحظة.
أخبرني، ما الذي كان ينقصك؟
ما الذي جعلك تخيّرني بيني وبين أي شيء آخر؟
كل ما في الأمر أنني أحتاج أن أكتب.
لأنك علّمتني الدرس .




