أدب

أين ذهب الغزال؟

اسم يبحث عن جسد

سليمان التمياط| السعودية

لكلِّ تحوّلٍ كبيرٍ ضريبةٌ لا تُحصى في دفاتر المدن ولا تُقاس بعقارب السنين، لأنّ بعضها لا يقع على الحجر ولا على الطريق ولا على هيئة العيش الظاهرة وإنما يقع في موضعٍ أدقّ وأعمق: في اللغة نفسها. فما إن يتبدّل العالم حتى تبدأ الكلمات بدفع ثمنٍ صامتٍ لا يُرى، إذ تبقى بعض الألفاظ واقفةً عند مشاهد انطفأت فيما تتقدّم الحياة إلى صورٍ أخرى لا تلتفت إلى ما خلّفته وراءها. هناك يحدث الشرخ الأول: يرحل الشيء وتبقى تسميته. يتبدّل مسرح الرؤية وتظلّ العبارة معلّقةً على ستارةٍ أُسدلت منذ زمن . وحينها لا تعود اللغة مرآةً صافيةً لما نعيش وإنما تصير أحياناً أثراً متأخراً لحياةٍ كانت هنا ثم انحسرت أو قبراً لطيفاً لما غادر العالم وبقي اسمه يتردّد في الحناجر .
من هنا يبدو الغزال أكثر من حيوانٍ غاب عن المشهد الحسّي في حياة أكثر الناس. إنّه مثالٌ مكثّف على هذا الاغتراب الخفي بين اللفظ ومرجعه، بين المسمّى وجسده ، بين ما نردّده وما نعرفه حقّاً . لم تكن كلمة الغزال في القصيدة القديمة زينةً بلاغية تُعلّق في أعناق الأبيات من باب الإتقان اللفظي ولا كانت استعارةً تُستجلب من رفوف الموروث استجلاباً بارداً. كانت صلةً حيّة بين العين وما ترى، بين الجسد الإنساني وما يرتجف فيه حين يلمح ذلك الكائن الخفيف يلوح في الأفق ثم يفلت. كان الشاعر لا يستعير الصورة من ذاكرةٍ لا تخصّه وإنما يردّ إلى اللغة ما مرّ في حواسه وما خلّف في نفسه رجفةً تكفي لأن تصير بيت شعر. ولهذا كانت الكلمة ممتلئةً بما وراءها ، مأهولةً بما يسندها من أثرٍ حيّ ، مشحونةً بمقدار ما فيها من رؤيةٍ لا من مقدار ما فيها من زخرف .
أمّا اليوم … فحين تمرّ كلمة الغزال على اللسان لا يقع في الداخل ما كان يقع . ليس السبب أنّ اللفظة ضعفت ولا أنّ العربية فقدت قدرتها على الإيحاء وإنما لأنّ التجربة التي كانت تمنح هذه الكلمة حرارتها قد تراجعت حتى كادت تغيب من العالم المعيش . لو سُئل كثيرون : متى رأيت غزالاً آخر مرة ؟ فلن تستيقظ في الغالب ذكرى ذات ملامح وإنما مساحةٌ خالية تتستّر عليها ابتسامةٌ مترددة . هنا تبدأ الفجوة الحقيقية لا بين الإنسان والحيوان فحسب بل بين اللغة والحياة . تبقى الكلمة على حالها فيما يبتعد ما تشير إليه شيئاً فشيئاً حتى تصير العبارة كمن يلوّح لشيءٍ لم يعد هنا أو كمن ينادي اسماً يعرفه دون أن يعرف صاحبه .
وليست المسألة متعلّقةً بالغزال وحده فالأمر يتجاوز الاسم المفرد إلى سلالةٍ كاملة من الأسماء التي لا تزال عامرةً في الشعر العربي عامةً وفي الشعر النبطي على وجه الخصوص : الريم، والمها، والظبي والشادن والخشف . هذه الكثرة لا تدلّ دائماً على اتساع التجربة في حاضرنا بقدر ما تكشف عن بقاء المخزون القديم حيّاً في اللغة بعد أن بهت في الحسّ . كانت تلك الأسماء في أصلها فروقاً دقيقةً تلتقطها العين قبل أن ينطق بها اللسان؛ فروقاً في السنّ وفي الخفّة وفي الهيئة وفي الحركة وفي طريقة الحضور والفرار . كانت اللغة آنذاك يقظةً لأنّ الحياة نفسها كانت تقيم في التفاصيل . أمّا الآن فكثيراً ما تتجاور هذه المسميات في الكلام بوصفها وجهاً واحداً عاماً للجمال ، بعد أن انطفأت التفاصيل التي كانت تمنح كلّ اسمٍ ملامحه . وهكذا لا نكون قد فقدنا الحيوان وحده لكننا فقدنا معه القدرة على التمييز بين أسمائه أي فقدنا دقّة الرؤية التي كانت تسند دقّة التعبير .
في هذه اللحظة بالذات تبدأ اللغة في عيش حياةٍ غريبة عن أصلها . فهي لا تكذب تماماً _لأنّ الكلمات موجودة والموروث ما يزال يمدّها بأسباب البقاء. لكنها لا تطابق أيضاً لأنّ ما تتكئ عليه في العالم قد انحسر . نصير عندئذٍ إلى كتابةٍ تصدر عن ذاكرةٍ موروثة أكثر ممّا تصدر عن معايشةٍ مباشرة . نردّد صوراً لم تمرّ بنا ونأنس بمعانٍ لم تلمسها أرواحنا إلا عبر النصوص . كأنّ اللغة تمنحنا حقّ الشعور بما لم نعشه وتزوّدنا بذاكرةٍ أقدم من أعمارنا ؛ فنحسب أنّنا نملك ما ليس لنا إلا بالنيابة . وهذه من أعجب قدرات اللغة وأخطرها معاً : أنّها تحفظ العالم حتى بعد غيابه ولكنها قد تتحوّل أيضاً إلى حجابٍ يحجبنا عن إدراك هذا الغياب نفسه .
لقد دفع الإنسان الحديث ضريبة المكان حين انتقلت الحياة من البراري المفتوحة إلى المدن المحجوبة بالزجاج والجدران والسرعات. ودفع ضريبة الزمن حين انقطع التوارث الحسّي بين الأجيال فلم تعد الصورة تُسلَّم من عينٍ إلى عين ولا من ملاحظةٍ إلى ملاحظة وإنما من نصٍّ إلى نص ؛ ومن صورةٍ محفوظة إلى استعارةٍ جاهزة. ثم جاءت ضريبة الوساطة وهي من أشدّ الضرائب خفاءً . فالعالم لم يعد يُدرك غالباً بالمباشرة الأولى وإنما عبر إطارات: نافذة سيارة، شاشة هاتف، عدسة كاميرا، زجاج مبنى، لقطات وثائقية، أرشيف مرئي. والوسيط _مهما بدا شفافاً _ يمرّر الصورة ويحجب الكينونة . الغزال الذي يمرّ في الشاشة ليس هو الغزال الذي تُربك رؤيته الجسد كلّه. إنّه صورةٌ مسطّحة بلا رائحة، بلا غبار، بلا توتّر صامت في الهواء، و بلا رهبة اللقاء المباشر. ومن هنا تنشأ لغةٌ جديدة باردة في عمقها تصف ما يُشاهد من الخارج لا ما يُعاش من الداخل .
وليس معنى هذا أنّ الجمال انقرض أو أنّ العالم الحديث صار عقيماً من الدهشةوإنما المعنى أنّ الطريق القديمة إلى الجمال لم تعد هي نفسها وأنّ اللغة ما زالت في كثيرٍ من الأحيان وفيّةً للطريق القديمة أكثر من وفائها للمشهد الراهن . فالمعضلة ليست في أنّ الغزال غاب ولكن في أنّ المفردة ظلّت تُستعاد كما هي من غير أن تفتّش القصيدة عن حياةٍ أخرى تسندها. ما الذي يوقظ في إنسان اليوم ما كان الغزال يوقظه في نفس الأقدمين؟ ما الذي يعادل تلك الخفّة، وذلك التوتّر بين الظهور والاختفاء، وذلك الحضور الذي لا يلبث أن يصير فراراً؟ لا بدّ أنّ شيئاً ما ما يزال يلمع في الوجدان غير أنّنا لم نسمّه بعد أو لم نجرؤ على منحه مكاناً في لغة الجمال . ربما لم يعد الجمال يمرّ هارباً في الأفق وإنما يبرق فجأةً على سطحٍ زجاجيٍّ بارد. ربما لم تعد الدهشة تقفز بين الشجيرات والفضاء المفتوح وإنما تومض لحظةً في شاشةٍ صغيرة ثم تختفي. ربما صار الحضور الخاطف للجمال يقيم في انعكاس الضوء على رصيفٍ مبتل أو في وجهٍ عابرٍ يترك أثراً لا يقلّ غموضاً عن أثر الحيوان القديم في البرية . لم نفقد الجمال نفسه وإنما فقدنا الطريق التي كنّا نصل إليه منها وما يزال لساننا يحنّ إلى الطريق أكثر من حنينه إلى الجمال نفسه .

من هنا يبدو التمسّك الأعمى بالمسمّيات الموروثة نوعاً من التعويض النفسي أيضاً. فنحن نستدعي الاسم القديم لا لأنّ الشيء حاضر في خبرتنا وإنما لأنّنا نرفض الاعتراف بفقر واقعنا الحسّي أو بتبدّل شروطه. الكلمة تمنحنا وهماً مريحاً بالاتصال بما لم نعد نلمسه . ننطق بالريم والمها والظبي والشادن كما لو أنّ البرية ما تزال تُجاور نوافذنا . وكأنّنا نمتلك صلةً حيةً بما فقدناه . وفي هذا شيءٌ من التخفيف عن النفس لكنه يحمل في الوقت نفسه قدراً من الزيف الوجودي: إذ تصبح اللغة ستاراً يغطي غياب العالم وليس جسراً يفضي إليه. نعيش داخل وفرةٍ لفظية فيما تضيق التجربة . تتسع القواميس وتقلّ حرارة الاحتكاك . نحفظ أسماء الأشياء أكثر ممّا نعرف الأشياء نفسها .
لكنّ الصدق لا يكمن في رثاء هذا التبدّل رثاءً نواحياً ولا في إقامة مأتمٍ أبديٍّ للغزال المفقود لأنّ اللغة لا تُبعث من المراثي وحدها . الصدق يكمن في كتابة المسافة نفسها في الاعتراف بأنّ الفجوة صارت جزءاً من وعينا وبأنّ الاغتراب بين الكلمة وجسدها حقيقةٌ تاريخيةٌ وحسّية لا يجوز تغطيتها بالحنين وحده. حينئذٍ فقط يتحوّل الغزال من مفردةٍ مستهلكة إلى امتحانٍ للغة. هل تستطيع أن تظلّ وفيّةً لما كان من غير أن تتعامى عمّا صار؟ هل تملك شجاعة الخروج من متحف المسمّيات إلى هواء الرؤية الجديدة؟ هل يمكن لها أن تبحث عن أسماءٍ لم تُستهلك بعد؛ لا لتخون ماضيها وإنما لتخلص للحظة التي تعيشها ؟
الوفاء الحقيقي للتراث ليس في تكرار صوره تكراراً آلياً وإنما في امتلاك الجرأة التي امتلكها الأوّلون أنفسهم حين سمّوا العالم من داخل تجربتهم . لم يكن فضلهم في أنّهم قالوا غزالاً فحسب وإنما في أنّهم كانوا يرون قبل أن يقولوا . أمّا نحن فإن أردنا أن نكون أوفياء بالفعل، فعلينا أن نستردّ حقّ الرؤية لا أن نكتفي بوراثة الأسماء . فالكلمات لا تذبل لأنّ الأشياء غابت وإنما تذبل حين نصرّ على إبقائها في المشهد القديم بعد أن تغيّر المشهد كلّه . وما لم تتعلّم اللغة الالتفات إلى ما استجدّ في الحسّ والوجود فستظلّ تردّد أسماءً قديمةً في بريةٍ لم يعد يسكنها أحد وتظنّ أنّ الصدى حياة .
وعند هذه العتبة يظهر المعنى الأعمق لفكرة أنّ اللغة لا نعيشها فقط وإنما قد تعيشنا أيضاً . إنّها لا تكتفي بأن تكون أداةً نصف بها العالم بل تصير أحياناً وسطاً خفياً نسكنه ونُقاد من داخله؛ حتى إذا تغيّر العالم ولم تتغيّر هي بالقدر الكافي عشنا نحن في فجوةٍ لاننتبه إليها. نواصل النظر بعينٍ تعلّمت صوراً لم تعد حولها ونشعر بعواطف صاغتها شروط قديمة ونستعير دهشة لا تخصّنا تماماً . اللغة هنا لا تُترجم وعينا فحسب وإنما تنظّم نقصان وعينا أيضاً وتعلّمنا كيف نغفل عمّا فقدناه .
ولعلّ أولى خطوات الصدق ليست أن نبتكر فوراً اسم الغزال الجديد ولكن أن نعترف بأنّ اسماً قديماً صار يبحث عن جسد. أن نعترف بأنّ بعض الكلمات في أفواهنا مدافنُ لمسمّيات رحلت وأنّنا نقيم بين شواهدها ونحسب أنّنا ما زلنا في قلب الحضور. حين نبلغ هذا الاعتراف لا تعود الكتابة تكراراً لمخزونٍ جاهز؛ تصير بحثاً حقيقياً عن دهشةٍ تستحقّ اسمها . هناك فقط يمكن أن تبدأ اللغة في الشفاء : ليس باستعادة ما انطفأ ولا بقطع الجذور وإنما باستعادة الحواسّ نفسها وبإعطاء الحاضر حقّه من النظر وحقّه من التسمية .

عندئذٍ لا يكون السؤال: أين ذهب الغزال؟ لأن هذا السؤال يأتي بعد فوات موضعه.
السؤال الأحقّ هو: ماذا تبدّل فينا نحن منذ غيابه؟
ماذا جرى لعلاقتنا بالرؤية، ولدقّتنا في التمييز، ولصورتنا عن الجمال حين يمرّ بنا ويهزّ شيئاً في أعماقنا؟
وما الاسم الذي نستطيع أن نهبه لما يبرق اليوم في هوامش عيشنا، قبل أن يغيب بدوره، ثم لا يترك وراءه إلا لفظاً يطلب معناه من جديد ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى