جينيالوجيا الاختلاف في الخطاب القرآني: من الاستعلاء الأولي إلى التعارف الكوني

بقلم: أ.د. محمد سعيد حسب النبي
تضعنا المفارقة الصارخة بين أفق الوحي المنفتح وسياجات التأويل التاريخي أمام مأزق معرفي حاد؛ فبينما يفيض النص القرآني بطاقة تواصلية تؤصل للتعددية كآية كونية، تحولت أنظمة التلقي التفسيرية، تحت وطأة الصراعات السياسية والمذهبية، إلى أدوات لإنتاج خطابات الأزمة والإقصاء. وفي ضوء البحث المنشور للكاتب والذي جاء تحت عنوان: “جينيالوجيا الاختلاف في الخطاب القرآني: مقاربة بينية في أخلاقيات الحوار مع الآخر”، يظهر أن تفكيك هذه الجدلية لا ينكشف بالقراءات السطحية، بل يتطلب غوصاً جينيالوجياً يستنطق الطبقات المعرفية المتراكمة، ليكشف عن اللامفكر فيه في آيات الحوار والتعارف. إن هذا المقترب يفضح آليات التعطيل والتقييد الدلالي التي فرضتها القوى الارتكاسية عبر المسار التاريخي، باحثاً عن مكامن القوة التواصلية الأصلية للنص الكفيلة بصياغة أفق إنساني يتسع للتعددية.
وتُظهر جينيالوجيا الاختلاف في الخطاب القرآني انتقالاً استراتيجياً جوهرياً؛ فقد انطلقت صيرورة بناء مفهوم الآخر من تفكيك الأصل الصراعي الأول الذي يمثله موقف إبليس كأول بذرة لرفض التعدد في الكون. ففي مواجهة الأمر الإلهي، استند إبليس إلى منطق الاستعلاء المادي القائم على تفوق العنصر والمادة حين قال: «أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ» (الأعراف: 12). هذا الاحتجاج يمثل، من منظور جينيالوجي، أصل كل هوية منغلقة تعيد إنتاج وهم الأفضلية الجينية أو العرقية، حيث يُحوَّل الاختلاف من آية وجودية إلى عائق نفسي واجتماعي. وفي مقابل هذا الارتكاس، انتقل الخطاب القرآني إلى مرحلة التأسيس الأنثروبولوجي الذي يعيد الاعتبار لكرامة الإنسان بوصفه ذاتاً موحدة الأصل ومتعددة المسارات، وهو ما يتجلى في قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ» (الحجرات: 13). وهنا يتم رد التنوع إلى إرادة إلهية واحدة لا إلى فضل مادي لعرق دون آخر، مما يؤسس لأنسنة التنوع، حيث يصبح التمايز تصميماً مقصوداً وليس خللاً في نظام الخلق.
وتتوج هذه الصيرورة الجينيالوجية بالانتقال بالتمايز البشري من مربع النزاع إلى مرتبة البنية الوجودية والاعتراف المتبادل عبر المقصد الكوني الأسمى في قوله تعالى: «وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا» (الحجرات: 13). فالتعارف هنا هو النقيض التام للاحتناك الإبليسي الذي ورد في وعيد إبليس للبشرية: «قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا» (الإسراء: 62). فبينما يهدف الاحتناك إلى الاستحواذ والمحو، يهدف التعارف إلى الاعتراف المتبادل وإرادة التواصل الفاعلة التي تجعل من الآخر المتمايز شرطاً قَبلياً لتحقيق المعرفة ولإمكانية الكمال الإنساني، فبدون الآخر المتمايز يظل الإنسان حبيس أناه الضيقة. وقد بلغت هذه الرحلة الاستقصائية مداها بإضفاء القداسة على التعددية، عبر تسمية الاختلاف اللساني والعِرقي آية توازي خلق السماوات والأرض في قوله تعالى: «وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ» (الروم: 22)، لتتحول التعددية إلى طاقة تحررية تقاوم محاولات التنميط، ويصبح معها مفهوم التقوى والمسؤولية الأخلاقية هو المعيار الوحيد للتفاضل كما يشير قوله تعالى: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» (الحجرات: 13).
ولم يكن مسار النص تاريخياً معزولاً عن تجاذبات القوى الفاعلة والارتكاسية؛ فالقوى الفاعلة في النص هي تلك الطاقة التحررية التي تطلب البرهان وتؤسس للاعتراف بالآخر، وتقطع مع أنساب التقليد الأعمى كما في قوله تعالى: «قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ» (البقرة: 111)، وهو ما تمثله التجربة الإبراهيمية التي جادلت بسلطة العقل لتفكيك المركزيات المنغلقة، ليحل محلها أخلاقيات البرهان التي تمنح الحوار صبغته الإنسانية. في المقابل، رصد الكاتب بوضوح دور القوى الارتكاسية التي هيمنت على أنظمة التلقي التفسيري تاريخياً، مدفوعة بإرادة قهر تسعى لأدلجة النص وإخضاعه لمتطلبات الصراع المذهبي والسياسي، متغذية على أخلاق الضغينة التي ترى في الآخر تهديداً تجب إزالته. وقد استخدمت هذه القوى ميكانيزمات دقيقة لتعطيل آيات الحكمة والاختلاف عبر التسييج التفسيري؛ فتم تحييد الطاقة التواصلية في آيات كبرى مثل: «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ» (البقرة: 256) و«ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» (فصلت: 34)، وتحويلها إلى نصوص منسوخة أو مؤجلة الفعالية لصالح تأويلات صراعية، مما أدى إلى طمس الذاكرة الحوارية للنص، وإنتاج لامفكر فيه ضخم حول قيم التعددية والعدل والقسط.
وتكمن فاعلية المنهج الجينيالوجي في قدرته على اختراق هذا الركام المعرفي والتقييد الدلالي الذي حجب طاقة الحوار في نصوص مثل: «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ» (الكافرون: 6)، محولاً إياها من إعلان اعتراف متمايز وبراءة إلى مجرد وعيد وتهديد. كما يتيح المنهج خلخلة البنية اللغوية الإقصائية التي وظفتها القوى الارتكاسية لتعطيل الحوار، حيث تم تسييج مفاهيم مثل الجدال والاختلاف لتصبح مرادفة للفتنة أو المروق، وبذلك يسمح المنهج بإعادة تفعيل المعاني المعطلة عبر ربطها بأصلها التواصلي، وإعادة تقديم آيات البر والقسط مثل: «لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» (الممتحنة: 8) كأصل مرجعي ثابت، مما يقطع الطريق على أخلاق العبيد –وفق تعبير نيتشه- القائمة على نفي الآخر، ويؤسس لأخلاقيات اعتراف تقوم على الندية والمسؤولية الفردية.
إن هذا الأفق المعرفي الجديد ينقل من حوار الإفحام العقدي القائم على احتكار الحقيقة، إلى أخلاقيات التواصل البرهاني القائم على التواضع المعرفي ونبذ الاستكبار، والذي تؤسس له الآية: «وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ» (سبأ: 24). هنا يتحول الحوار من تسامح سلبي هش يكتفي بالتحمل الكاره، إلى اعتراف إيجابي متبادل يرى في الاختلاف ضرورة وجودية تغني الهوية ولا تنقصها، ويعيد للذات استقلاليتها ومسؤوليتها الفردية تجاه خياراتها الفكرية، مصداقاً لقوله تعالى: «وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا» (مريم: 95)، ليصبح الاجتهاد الحواري واجباً أخلاقياً يرفض التبعية وأساطير الأولين في التفسير.
وتخلص هذه القراءة إلى جملة من التوصيات الإجرائية لتفعيل الذاكرة الحوارية للنص في الواقع المعاصر؛ حيث يتعين منهجياً ومعرفياً اعتماد المناهج الاستقصائية للتمييز الحاسم بين النص في صيرورته الأولى المفتوحة وبين أنظمة تلقيه التاريخية، مع إعادة تفعيل اللامفكر فيه في آيات حرية الاعتقاد كأصول مرجعية محكمة لا فروع منسوخة. وعلى الصعيد التربوي والاجتماعي، تبرز الحاجة لتطوير مناهج تعليمية تطرح الاختلاف كقيمة جمالية ومقصد إلهي للتعارف بدلاً من كونه مشكلة، وتكريس مفهوم التقوى التواصلية القائمة على الإنصاف والعدل مع المخالف في الوعي الجمعي بربط القيمة الأخلاقية للفرد بمدى قدرته على الإنصاف والعدل مع الآخر المخالف له فكرياً وعقدياً، مع بناء خطاب سياسي ومدني ينطلق من وحدة الأصل الأنثروبولوجي لمواجهة خطابات الكراهية والانغلاق، وفتح مسارات دراسية مقارنة تمد الجسور بين منهج الحوار والتعارف في القرآن ونظريات التواصل الفلسفية الحديثة.
إن الاختلاف، في ضوء القراءة الجينيالوجية المنصفة، يخرج من سياج النزاع الدلالي الضيق ليكون فضاءً كونياً للرحمة والمعرفة، تذوب فيه أنساب الاستعلاء المادية، لتتحقق الغاية الأنثروبولوجية الكبرى في بناء عالم إنساني يتسع للجميع تحت مظلة العدل والكرامة الوجودية.
للاطلاع على الدراسة الأكاديمية الكاملة المنشورة للكاتب، يمكنكم زيارة الرابط التالي:
اضغط هنا لقراءة البحث كاملاً: https://tanwir.journals.ekb.eg/article_501932.html




