مقال

دولة الكيان الصهيوني: قراءة تحليلية في التناقض البنيوي بين الخطاب الديمقراطي والممارسات العنصرية

د.نسرين محمود رضوان
عضو اتحاد كتاب مصر – شعبة الترجمة للطفل
“الدولة اليهودية الديمقراطية”.. هكذا يروج الخطاب السياسي الإسرائيلي الرسمي لهوية الكيان الصهيوني منذ منتصف الثمانينيات، في صيغة ترددت في القوانين الأساسية، وقرارات الكنيست، وخطابات القادة في المحافل الدولية. ولكن خلف هذا المصطلح المركب، تختبئ إشكالية جوهرية: كيف يمكن التوفيق بين دولة تعرف نفسها كـ”وطن قومي للشعب اليهودي” وبين مبادئ الديمقراطية التي تقوم على المواطنة المتساوية لجميع أفراد المجتمع، بغض النظر عن انتماءاتهم القومية والدينية؟ هذا التناقض ليس مجرد إشكالية نظرية أو أكاديمية، بل يتجسد يومياً في قوانين، وسياسات، وممارسات تميز بشكل منهجي بين المواطنين اليهود والمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل.
فقانون العودة يمنح أي يهودي في العالم حق الهجرة والجنسية، بينما يحرم ملايين اللاجئين الفلسطينيين من حق العودة إلى ديارهم. والأراضي تُصَادَر باسم “التطوير” و”الأمن” وتخصيص مستوطنات يهودية حصرياً. والميزانيات توزع بشكل يبني فجوات صارخة بين المستوطنات الصهيونية والأراضي العربية. فكيف يمكن لدولة تدّعي الديمقراطية أن تكرس كل هذه الأشكال من التمييز المؤسسي؟ هذا المقال يسعى إلى تفكيك هذه الإشكالية، وكشف الوجه الحقيقي للديمقراطية الإسرائيلية من خلال تحليل الخطاب التربوي، والقوانين التمييزية، والممارسات السياسية، ليخلص إلى أن “الديمقراطية الصهيونية” ليست أكثر من غطاء أيديولوجي لنظام استيطاني عنصري، يستخدم مفاهيم الحداثة، والحرية لتمرير مشروعه الاستعماري على حساب حقوق الشعب الفلسطيني.
إشكالية التعريف بين “الدولة اليهودية” و”الدولة الديمقراطية”
منذ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، يروج الخطاب السياسي الإسرائيلي الرسمي لمفهوم “الدولة اليهودية الديمقراطية” كصيغة هوية جامعة للكيان الصهيوني. فقد ظهر هذا المفهوم لأول مرة بصيغته القانونية عام 1985، عندما أقر الكنيست الإسرائيلي تعديلاً على قانون الانتخابات يحظر مشاركة أي قائمة سياسية ترفض الطابع الديمقراطي للدولة أو تحرض على العنصرية. وفي عام 1992، تم تعزيز هذا التوجه بإصدار قانون “احترام الحقوق في إطار القيم الأخلاقية الصهيونية”، الذي وصف إسرائيل بأنها “دولة يهودية وديمقراطية”.
غير أن هذه الصياغة، التي تتردد على ألسنة القادة الإسرائيليين في كل المحافل الدولية، تخفي تناقضاً بنيوياً عميقاً بين مبدأي “اليهودية” و”الديمقراطية”. فالدولة التي تُعَرِّف نفسها بأنها: “دولة الشعب اليهودي” (وليس دولة مواطنيها) لا يمكنها بطبيعتها أن تكون ديمقراطية تجاه من ليسو يهوداً، خاصة في ظل وجود أقلية فلسطينية تشكل نحو 20% من السكان داخل الخط الأخضر، ناهيك عن ملايين الفلسطينيين تحت الاحتلال.
هذا التناقض ليس مجرد إشكالية نظرية ، بل يتجسد يومياً في قوانين وسياسات وممارسات عنصرية تميز بشكل منهجي بين المواطنين اليهود والمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، وتكرس نظاماً من التفوق اليهودي على حساب السكان الأصليين. فكيف يمكن التوفيق بين الادعاء بالديمقراطية ، وإصدار قوانين مثل: “قانون العودة” الذي يمنح أي يهودي في العالم حق الهجرة إلى إسرائيل والحصول على الجنسية، بينما يحرم ملايين الفلسطينيين اللاجئين من حق العودة إلى ديارهم؟ وكيف يمكن الحديث عن المساواة والمواطنة في ظل تشريعات تميز في توزيع الأراضي، والموارد، والميزانيات على أساس قومي؟
الديمقراطية الصهيونية – المفهوم والأيديولوجيا
لم يظهر مفهوم: “الدولة اليهودية الديمقراطية” فجأة، بل تطور تدريجياً في الخطاب السياسي الإسرائيلي استجابة لتحولات داخلية وخارجية. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة، كان التركيز منصباً على “يهودية” الدولة أكثر من ديمقراطيتها. فإعلان الاستقلال عام 1948 تحدث عن “قيام دولة يهودية في أرض إسرائيل”، ولم يذكر كلمة “ديمقراطية” إلا في سياق عام حول “المساواة في الحقوق” دون تحديد.
ومع تصاعد النقد الدولي للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، ومع ازدياد وعي المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل بحقوقهم، بدأت النخبة الحاكمة تبحث عن صيغة توفيقية تحافظ على “الطابع اليهودي” للدولة، وفي الوقت نفسه تقدم صورة مقبولة للمجتمع الدولي. هكذا ولدت صيغة “يهودية وديمقراطية” التي تطورت عبر ثلاث مراحل رئيسة:

المرحلة الأولى (1985): حظر القوائم المعادية للديمقراطية
في هذا العام، أقر الكنيست تعديلاً على “قانون الكنيست” (قانون الانتخابات) يحظر مشاركة أي قائمة سياسية ترفض “طابع الدولة الديمقراطي” أو تحرض على العنصرية. كان هذا التعديل موجهاً بشكل أساسي ضد القوائم العربية والقومية التي بدأت تظهر في المشهد السياسي، وضد الأحزاب اليمينية المتطرفة التي كانت تطرح أفكاراً عنصرية صريحة.
المرحلة الثانية (1992): قانونان أساسيان
صدر في هذا العام “قانون كرامة الإنسان وحريته” و”قانون حرية الانشغال”، اللذان تم تعريفهما كـ”قوانين أساسية” تتمتع بمرتبة دستورية عليا. في هذين القانونين، ورد لأول مرة نص يصف إسرائيل بأنها “دولة يهودية وديمقراطية”. وقد شكل هذا التحول نقلة نوعية، لأن المشرع الإسرائيلي رفع هذه الصيغة إلى مرتبة “مبدأ دستوري” يجب أن يوجه تفسير جميع القوانين الأخرى.
المرحلة الثالثة (2018): قانون القومية
في ذروة التوجه نحو تثبيت الطابع اليهودي على حساب الديمقراطي، أقر الكنيست في يوليو 2018 “قانون القومية” الذي يكرس إسرائيل كـ”وطن قومي للشعب اليهودي”، وينص على أن “حق تقرير المصير في دولة إسرائيل يقتصر على اليهود وحدهم”. هذا القانون جعل التناقض بين “اليهودية” و”الديمقراطية” أكثر وضوحاً، حيث تم إسقاط كلمة “ديمقراطية” من النص، واكتفي القانون بالإشارة إلى إسرائيل كـ”دولة يهودية”ولقد اتخذت إسرائيل علي اتخاذ التربية أداة لتأصيل وغرس ما ترمي إلي تحقيقه في بناء النشء الذي يحمل طموحات الدولة التوسعية وبشكل مستدام.
التربية على “الديمقراطية الصهيونية” – آليات التنشئة الاجتماعية
تدّعي إسرائيل أن مؤسسات المجتمع المدني لديها تعمل على نشر ثقافة التعليم ضد العنصرية، من منطلق “تعليم من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان”، وذلك بهدف تحقيق “المواطنة الصهيونية الصالحة” كعنصر رئيس في المشروع الصهيوني. وتعمل الدولة على تغذية الثقافة الديمقراطية بإدراجها في المناهج الدراسية والأدب العبري.
ولكن ما هي طبيعة هذه “الديمقراطية” التي تدرّس في المدارس الإسرائيلية؟ وكيف يتم التوفيق بين قيم التسامح والمساواة وبين الأيديولوجيا الصهيونية التي تقوم أساساً على تفوق اليهودي وحقه الحصري في الأرض؟
تكشف الدراسات النقدية للمناهج التعليمية الإسرائيلية أن “التعليم ضد العنصرية” يخضع بالكامل لتوجهات المشروع الصهيوني. فالمشروع الصهيوني يضع خطة عامة موجهة لجميع أفراد الكيان، تتضمن عدة عناصر: كفاح الأقليات ضد الاضطهاد، والاستعمار، والصراعات الطبقية. لكن هذه المفاهيم تُقدَّم بطريقة انتقائية تخدم السردية الصهيونية.
ففي حين يتم تسليط الضوء على معاناة اليهود في الشتات، ومحنة الهولوكوست كمثال على “الاضطهاد” و”العنصرية”، يتم تجاهل معاناة الفلسطينيين تماماً أو تقديمها في سياق “الصراع” وليس في سياق “الاضطهاد”. وبذلك يتحول “التعليم ضد العنصرية” إلى أداة لتعزيز الهوية اليهودية وترسيخ مشروعية الصهيونية، وليس إلى نقد حقيقي للعنصرية بكل أشكالها.
وينظر المشروع الصهيوني إلى التعليم باعتباره ظاهرة ديمقراطية حقيقية ممثلة للمجتمع الصهيوني. ويُقدَّم المشروع الصهيوني كأجندة اجتماعية وتعليمية تتم في سياق تاريخي صهيوني معاصر، يتم تناوله على المستوى المحلي من خلال المدرسة والمجتمع المحلي، اعترافاً بأن هذه العملية مهمة للمجتمع. ولذا يتم إدراج مكون العنصرية في المناهج الدراسية المختلفة مع مراعاة المناخ المدرسي، والتعليم الاجتماعي في إطار التعامل مع ظاهرة العنصرية في المدرسة من خلال الأنشطة التجريبية (المنهج الخفي وغير الخفي)، بالإضافة إلى وجود جانب كبير متعلق بظاهرة معاداة السامية ضد اليهود ضمن المناهج الدراسية.
التربية “الديمقراطية” في السياق الصهيوني
تهدف الديمقراطية الصهيونية – وفقاً لخطابها الرسمي – إلى تنمية قيم الاعتزاز بدولة الكيان، والمشاركة في القوانين والأعراف الديمقراطية كقيم التسامح الصهيوني، واحترام الحريات المدنية المتنوعة لتذليل وإزالة العقبات المعرقلة لبناء دولة إسرائيل. وذلك لصعوبة تعليم المواطنة للطفل في مجتمع تترسخ فيه بذور تقسيم الدولة.
وحسب ما يذكر قادة الصهيونية، يتم ذلك في صورة رسائل يتلقاها الطالب كتعليم مناهض للعنصرية من بداية الطفولة المبكرة حتى المرحلة الثانوية، ويمتد ذلك إلى المجتمع الخارجي حيث تتم التنشئة الاجتماعية بصورة كاملة من خلال المناهج الدراسية، ومؤسسات المجتمع المحلي، والمؤسسات الثقافية كوسائل الإعلام؛ وبذلك تكون البرامج التعليمية أوسع وأشمل فيزيد ذلك من احتمال تأثيرها.
وطبقاً للمشروع الصهيوني فإن البرامج الدراسية تشتمل على العديد من الأيديولوجيات الصهيونية كقيم الديمقراطية، والهيمنة والتمكين، ونشر ثقافة العنصرية بين الأطفال والشباب في إسرائيل، كما يتم تقديم تقييم نقدي مستمر للمناهج الدراسية للتأكد من مدى فاعليتها في تعليم القيم الأيديولوجية المرغوبة؛ مما يستدعي وضع البرامج الدراسية الشاملة والمستمرة.
ويتم نشر قيم الديمقراطية الصهيونية من أجل “مواطنة صهيونية”، تتم في إطار سياسة دولة الكيان التي يعبر عنها المشروع الصهيوني. فقامت وزارة التعليم بوضع تغييرات هيكلية عميقة اعتمدتها سياسة تعليمية شاملة ضد العنصرية في إطار نضال طويل المدى. ولذا تم تنمية قيم الوعي الاجتماعي النقدي كجزء رئيس من هيكل المناهج التي تدعم قيم الهيمنة في المجتمع الصهيوني من خلال بنية اجتماعية ومؤسسية تعبر عنها، وذلك للوصول إلى مرحلة القيمة المضافة التي تثري العملية التعليمية وتقوم بتحقيق أهدافها.
غير أن هذا البناء التربوي يقوم على مفارقة كبرى مؤداها أنه: يعلّم التسامح داخل الجماعة اليهودية، بينما يكرس التمييز ضد من هم خارجها. فالمواطنة التي يبنيها ليست مواطنة مدنية شاملة، بل مواطنة “صهيونية” تعني بالدرجة الأولى الولاء للدولة اليهودية وللقيم الصهيونية. ومن هنا، فإن “التسامح الصهيوني” لا يمتد ليشمل الفلسطينيين، ولا يعترف بحقهم في هوية قومية مستقلة داخل الدولة.
التناقض البنيوي بين اليهودية والديمقراطية
من المبادئ الرئيسة للديمقراطية حماية الأقليات من استبداد الأغلبية، واحترام الاختلاف بين المواطنين، والسماح لجميع أفراد المجتمع بالمحافظة على هويتهم وتراثهم التاريخي وثقافتهم القومية. هذه المبادئ تتعارض بشكل جوهري مع تعريف الدولة كـ”دولة يهودية” تمنح امتيازات خاصة لليهود وحدهم.
حيث إن هناك تناقضاً واضحاً فيما تدعيه إسرائيل حول مبادئ الديمقراطية. فمن أين تنادي بالديمقراطية ، وفي الوقت نفسه تجبر المواطن العربي على التنازل عن حقوقه وهويته القومية وحضارته ولغته وتراثه التاريخي، وإعلان الولاء الكامل لقيم صهيونية تتنافى مع الواقع العربي؟
هذا التناقض ليس مجرد إشكالية نظرية، بل يتجسد في واقع يومي من التمييز المنهجي ضد المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل. فالوجود الفلسطيني يشكل هاجساً للسياسة الإسرائيلية التي تدعي ديمقراطية الدولة أمام المجتمع الدولي، وفي المقابل تعزز سياسة التمييز العنصري ضد الوجود العربي على أرض فلسطين. والآن انكشف المستور، وظهر الوجه القبيح سافرا بكل التحدي لكل العالم.
قانون العودة – جوهر التمييز المؤسسي
يعد “قانون العودة” الذي أقرّه الكنيست الإسرائيلي عام 1950 أحد أبرز مظاهر التمييز المؤسسي في إسرائيل. يمنح هذا القانون أي يهودي في العالم حق الهجرة إلى إسرائيل والحصول على الجنسية الإسرائيلية بمجرد الوصول إليها. في المقابل، يحرم ملايين الفلسطينيين اللاجئين من حق العودة إلى ديارهم التي هُجِّروا منها عام 1948.
لقد حدد هذا القانون الشكل القانوني لإسرائيل كدولة خاصة باليهود، حيث يمكنهم العودة إليها متى شاءوا. ويعد قانون العودة شكلاً صارخاً من أشكال التمييز العنصري، فهو يستهدف إعلان إسرائيل كدولة يهودية، وتحويل مواطني فلسطين إلى مواطنين من درجة ثانية ليس لديهم نفس الحقوق.
وفي هذا السياق، يقول قادة الشاباك (جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي): “إن ما يحدث بين الأقلية العربية يشكل إطاراً استراتيجياً بعيد المدى يهدد الطابع اليهودي للدولة كدولة لليهود”. هذا التصريح يكشف الوجه الحقيقي للديمقراطية الإسرائيلية: فهي ديمقراطية لليهود فقط، وأي نمو ديموغرافي أو سياسي للعرب يُنظر إليه كـ”تهديد وجودي” يجب مواجهته.
قوانين وممارسات عنصرية أخرى
إلى جانب قانون العودة، أصدرت إسرائيل العديد من القوانين التي تحجم الحق العربي في أرض فلسطين، من أبرزها:
قانون أملاك الغائبين (1950( صودر بموجبه آلاف الدونمات من الأراضي الفلسطينية التي يملكها لاجئون، وتم تحويلها إلى ملكية “دولة إسرائيل” أو “الصندوق القومي اليهودي” الذي يمنع بيعها لغير اليهود.
قانون الشراء (السلطة والإنقاذ) (1953( يسمح للحكومة بمصادرة الأراضي لأغراض “تطويرية”، وكانت النتيجة مصادرة آلاف الدونمات من القرى العربية.
قانون التخطيط والبناء (1965) استُخدم لمنع توسع القرى العربية غير المعترف بها، وهدم المنازل “غير المرخصة” في البلدات العربية.
قانون المواطنة والدخول إلى إسرائيل (2003) يمنع لم الشمل بين المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل وأزواجهم من الضفة الغربية أو قطاع غزة، بحجة “أمنية”، رغم أن هذا الحق مكفول للمواطنين اليهود الذين يتزوجون من غير اليهود.
قانون القومية (2018 (وهو ذروة التشريعات التمييزية، حيث يكرس “حق تقرير المصير” لليهود وحدهم، ويخفض مكانة اللغة العربية من لغة رسمية إلى لغة “ذات وضع خاص”، ويشجع على إقامة “مستوطنات يهودية” حصرياً.
التمييز في توزيع الأراضي والموارد
إلى جانب القوانين التمييزية، تمارس إسرائيل سياسات يومية من التمييز في توزيع الأراضي والميزانيات والخدمات. فمعظم الأراضي في إسرائيل (حوالي 93%) تديرها “إدارة أراضي إسرائيل” التي تتبع معايير تمييزية في تخصيص الأراضي للمواطنين. فالأراضي المملوكة لـ”الصندوق القومي اليهودي” (حوالي 13% من الأراضي) لا يمكن بيعها أو تأجيرها لغير اليهود بموجب قوانين الصندوق.
كما أن الميزانيات المخصصة للبلدات العربية أقل بكثير من تلك المخصصة للبلدات اليهودية؛ مما يؤدي إلى فجوات كبيرة في البنية التحتية، والتعليم، والصحة. ففي حين تخصص الحكومة ميزانيات سخية لتطوير المستوطنات في الضفة الغربية، تهمل البلدات العربية داخل الخط الأخضر، وتعاني من نقص حاد في الصفوف المدرسية، والمرافق الصحية ، والطرق.
الديمقراطية الصهيونية أداة لخداع الرأي العام
يرى المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري أن “الديمقراطية الصهيونية” ليست سوى نظام عنصري قائم على التفرقة والتمييز بين السكان. فهذا النظام يقوم على سيطرة نخبة معينة على عملية صنع القرار، كخاصية مميزة للنظم الاستيطانية التي استخدمت الديمقراطية الشكلية كأداة مهمة لإغراء اليهود من جميع أنحاء العالم لاستيطان أرض فلسطين، ولخداع الرأي العام العالمي لكسب شرعية دولية.
فالديمقراطية التي تروج لها إسرائيل هي ديمقراطية شكلية داخل الجماعة اليهودية فقط. فهناك تعددية أحزاب وصحافة حرة نسبياً واستقلال قضائي – لكن كل هذا يقتصر على الشؤون الداخلية للمجتمع اليهودي. أما عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين، سواء داخل إسرائيل أم في الأراضي المحتلة، فإن هذه الديمقراطية تختفي ليحل محلها نظام من القوانين الاستثنائية والأوامر العسكرية والسياسات التمييزية.
الديمقراطية بين الإدعاء والممارسة
يتبين من استعراض القوانين والممارسات الإسرائيلية أن هناك فجوة هائلة بين الإدعاء بالديمقراطية والممارسة الفعلية على الأرض. ففي الوقت الذي تقدم فيه إسرائيل نفسها للعالم كـ”الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، تمارس سياسات عنصرية صريحة ضد مواطنيها الفلسطينيين.
هذه الفجوة تكشف أن “الديمقراطية الصهيونية” ليست أكثر من خطاب دعائي يستهدف تحسين صورة إسرائيل في الخارج، وكسب تأييد الرأي العام الغربي. فالديمقراطية الحقيقية تقوم على المواطنة المتساوية لجميع أفراد المجتمع، بغض النظر عن انتمائهم القومي أو الديني. أما في إسرائيل، فالمواطنة مشروطة بالانتماء اليهودي، أو على الأقل بالولاء للدولة اليهودية وقيمها الصهيونية.
اتجاهات التطور – تعزيز الهوية اليهودية على حساب الديمقراطية
يتضح من التطورات الأخيرة في إسرائيل اتجاه متزايد نحو تعزيز الهوية اليهودية للدولة على حساب مبادئ الديمقراطية والمساواة. فإقرار “قانون القومية” عام 2018 لم يكن حدثاً منفرداً، بل تتويجاً لمسيرة طويلة من التشريعات والسياسات التي تهدف إلى تثبيت “الطابع اليهودي” للدولة.
هذا الاتجاه يعكس تحولاً في طبيعة الصراع داخل المجتمع الإسرائيلي. فبعد عقود من الصراع مع الفلسطينيين خارجياً، بدأت إسرائيل تواجه تحدياً داخلياً يتمثل في تزايد وعي المواطنين الفلسطينيين بحقوقهم، وازدياد مطالبهم بالمساواة. في مواجهة هذا التحدي، تختار النخبة الحاكمة تعزيز الطابع اليهودي على حساب الديمقراطية، معتبرة أن أي تنازل لصالح المساواة مع الفلسطينيين يهدد “الهوية اليهودية” للدولة.
وهكذا يتجه المشروع الصهيوني إلى تعزيز قيم الانتماء لدى أجيالها في إطار تشكيل هويتهم ومسؤوليتهم تجاه ثقافتهم وشعبهم، عن طريق تنمية القيم الصهيونية المتجسدة في المصادر الدينية اليهودية كالتوراة والتلمود، لإكسابهم واقعاً اجتماعياً يربط الماضي بالحاضر، ويعزز الالتزام بالقيم الديمقراطية الصهيونية كجزء من الهوية في سبيل إيجاد لغة مشتركة وقاعدة قوية للحوار بين النظام التعليمي والمجتمع الصهيوني ككل.
وعليه ؛ لقد حاولت في هذا المقال تفكيك الخطاب الديمقراطي الإسرائيلي من خلال قراءة نقدية في تطوره التاريخي وآلياته التربوية وتجلياته القانونية. وخلصت إلى أن التناقض بين “اليهودية” و”الديمقراطية” في إسرائيل ليس تناقضاً عارضاً يمكن التوفيق بينه، بل هو تناقض بنيوي متأصل في المشروع الصهيوني نفسه. فالدولة التي تقوم على مصادرة أرض شعب آخر، وتهجيره من وطنه، والتمييز ضده داخل حدوده ، لا يمكنها أن تكون ديمقراطية. الديمقراطية الحقيقية لا تقوم على أرض محتلة، ولا تزدهر في ظل نظام عنصري، ولا تتنفس في دولة تعلن أن حقوق مواطنيها ليست متساوية .
وتبقى المقاومة الحقيقية لهذا المشروع التمييزي تكمن في كشف زيف خطابه، وتفكيك أسطورته، وفضح تناقضاته أمام الرأي العام العالمي. فالعالم اليوم لم يعد يقبل بازدواجية المعايير التي طالما تمتعت بها إسرائيل، ولم يعد ينخدع بشعارات “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” التي ترفعها دولة تمارس أبشع أشكال التمييز العنصري والتطهير العرقي. إن النضال من أجل فلسطين حرة ديمقراطية، يعيش فيها الجميع متساوين في الحقوق والواجبات، هو النضال من أجل القيم الإنسانية الحقيقية التي تزيفها الصهيونية وتدّعي احتكارها.
الخلاصة ؛ الديمقراطية الصهيونية – قناع العنصرية
من خلال تحليل الخطاب الديمقراطي الإسرائيلي ومقارنته بالممارسات الفعلية، يتضح أن “الديمقراطية الصهيونية” ليست أكثر من قناع أيديولوجي يخفي وجهاً عنصرياً استيطانياً. فالدولة التي تعرف نفسها كـ”دولة الشعب اليهودي” لا يمكن أن تكون ديمقراطية تجاه غير اليهود؛ لأن جوهر الديمقراطية يقوم على المساواة بين المواطنين بغض النظر عن انتمائهم القومي أو الديني.
إن إصرار إسرائيل على هويتها اليهودية أولاً وقبل كل شيء يجعل من المستحيل تحقيق ديمقراطية حقيقية لجميع مواطنيها. فالدولة اليهودية، بحكم تعريفها، تمنح امتيازات خاصة لليهود، وتهمش المواطنين غير اليهود. وهذا ليس مجرد خلل يمكن إصلاحه، بل هو جزء من البنية الأساسية للدولة.
لذلك؛ فإن التناقض بين “اليهودية” و”الديمقراطية” في إسرائيل ليس تناقضاً عارضاً يمكن التوفيق بينه، بل هو تناقض بنيوي متأصل. وكل المحاولات لتقديم إسرائيل كـ”دولة يهودية ديمقراطية” لا تعدو كونها محاولات دعائية تهدف إلى تحسين صورتها أمام المجتمع الدولي، وإخفاء حقيقة نظامها العنصري عن الرأي العام العالمي.
المراجع والمصادر
المسيري، عبد الوهاب محمد . (2001) . الصهيونية والعنف – من بداية الاستيطان إلى انتفاضة الأقصى . القاهرة: دار الشروق.
منصور ، جوني . (2007) . فرض أجندة استعمارية علي فلسطين . مجلة قضايا فلسطينية , رام الله . 28 . 119- 137.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. (2014).” المغيبون”: قراءة نقدية لكتب المناهج الإسرائيلية في المدارس العربية الثانوية – كتب التاريخ: ذاكرة مغيبة ومعرفة مقولبة ، مشروع المناهج والهوية ، مؤسسة التعاون ، جمعية الثقافة العربية ، حيفا .
موسي , عاشور . (2014) . الاستيطان في ضوء القانون الدولي – حالة المستوطنات الاسرائيلية في فلسطين نموذجا . القاهرة : دار الكتاب الحديث .
وزارة التربية والتعليم العالي / رام الله / فلسطين – الإدارة العامة للقياس والتقويم والامتحانات.
5- פרנסס ،דראי. (2008) .חוקיותה של תכנית הליב הבישראל.ישראל: מרכז למשפט בינלאומי לחקר ישראל.
فرانسيس ، درأي .(2008). مشروعية المناهج الدراسية الأساسية في إسرائيل .إسرائيل : مركز أبحاث القانون الدولي بإسرائيل.
6- פרנקל ,רחל (2014). ספרות ילדים מלמדת שפה אחרת. ישראל : עִיוּנִים.
فرانكل ، راحيل (2014) . أدب الأطفال يعلم لغة مختلفة . إسرائيل: دارعيونيم.
-7קיזל ,אריה .(2014).מחקר ספרי לימוד ככלי בידי מקבלי החלטות בתחום מדיניות החינוך .ישראלי :מכון מופ”ת .
كيزل , أريا .(2014) . المناهج الدراسية كأداة لصناع القرار . إسرائيل : معهد موفيت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى