شيء يفوق الحب

أ. د. محمد سعيد حسب النبي | أكاديمي مصري
احتلت الإعاقة البصرية مكانة محورية في حياة طه حسين وكتاباته، وخاصة في سيرته الذاتية، ويبدو أن الحرمان من البصر لم يكن ما يؤلمه، ولاسيما أن إعاقته بدأت في طفولته المبكرة، وإنما الذي يؤلمه حقاً ذلك الشعور بالدونية الذي لمسه في نظرات الآخرين وتعاملهم؛ الأمر الذي ألجأه إلى تبني المقولة المؤلمة لأبي العلاء المعري: “العمى عورة”.
ويبدو أن ذلك الشعور قد لازم طه حسين حتى التقى “سوزان”، والتي اعتبرها الملاك الذي حنى عليه؛ فبدله من البؤس نعيماً، ومن اليأس أملاً، ومن الفقر غنى، ومن الشقاء سعادة وصفواً. إنها ملهمته في هذه الحياة، بغيابها يغيب قلبه وعقله، بل ويغيب بصره.
ولقد أشار إليها طه حسين في كتابه “الأيام” بالفتاة ذات الصوت العذب، وذلك قبل أن تصير صديقته وخيار قلبه وزوجته. قال لها يوماً: “إننا لا نحيا لنكون سعداء”، فإن شأن طه حسين شأن المرء الذي حرمته الحياة من السعادة، فهو يحيا فقط لأداء ما يطلب منه، ولكن سوزان غيرت كل ذلك، فأعادت صياغة تركيبته النفسية، إذ ربطت بينهما قصة حب مؤثرة بين شخصين مختلفين كثيراً ومتحدين كثيراً. لقد كان بينهما شيء يفوق الحب، شيء يستعصي على الفهم، ويؤكد أن لدى الإنسان جوانب لا يعرفها على الإطلاق، وستبقى دوماً بعض مشاعرنا مستعصية على الإدراك.
آمن طه حسين بفكر أفلاطون الذي يرى أن المحبين لا يفعلون شيئاً سوى إعادة صنع ما أفسده عارض ما، فعندما تنفصل نفسان، تبحث كل منهما عن الأخرى، وإذا التقيا فإنهما لا يعودان كائنين وإنما كيان واحد. لقد ألهمت سوزان طه حسين نفساً شاعرية، تجاور نفسه العادية، الأخيرة للعالم، والأولى لها.
وكانت سوزان تنظر إليه بكثير من الإعجاب والإكبار؛ فكيف لمن يشكو كف البصر وقلة الاستعداد في الثقافة الغربية أن يحصل في أقل من أربع سنوات على إجازة الدراسات العليا وينجز الدكتوراه؟ إنها الدهشة من نجاح من ابتلي بإعاقة بصرية في مجال لم يكن متوقعاً فيه نجاحه.
وتشير سوزان في مذكراتها عن طه حسين، أن حياتها بصحبته كانت ثرية وخصبة؛ فقد كانت تشعر بقوة لا توصف، وبكمال النعمة وقد أُغدقت عليها، كما لم تخفِ ثناء على جلال قوته الروحية الداخلية.
ولعل المرء يحتاج إلى تجربة مرافقة شخص من أصحاب الهمم كي يعرف حجم القوة التي يستمدها هؤلاء من معركتهم من أجل حياة كريمة، وكي يفهم إلى أي حد كانت كلمات سوزان صادقة ومعبرة. إنها شهادة ثمينة من شخصية فذة لروح إنسانية فريدة.




