أدب

قراءة في ديوان “مياه في الأصابع ” للشاعر أحمد الشهاوي

تماثلية المعني، جدلية الفعل واللغة في تجليات المبنى

بقلم: عمارة إبراهيم | شاعر وناقد مصري
العالم الشعري عند أحمد الشهاوي تأسس منذ بداياته، على قاموسه الخاص، وقد أدى أغراضه الشعرية، بتميز لافت، فقد يشعرك من استخداماته، لهذا القاموس الذي يمنح للشعر عرابته، بتميز لغة الكتابة عنده بصوفية العمل، لا منطوقية الدلالة، بحسب أحواله العامة، حيث يمنح الصوفيون المتلقي لشعرهم في المبنى والمعنى، معايشة خاصة، في تفاصيل منتجهم، بسبب قربه من قلوب مريديه وعشاقه؛ فالقاموس الصوفي رغم ضيق مساحات ألفاظه عند أهل المتصوفة، وكل من سبق أحمد الشهاوي؛ لا يمثل غير بنية أحوال الصوفية، إلا ما رحم ربي، عند القليل من الشعراء. وقد أجاد بنيته جلال الدين الرومي، ابن الفارض،والحلاج، والسهروردي وغيرهم من شعراء التصوف.

وعلى الرغم من الحضور الواسع لأدب التصوف، وقد قدم هويته الأدبية عبر أزمنته، ولا يزال يلقي حضوره، سواء في بنيته القديمة أو من خلال تحديث بنيته الشعرية والأدبية في الأدب الحديث، إلا أنه بقي علي هذا الحضور، من دون تطلع شعراء هذا القاموس المتصوفة إلى العمل المتطور، في بنية شعرية أخرى، قد تختلف في التشكيل أو في بنية الأحوال، التي لا تتكئ على نمطية الفعل الصوفي، وقد سبق وأصبح يمثل التراث الباقى، في صوته وفي بنية عمله وقاموسه.
فهو يعمل من دون بنية شعرية متطورة، تستكمل تقليدية فعله ولغته، حتى جاء الشاعر الوجداني أحمد الشهاوي، ليقدم لنا قاموسه الصوفي المجرد من سابق الأحوال التي بني عليها صوت شعر المتصوفة.
جاء يقدم قاموسه بصيغة وجدانية، تتفاعل مع بنية أحوال واقعه المستحدث من جراء أعمال بيئة أخرى، غير التي سبقت، تتأثر من علمية وثقافة وذائقة تطورها، بتعدد مشاهد أحوالها الاجتماعية وأخرى سياسية، تأثرت منها المجتمعات العربية.
تتكون منها بنيته الشعرية التي يستخدم في كثيرها القاموس الصوفي، بتوظيفات مغايرة، تمثل مستجد الحداثة التي اعتمدت عليها تجربته الشعرية في عمومها، وأدوات بنية شعرية جديدة، حطت في ماعون يختلف عن ما سبقه.

         خرج فيها عن مجازية اللغة الصوفية التي نعرفها، ليحقق العنوان اللافت في بنيته الوجدانية، بعدما تحققت من بنية أحوال، تبنـّت ثقافته وموهبته وشعريته، وهي تمثل بيئته وزمنه وثقافته وأحواله الخاصة والعامة عبر توظيفاتها؛ فهي اللغة المغايرة جدا، يمثل قاموسها الصوفي خصوصيته في عالمه الشعري الذي يعبر عنه بتجرد كامل عن بنيته القديمة.
كما يقدم بنية شعرية مختلفة عن بقية الشعراء عبر قصيدتنا العربية الجديدة، وهي تمثل الطلوع الجديد عبر الشكل والأحوال وقاموس الكتابة لديه.
فقاموس الشهاوي لا يمثل بنية أحوال منسوخة، ولا حتى تمثل الصوفية، ولا يمثل مجازها الذي رسم منطوقا شعريا اختلف الشهاوي عنه جملة وتفصيلا.
فلم يكن الشهاوي عبر تجربته المجذوب المغيب من ترانيم الحضور اللفظي في بنية أحوال الصوفيين، ولم يبن جسوراً خيالية، أو حتى حقيقية، تمثل لغة المجذوبين المغيبين في لحظات سكرهم المؤقت، حتي تعود إليهم صحوتهم؛ فاللغة عند الشهاوي رغم صوفيتها، إلا أنها تمنحك حداثية المعني وليس مجازية الخطاب.
تقربك من مدلول البنية ولا تغيبك في تكرار أصوات الإيقاع، تمنحك بريق اللفظ عبر سياق أحواله، من دون تكراريته المجازية في بنية عملها الوجداني، الذي لم يفارق الواقِعَين؛ واقع الحقيقة واليقين، والآخر واقع الحياة وبنية أحوال البشر فيها، بتعدد وتنوع ثقافاتها، ورصد كل ما يعزز ويبني حقيقية اليقين وكذبة الحضور المؤقت عند البشر.
الشهاوي يقدم عبر شعريته المغايرة بنية أحواله الخاصة وعلاقة ذاته بالآخر، وعلاقة الآخر بمدلول فعله المشترك في تقاسمية المعنى، الذي يمنحك الحضور بمثل ما يمنحك الغياب.
لكن تبقى لعوالمه صدق المشترك، الذي يقع بين سطور وجدانية الأحوال وبين القاموس الصوفي الذي تبنّى جدلية الفعل وفوارق حدوثه عبر زمنية الوقت، الذي يمثل الحدث ومدلول بنيته المتحركة، وفق حركية أفعال مشحون الدفقة الشعرية، التي أنتجتها معايشة الشاعر، وربطها الفاعل مع الألفاظ التي امتلكت قدرة إنتاج الدال ومدلوله، في استنطاق بنية أحواله في كلية عمله داخل كل نص شعري.
يتبني الشاعر في تجربته المتسعة وهي تحتوي فواصل رصد حضوره الإنساني في بنيتها العامة، وتعدد وتنوع ثنائية الواقع فيها، من حيث ربط عوالمه الشعرية بين اللغة وفعلها المحرك.
هذه اللغة تحيلك بمعاييرها الشعرية التي تخصه وحده، بأدوات جديدة، يستخدمها لاستنطاق الدال والمدلول عبر بنية أحواله.
تقودها حركية أفعال هذا المشحون عبر دفقة ولادته، التي لا نظم ذهني فيها، ولا يمثل حضور بنية تجربته.
تقودها تفاعلية ذاته ومعايشتها مع مشحونه الشعري الذي يمثل فكرة العمل بعدما اختمرت في ماعون وجدانه، تقودها حركية أفعال أحواله وهي تعزز مسارها في المعنى وفي المبنى.
ترتب هذه البنية موهبته وثقافته، حيث تقيم فيه عبر ملامحها وهي تغطي حدود الأرض، كما تستدعيها قيم الإنسان بذائقته وأثرها النفسي عليها؛ فمثل ثنائية الموت والحياة، نجد عنده في كتاباته الشاعرة، ثنائية العلاقات؛ بين الرجل والمرأة، ثنائية العشق بين المحب ومحبوبته، ثنائية الأحوال التي اعتنقها بينه وبين ذاته، ثنائية الخير والشر، ثنائية الحياة والموت، ثنائية البحر والنهر؛
فتتعدد أحاديث الذات الخاصة، وتداعيات حضورها مع أعمال هذه الثنائيات، لتقدم جدلية المعنى في بنية أحوال القصيدة، وفي تنوع مادتها، وتشكيلاتها التي تجمع توزيعات بنيتها، من الألفاظ والإيقاع والصور وحداثية المجاز، وواقعية الفعل في تقريره الحالي، والسابق واللاحق، كما في خطابية عمله الشعري الذي يتحقق، ليمثل بيئة وحضور وثقافة النص الشعري في زمنه ومكانه.
ولا يبرح ثنائيات هذه البني عبر اتساع التجارب الشعرية وتنوع مادتها، غير الذي لا يخضع لذهنية العمل في المبني وفي المعنى.
كما أن تفاعلية ثنائيات اللغة وأفعالها مع الذات الخاصة، هي من تدير عوالم التجربة عبر توزيعات وتنوع هذه الثنائيات في بنيتها الشعرية، ولا تتفاعل مع ما لا يمثل عضويتها النسبية أو تنوع مدارك علاقاتها بالذات الخاصة، وهي تمتلك في مشحونها الشاعر إيقاع أحوالها المرتبط بتفاعليته مع إيقاع تفعيلات البحر العروضي، أو الإيقاعات التي تمثل حركية الأفعال التي تنتج إيقاعاتها الحرة، مع ثقافة التناص المؤسس لوحدة الموضوع في بنية الأعمال ومدلولها، لتربط حضورها بتواصله مع تراثه الممتد من بدايات تدوينه وحتي مؤسسيات حداثة عمله، ووجوده المتنوع عبر المشهد العربي، بما يمثل من تطور بنيته وتراكيبه، ويبني على قديمه، ويؤسس لحديثه.
ورغم أن الكثير من قصائده، تنتنمي إلى وحدة التراكيب المبنية وفق منهجية ركائزه النفسية، وهي تغوص بعمقها وفلسفة واقعيتها، بما تشمل من تخلخل سياسات الحياة فيها، وما يمثل من الرسمي والخاص.
وهذا يؤكد الأثر الذي تبنته قصيدته من بنية الشعر السبعيني، وهو يتميز بغموض البنية الشعرية، بمثل غموض الواقع السياسي الذي تسبب في تأسيسها، وكان له الأثر الفاعل، في تفعيل هذا المصطلح داخل بنية شعرية السبعينيين، وأيضا في شعريته، وقد وحد بين غموض الواقع المتعايش وبين غموض المبنى الراصد له؛ فيضيف لبنية أحوال القصيدة بعدا جماليا آخر، يستطيع منه المتلقي أن يمنح لنفسه بناء آخر، لمعنى آخر، في إنتاج نص من النص نفسه، عبر تأويلات تساهم في مشاركات التأسيس الجمالي الذي تفوق عبر هذه الخاصية، التي تحققت في معظم كتابات الشهاوي، ولم تمثل نشازا جماليا، بل أوجدت ملامحَ أخرى في جماليات الكتابة عنده.
والشهاوي قدم نفسه للقصيدة العربية منذ صغره؛ فهو المفتون ببعض الشعراء العرب وبعض الآخرين المؤثرين في القصيدة العالمية، غير أنه لم يتأثر من شاعر بل كان الأثر الفاعل في قصيدته، من تعدد ثقافات الشعر العربي والعالمي.
وكان يبسط فضاءات حضوره، وولوجه المختلف عن شعراء جيله ومن سبقه، في بنية تجربته الشعرية الخاصة، ليمثل تجربة تختلف في قاموسها وفي بنيتها وفي أحوالها، وهي التي لم تتحرر من قبل في كتابات أخرى سبقته ؛ بتعدد وتنوع قاموسها الذي يجمع بين الصوفي وبين الوجداني؛ فيتشكل بلغة صوفية، تنسجم مع لغة أفعالها وبنية أحوالها الخاصة والعامة وارتباطهما بالذات؛ فهي لا تمنحك حياة الصوفيين ولا سيرة أفعالهم، بل تدخل في بنيتها الخاصة، وتغوص في عوالمها التي استنطقتها لغة أحوال بيئة المكان والزمان التي تخصها، وكأنها تمثل عالمه الخاص غير الصوفي، تعززها دفقة أحوال مشحونات وتعزيزات حركية الأفعال التي تسيطر على القاموس الصوفي ولا تمثل بنية أحوالهم.
كما تقودها وجدانية الشعر الذي يحلق من فضاءات شعوره وإحساسه مع المتعايش الطارئ للقضايا التي تبنتها أحواله.
فلا رابط بينها وبين أدواتها المستخدمة، غير وجدانية العمل الذي يختلف عن الهيام الصوفي الذي نعرفه عند الصوفيين، وقد قرأنا الكثير عنه، لتمثل قصيدته وجدانية مشحون بنية أحواله، في مجمل عمله الشعري، من خلال تراكيب بنيته الخاصة؛ فلا هي صوفية بمعناها الدارج ولا هي رافد من روافد تجلياتها، بل هي بنية المعنى في تجليات المبنى.
ومن الجدير بالذكر فإن تجربة الشاعر تمثل في عضوية بنيتها الكلية أو قل في معظمها، الذات الخاصة في خصوصية أحوالها، أو الذات التي تمثل صفة القائد لجيوش عوالمها الشعرية عبر مراحل كتابتها.
فالذات تمثل قيادة حركية أفعال مشحون دفقته الوجدانية، تستدعي قاموسها الذي يتناسب مع كل حالة تجمعه، بكل تناص ثقافاتها المستدعاة، من بنية وفاعلية تنسجم مع أحوالها، كما تمثل مواجهة الذات في حضورها مع كل التفاعلات التي استنطقتها جمعية المكونات الشعرية التي لازمتها عبر مشحونها الشعري، وهي تلتفح برايات القضايا الخاصة والعامة في بنيتها القائدة، يلازمها تعدد الاصوات، بتعدد إيقاعاتها، وتعدد ثقافاتها في تناصها المتفاعل مع الصور الشعرية ومع بقية مكونات جماليات النص.
يقول في قصيدة حديث الجناز من ديوان “مياه في الاصابع” صدر عن مكتبة الاسرة عام 2002 صـ181 (01).
النهر يخلق بحره
الطير تمشي
قمر القرى ـ في الصبح ـ يبكي
الأرض تسال
طفل تكلم في الحشا
الله يحرس قلبه
كل الدنى طارت وحطت في سماء ضيائه
خرج الفتى من نعشه
باض الحمام على فمه
والله زلزل عرشه.
رسم الشاعر هنا صورة شعرية غير مألوفة؛ فكيف للنهر أن يخلق بحره، وكيف تمنحك هذه الجملة الشعرية عبر نسق بنيتها الإيقاع الذي ينثر موسيقاه، عبر الكلمة وضدية منتجها الدلالي، فالنهر بمائه العذب والبحر بمائه المالح، يتفاعلان ويخلق النهر من ضلعه الأملس الناعم وبمائه العذب، بحره المالح، بجسده الواسع وهدير أمواجه وتلاطمها، في مشاهد يتعدد منها النذر بالخوف من هول المنظر ورهبة الحضور.
والشاعر لا يقف عند هذا التخيل الشعري الممتع الممتنع؛ فيجعل الجملة الشعرية التي تليها، مغايرة في المعنى الذي يحيلك إلى داله، حتى تستنتج منه مدلوله، فيقول:
الطير تمشي.
يا لها من مفارقة عجيبة؛ فالطير التي تجعل من فضاءاتها شعرية التحليق فوق أجواء الحياة المتحركة، لا تطير، بل هي تمشي، وكأن النوارس التي تجعل من بيئة البحر حياة لها، ويستخدمها الكثير من الشعراء في قصائدهم الشعرية، تحلق فوق سماوات مدلولاتها، وتحقق لها من هذه البيئة الشاطئية أبعادا جمالية تتفوق، وكان لها المساحة العريضة في بنية الشعر عبر أشكاله وتعدد استخداماته لها.
حيث تمشي وفق منهجية البنية الشعرية التي استفادت من مدلول واقعها كعنصر من عناصر بنية البحر.
ليرسمها الشاعر هنا بصيغة جمالية غير معتادة؛ فيجعل الطير تمشي، والحمام يبيض على فمه، ليمثل حالة السكون المهيب الذي يمثل جنائزية المعنى، ويحقق منها معادلة التفاعلية بين النهر الذي يخلق البحر والطير عنده تمشي، والحمام الذي باض على فمه، ثم يختتم بها عبقرية المشهد.
يستمر الشاعر في إنتاج البنية الشعرية التي يجبرك فيها على معايشة لحظتها، وكأنك تراقب هذا الحدث بعينيك؛ حتى يزيحنا عن هذه البنية الشعرية المهيبة وينقلنا إلى أخرى، ويفاجئنا بدهشة أخرى، بقوله:
قمر القرى في الصبح يبكي
الأرض تسأل
طفل تكلم في الحشا
الله يحرسه
وقبل هذه الجمل الشعرية، يترك للقارئ مساحات بيضاء في سطرين فاصلين، ليمنح قارءه حرية التفاعل بينهما، باستكمال ما يتأول وما يستطيع أن يضيفه، لكل قارئ من معايشته لهذه المشاهد الشعرية البديعة، كي يشاركه تفاصيل ومعايشة بنية الأحوال، ليربط بين عوالم أحوال القصيدة من واقعية الأفعال التي يرصدها، وبين خيال بنيته الشاعرة، عبر توغل حركية الأفعال في واقعها وخيالها؛ فيبرز الدال الذي يريد له الحضور الرابط مع مؤسسيات عوالم القصيدة، التي تؤكد أن الأرض ليست هي الأرض ولا البحار أصبحت تمثل بنية خلقها ولا الأنهار تجري فيها المياه بطبيعة وجودة عذوبتها، والطفل يخرج من أحشاء أمه وهو يبكي.
ثم يربط الشاعر بين الطفل الذي خرج من الحشا وبين الفتى الذي خرج من نعشه، وكأنه يماثل بين كلام عيسى المسيح وهو في المهد، وبين طفولته التي يتحقق من شعريتها الآن فعل ولغة رمزية الوحي الذي يمنحه فيض التنبئ بما يمنحه من فيض للقصيدة، قد يضر الإنسان بسبب أفعاله التي سيجعل الله منها الزلزلة القادمة.
يقول مستكملا:
دخل الفتى بحرا ودثر بالثرى
وتكاثرت سور الوداع
صعد الفتى لضريحه
والورد أشعل ناره
الشمس ألقت عبئها فوق الكفن
وملائك في القلب ظلت ساكنة.
يبدو أن نشأة الشاعر في بيئة البحر قد منحته الكثير من الأثر النفسي والحياتي، وقد تعايش وأصبح منه المكون الشخصي، من أثر هذه الحياة القريبة من البحر، وقد أوجدت الأثر الفاعل في تجربة الشاعر وحضوره الشعري؛ فالبحر لا يخلو من بنية أحواله داخل المجموعة الشعرية التي بين أيدينا، والبحر هنا يمثل البطل الرئيس في دائرة حركية الأفعال داخل النص، من بدايته حتى نهايته، وفي معظم قصائد هذه المحموعة الشعرية المهمة.
كما أنه يمثل له الأثر الفاعل الذي استحضر قوته وصخبه في بنيته النفسية، التي منحت النص هذا الحضور اللافت؛ فمره يعرفه ومرة ينكره، وأخرى يسترسل قوته المؤثرة داخل منتج تأويلات أحوال نصوص المجموعة.
لكن الشاعر في هذا النص ربط أحوال نشأته الصاعدة بآلامها اللافتة والمسيطرة على بنية النص ومدى علاقة هذه الأحوال بالبحر، الذي حوله في بنيته القائدة إلى وهن يشبه وهن الفتى.
حيث يقول:
دخل الفتي بحرا ودثر بالثرى
وتكاثرت سور الوداع
صعد الفتى لضريحه
والورد أشعل ناره.
وهنا أرى أن مفردة الورد الذي أشعل ناره؛ لم يقدم فيها الشاعر أغراضه الشعرية بحسب مدلول البحر، ومدى الربط بينهما، وأن الشاعر لم يحقق لنا مدلول النار في هذه البنية الغريبة، وأثر نتائج هذا الاشتعال، الذي ورد نصا في السطر الشعري، ولم أجد من تأويل المعني غير أن الورد الذي صاحب جثمان الفتى المدثر بالثرى، قد اشتعل من قوة ورهبة لحظة المشهد، الذي اعتمد على منطقية التجسيد الرؤيوي على حساب منطق التأويل الدلالي داخل النص.
خاصة عندما تأتي بعد الجملة مباشرة مفردة الشمس وهي تلقي عبئها على الكفن، ثم ما بعدها؛ والملائك في القلب ظلت ساكنة، مع أن مدلول الشمس يمثل طهارة وقوة الدافع التأويلي، الذي يمنح بنية السطر أو القصيدة في مجملها، رواتب الطهارة من سابق فعل البحر المتجرد، من تأويلات المعني في معناه اللفظي المباشر.
كما أن الإشارة التأويلية التي برزت من استنطاق الدال عبر أحواله، ترسخ لقيم الفعل الذي ربط بين الفتى وبين ” بحر” وهو غير المعرف داخل السطر، بمدى الإنهاك النفسي الذي تبنته أحوال النص في ربطها بين الفتى والبحر الذي كان له الأثر القوي في المشحون النفسي وأثره داخل النص.
ليختتم النص بهذا المقطع البديع:
الكون ذاب
والوقت أقصر من ندى شجر الذهاب
لكنها سكنت
ولم تصعد اليه.
نستطيع القول أن المشحون النفسي اللحظي، الذي كان له الأثر الكبير فى اختيار أدوات الكتابة، وقيادة حركية الأفعال داخل النص هنا، وقد منح الدفقة لغتها الخاصة من أثر هذا المشحون النفسي، في توغل الأثر الأهم وهو ارتباط الشاعر منذ صباه بحضور البحر وأثر هذا الحضور، ليمثل بنية هذا المشحون النفسي صاحب الأثر داخل بنية النص، من واقع استدعاءاته للضرورات الأخرى، التي احتاجت لها بنية أحوال النص، من مفردات الشمس، الضريح، الثرى، الوداع، الكفن، النعش… إلخ هذه المفردات التي تماثلت مع أفعال بنيتها، مع دلالة مفردة البحر، وتحققت من ذلك النتائج التي خططت لها بنية الأحوال والأثر النفسي الذي قادتها داخل دفقة المشحون الوجداني في القصيدة.
في قصيدة حديث الانتظار صـ135(2 0)؛
تتماثل اللغة مع بنية الأحوال، وتفرغ منطوقها وكأنه يمثل جنائزية الحياة التي يعيشها الشاعر داخل معظم قصائده، وداخل النص هنا تحديدا؛ وربما كان هذا التماثل يمنح المبنى العام في النص هيبة خاصة؛ فعندما تتفاعل اللغة مع أدوات ومكونات بنيتها العامة، لتعمل بضفيرة الإيقاع الذي يربطها مع هذه المكونات الأخرى،تبرز المعالم التي تبنتها أحوال الكتابة؛ فينسجم الإيقاع مع الألفاظ، مع بقية أدوات عمل القصيدة، ليحقق تناغمية البنية في توزيعاتها وتناسق عملها الوجداني، لتنتج إيقاع جنائزية المعنى.
كما يتحقق لها أنتاجها المشترك، في توزيع إيقاع الألفاظ، مع إيقاع بنية الأحوال، مع أثر إيقاع المشحون النفسي الذي أرخى على النص جنائزية المعنى، لتتفاعل كل هذه البنية في مكون واحد، يتحقق منه النتائج الجمالية التي ضفرتها البنية العامة في تفاعلية، تعزز قيمة هذه الكتابة وتفرد جودتها.
يقول الشاعر:
متى …؟
أيها الزمن
سأظل أنتظر
إبر المحبة قوضت جسدي
الدهر يعرف غربتي
والوقت يدخلني إلى محرابه
جل الذي سوى
دنياي لم تبدأ
ونهايتي حلت لتبدأ قربها
دثر خطاي
وزمل موتي الأول
وَحْيٌ علي
ربما ينزل.

فالسؤال هنا لا يمثل صيغته التقليدية، ولا يريد منه أن يمنحك مسار رؤيته الشعرية وفق مرسومها، بل كان جزءا مهما في بنية الشحنة النفسية التي أرخت لجامها، ومنحت الشاعر تحقيق أثر وتفاعلية حالة الشاعر المزاجية.
فهي التي دفعته إلى استنهاض كل أدوات النص من ترتيب جنائزية المعني ، في تقابلية الأجوبة وتعدد حضورها ومسارها، للتتوغل في بنية النص الكلية وترخي لجامها للقارئ أو المتلقي، ليعيش لحظة التلقي بمنفس معايشة الشاعر وقت بناء مشحونه الشعري عبر وجدانه، الذي كان له قوة التمركز حول ما وصلت إليه أحوال الشحنة الشعرية المصاحبة بألمها النفسي الواضح في بنية السؤال الأثر.
ثم تأتي مخاطبة الشاعر للزمن، بسؤاله، الذي يمنحك الدلالة الواسعة، وهي ترفع من درجات تأهب نفسية الشاعر، نحو استقبال التلقي والأثر النفسي المصاحب، وأنت من هذا السؤال تراها، هي من تقود اللغة، وهي من تحرك بنية أفعال اللغة، وهي التي ترسم وتقيض عمل الوقت في لحظته الراهنة التي تمثله؛ فيحيلك السؤال إلي بنية الأجوبة التي تناسب أحوالك أنت وهي تتماثل مع التي هي أحواله.
وإلى الاتكاء على ارتهان فعل الزمن مع فعل لحظته، وقت منح الدفقة الشعرية هذه، خطط مشحونها نحو مسارها الذي يتجسد في بنيته وفي بنية أحواله، ليتجسد إنسانا تراه بقلبك وتتعايش مع لحظته هذه، والزمن الذي كان شاهدا على لحظات الانتظار بين ألم وخز أبر المحبة وبين جسده وروحه في محبته للحياة ولطلوعه.
وقت أن يمنح الوحي احتياجاته في استقبال الأجوبة، للأسئلة التي تبني دوامة القلق والتوتر المصاحب لفعل اللغة داخل النص.
فيعيد لدى القارئ إحساسه بزمن اللحظة وهو يبني له ما آلت إليه أحواله الطارئة من أثر التلقي، أو يعرفه كيفية التأمل الذي يتأهب له، وقت تلقيه النص، وقت قراءة مطلع القصيدة في سؤالها غير العابر.
في قصيدة ” ألف لام ميم راء صـ335″(03)
تتصدر بنية القصيدة أحوال سيدة النص، وما يريده بطلها منها، حتى تمنحه إطالة الليل خلف سمائها، وحتي يستطيع أن يبني لها بيوتا من لغة، وأن تحج إلي كعبة في يديه، وأن تلون أمواهها كل ليل بصوته، وتدخل حقل الخيال وحيدة؛ هذه لغة الشاعر وليس لغتي وقد ضفرتها في بنية النقد كي تبرز جمالها المختلف.
يقول الشهاوي:
أريد لها أن تطبخ الشمس
وأن تقتل الوقت بالوقت.

أريد لها أن تزوج غربتها في يديها وتنسى حادثة قديم.

أريد لها أن تطيل الليل خلف سمائها
وتدعوني لأن ابني بيوتا من لغة.

أريد لها أن تحج إلى كعبة في يدي
فثمة خلخلة
في زوايا السماء.

أريد لها أن تلون أمواهها كل ليل بصوتي
وتدخل حقل الخيال وحيدة.
أريد لها أن تعلمني كيف تعشق سيدة
وتسرد أحوالها في الكتابة.
يخاطب الشاعر في القصيدة سيدةً، لم يذكر اسمها، لكن الفعل الذي يدير به ضمير المخاطب، تنكر لاسمها، ولم يمنحها طبيعة حضورها الأنثوي، وكان لخيال الشاعر رؤية شعرية أخرى مغايرة، يريد منها أن لا تكون الكتابة هنا تمثل سيدة من أنثى البشر، رغم أنها السيدة التي منحها كل ما يعوزه منهاداخل القصيدة، وكأنها تمثل له كل شيء في الحياة.
مفارقة عجيبة أن تأتي بفعل اللغة الذي يخاطب أنثاه بسيدة لا تحمل مدلول أنوثتها؛ فهي التي يريد لها أن تعرف أنه نسي أصابعه في الكتابة، وهي التي يخاطبها، بأن النوم يبتكر لغتها وأن الحلم يحملها إلى مقدسة، ثم يختتم القصيدة بمقطع، يثير الدهشة وبمنحك لذة وكأنك أنت الجزء الذي يعزز مراسم بنيتها التي تؤول إليك لا إليه.
أريد لها أن تعرفني.
فأنا جهول بي
واليقين لديها في يديها.
هنا يبرز للمتلقي إشارة من ضوء، يكاد يمنح بقعة لها تضيف رؤية، تبرز أن هذه السيدة هذه، وكأنها هي القصيدة ذاتها، وأن كل ما يريده منها أن تكونه, تمثله، تستنطق تفرده، وتمنح نفسها تلوين أمواهها، وأن تعلمه كيف يعشقها وهي تسرد أحواله في الكتابة.
وهو يتمنى أن تدركها خيالاته؛ فيرسمها يقينا، وواقعية تحلق في بنيتها التي يسعى لأن تكون هي عليها، حتي تدركه وتعرفه.
السيدة التي تنكر لاسمها في بنية القصيدة، هي من كشفت لنفسها كيف يريدها سيدة، تحمل الولائم لكل من يفتح لها يديه، كي يحج إلي كعبتها المقدسة.
وفي حقيقة الأمر كشفت هذه القصيدة بنيتها الفنية من تضافر اللغة مع إيقاع تفعيلة البحر الخليلي ” مفاعلتن ” لتمثل مدلول وعبقرية تكرار جملة أريد لها أن …. وأن، وكأنها هي القائد الذي يريده لنفسه كي تمنحه الفضاءات الأوسع، والبنى المختلفة عن كل ما قدمه الشعر عبر تأريخه القديم والجديد.
يعزز بها مسارات البنية العامة في كل مكوناتها وليس عمل ذهنيته أو حاجته هو، كما أنها تفصل للعالم كيف لشحنة أحوالها ودفقة بنيتها عبر حركية أفعال أحوالها، هي من تعزز القيم الجمالية لها، وهي من تضيف لأفرع علوم اللغة اتساع الشرايين، في إنتاج معارفها وعلومها وفنونها وتشكيلاتها وأدواتها ومكوناتها، وكل ما يخصها، والشاعر لا يملك من أمر وعيه شيئا غير امتلاكه في جوفه ووجدانيته، غير الأدوات والمكونات التي تستقبل شحنة أحواله التي تفاعلت مع قضايا أحوالها.
ولو ربطنا بين قاموس شعرية القصيدة وبين بنية الأحوال ، بما يمثل لها عمل الذات وعضوية حضورها داخل بنية أفعال اللغة، وربطناها برابط واحد، مع بقية قصائد المجموعة الشعرية ” مياه في الأصابع “، ودققنا في قاموس شعريتها، لوجدناه يمثل القاموس الصوفي داخل هذه المجموعة الشعرية، التي عبر بها عن وجدانية عمله المغاير في بنيته وفي أحواله وتراكيبه، لتبرز عوالم حداثته الشعرية التي تحققت في دم أصابع شاعرها أحمد الشهاوي.
يقول الشاعر في قصيدة ” ألف لام ميم صاد” صـ309 (04)

لم تعرفك النافذة
ولا الباب
ولا الأسود النائمة فيَّ
لم تدخلي باليمين إلى الكتب
ولم تقرئي ما خطت يداي:
سيدركني سيفه
ولن أقرأ ما جمعت من كتب
لن يخلدني الحبر
لأني علوت وشفت اللغة
وشربت ياقوتا شفـّته شفتان من حلم
فرددتا:
” ومن لم يفقهه الهوى فهو في جهل”
في موتي وحيدا
إلاك لا أرى أحدا
غبت
لما دنا خيط نارك مني
وكل شيء فيّ قد سجدا
دنا شجر من يديك
فحط كون على كفي
كان لي مددا.
الكتابة الشعرية إذا هي كل ما في حياة أحمد الشهاوي، فهي التي تمثل له النافذة التي ضلـَّت طريقها له كما يريد لها أن تكون، وكما الباب الذي قيد حضورها بمثل ما أعطته ولم يمنحها انطلاقها الذي يجب أن يمنحها الخلود الذي تستحقه، ورغم أنها من منحته العلو وشرب منها الياقوت، وقد شفـّته شفتان من حلمه الذي أعطى له الحياة، وجعل كل شيء فيه سجد؛ فحط الكون على كفه المددا.
الشاعر في قصائد هذه المجموعة الشعرية المتميزة، بما تملك وبما تحمل من عناوين شعرية مبدعة، تستحق أن يفرد لها النقد من فضاءات العمل ما تستحقه، وهي التي تمثل عتبات المجموعة وتمنح لها الإضاءات الكاشفة في استقبال المتلقي لها.
وهو يدرك ما وصلت إليه كتابته من تفردها وعلو وسمو حضورها، ورغم ذلك لم تمنحه القدر الذي يتناسب مع ما قدمه لها من تطور في بنيتها ومن تفرد في بنية أحوالها ومن تجديد لقاموس بنيتها، ومن نتائج حطت مثل الشجر الذي دنا بين يديها، فكان لها المدد.

والشاعر هنا أيضا ٌقد أرهق القصيدة من أحواله وقد جعل الموت يمثل عنوان حضورها، فلا الفرح زرع شجر الورود على كف حبيبته، ولا أنتج ثمر الحب على شواطئ قلبه المرتجف، من ألم الحياة والخوف الواقف على أهبة حضوره داخل مشحونه النفسي.
في حقيقة الأمر المجموعة الشعرية ” مياه في الأصابع” شديدة التفرد؛ فقد قرأتها أكثر من مرة، والكثير من قصائدها قد منحتني إضاءات واسعة وجديدة في تجرية الشاعر الطويلة والممتدة، وفي تقديري الخاص؛ فهي التي قدمته كشاعر كبير ومجدد عند متلقيه أجمل تقديم، كما منحته عبر ينيتها وأدوات عملها، ومكونات عملها ونتائج جمالياتها، حضوره المتميز وجعلته من الشعراء الذين لم يقفوا عند حدود الثابت في بنية القصيدة العربية، وجعلته الشاعر الذي لم يقلد، ولم ينسخ ما سبقه.
بل كان له الأثر في الشعرية العربية، بعدما قدم مع القليل من شعراء جيله وما سبق في عصورنا الحديثة، ما زاد عنهم، ليمثل إضافة للشعرية العربية وفق بنيته المستحدثة التي تخصه، وجعلها لم تمثل من سبق له الأأثر من شعرية أدت أغراضها.
وكانت له الحضور الأهم بين تيارات الكتابة، حتى يلتحف بلحاف حضورها عبر زمنها كي تبث تأريخه الذي يمثل بيئتها وثقافتها ومكونها الجمالي الذي يبرزها مع غالبية الشعراء المنسوخين أو المقلَدين في كتابة الأشكال الشعرية.
لقد زينته تجربته وجعلته من رواد التطور في بنية الشعرية العربية؛ فهو الموسع في قاموسها الشعري، والمجدد في بنية إيقاعاتها وتطور توزيعاتها عبر لغته الخاصة وبنية أحوال دفقته الوجدانية التي أسست لهذا التجديد والتطور.
وكان من أهم ما لفت نظري أن بنية إيقاعات المجموعة لم تخلُ من تفعيلات الفراهيدي، لكن في بنية مغايرة عن المألوف الذي سبقه، وكان عملها الوجداني وقد زاحمه تعدد إيقاعات أحوال القصائد عبر بناها، لتنبت خضرتها الإيقاعية في تشكيلات متجاورة، ما بين التفعيلة وإيقاع حركية الأفعال عبر مشحون أحوالها، التي شيدتها لغة الأفعال من قاموسها الصوفي في معظم استخداماته من قاموسه الخاص، في بنيته الوجدانية المتطورة.
كما أن أثر التجربة في هذه المجموعة وقد اختمرت من بنية أحواله الخاصة، حيث مثلت الذات البطل داخل بنيتها وقد حققت لها الذات الأخرى في تقابلية العمل في بنية القصائد التي مثلتها هذه التجربة الخاصة وقد منحته بصمة وتفرد العمل.
ورغم أن الصورة الشعرية في هذه المجموعة لم تخرج من بنية خيال الشاعر في شكلها التقليدي، أو كانت تمثل الحضور الرسمي كضيف على البنية الشعرية، بمثل ما نقرأ عند الكثير من الشعراء؛ فقد منحت لنفسها فضاءات العمل عبر بنية أحوال الشاعر الحقيقية؛ فهي التي اعتمدت على تقنية عمل أخرى اتكأت فيها علي دهشة التراكيب في بنيتها، ولم يمثل فيها المجاز التقليدي وجودا، بل كان مجازية الأثر الطالع من نبت أحوالها هو السيد الذي يرمي بقلوعه نحو مجازية الحداثة التي توفر بنيتها داخل هذه المجموعة.

كما أن اللغة المستخدمة وقد أضفت علي بنية الكتابة مرسوما جماليا مغايرا، أضاف للصورة الشعرية وللإيقاع ولمكونات الكتابة في مجملها مراسم استقبال نتائج الكتابة في حلة مغايرة ودهشة استقبال عند متلقيها غير مألوفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى