وجع الغياب في قصة “والبنون” للأديبة جمالات عبد اللطيف

بقلم د. منال رشاد | ناقدة من مصر
أولا – القراءة النقدية
تنتمي قصة “والبنون” للأديبة جمالات عبد اللطيف إلى المدرسة الواقعية النفسية مع وجود لمحة غرائبية هادئة فالكاتبة لا تكتفي برصد الواقع، بل تغوص في قاع النفس البشرية لتكشف عورات المجتمع. ولقد نجحت القاصة في استخدام الموت لتعرية زيف العلاقات الاجتماعية في عصرنا الحالي متأثرة في ذلك بيوسف إدريس في قصته “بيت من لحم ” و”مرتبة مقعرة”، ومتأثرة بنجيب محفوظ في “أحلام فترة النقاهة”، وأيضا إبراهيم عبد المجيد في “لا أحد ينام في الإسكندرية”
عتبة النص العنوان هنا ليس مجرد تسمية لقد اختارت الكاتبة عنوانا مجتزأ من آية قرآنية كريمة ” المال والبنون زينة الحياة الدنيا”، هذا الحذف المتعمد لـمفردة المال والإبقاء على البنون المسبوقة بواو العطف يخلق نوعا من المفارقة الساخرة حيث يعد ذلك إزاحة دلالية فالابنة التي هي زينة في النص القرآني، تحولت ها هنا إلى غياب موحش ولتصبح هنا الواو واو الحسرة ليست واوا للعطف وكأن الكاتبة تتساءل بحسرة أين هؤلاء البنون حين تآكلت الجثة وانتهكت الخصوصية؟!
أما عن الراوي في هذه القصة وهو الجانب الأكثر إبداعا في نص الأديبة حيث يتجاوز كونه مجرد راو مشارك، ليصبح كائنا طيفيا يمتلك وعيا حادا يراقب به جثته وهي تتآكل في عزلة موحشة، بينما روحه تعتصر خذلانا من غياب ابنتها .تقول الكاتبة “يدي الطيفية لا تملك الذود عني” فهو يشارك في المعاناة بجسده، لكنه يراقب المشهد بوعي طيفي متجاوز للموت؛ لتعميق شعور القارئ بالوحدة وهو ما كان للنص أن يحقق ذات الأثر لو سرد بلسان راو عليم. هذا الراوي يجسد قمة العجز الإنساني حيث يخلق مفارقة تراجيدية ؛ فهو يرى ويسمع كل شيء، من طنين الذباب إلى دقات الهاتف، لكنه لا يملك سوى الدهشة أمام جحود الأحياء وانشغالهم عن حرمة الموت، كذلك كان لاستخدام ضمير المتكلم (جثتي- أصابع كفي- تمنيت) يجعل القارئ يتوحد مع تجربة الموت وما بعده.؛ مما يضفي على النص بعدا غرائبيا ويفتح النص على عوالم ما وراء الموت، كما في ” أحلام فترة النقاهة” لنجيب محفوظ.
ولقد زاوجت الأديبة بين اللغة التقريرية واللغة الشاعرية الحزينة “جحافل النمل- فتات اللحم المهترئ – انتفاخ الجثة- ساعات النهار تتآكل” لتصدم القارئ وتجبره على مواجهة حقيقة الموت مما يمنح النص بعدا وجوديا يتجاوز مجرد حكاية امرأة وحيدة. ولقد طوعت الكاتبة لغتها لتكون مشرطا لا يكتفي بوصف الموت، بل يشرحه؛ فالحواس هنا ليست مجرد أدوات للنقل، بل هي تجسيد حسي للخذلان. فحين تصف “تكدس جحافل النمل بين الأصابع” أو “غوص الحلي في اللحم”، لا تنقل لنا صورة بصرية فحسب، بل تشركنا في انتهاك خصوصية هذا الجسد المسجى الذي تحول إلى جيفة كريهة الرائحة صرخت بالفضيحة حين غاب صوت السعال وتأخرت طرقات الباب في غياب الابنة الحاضرة دائما في ذهن الساردة ، وتكتمل قسوة المشهد بمفارقة تصويرية مفجعة؛ حيث وضعت الكاتبة بريق الذهب والحلي المدخر للابنة في مقابل اللحم المهترئ، وجعلت من رنين الهاتف المستمر صرخة يائسة بجوار جثة يبتلعها الصمت. هذا التحلل المادي للجسد يوازيه مونولوج داخلي ، تعاتب فيه الروح صمت ابنتها بلهجة يمتزج فيها العتاب بالأمومة؛ حين تسأل بمرارة: “ماذا يشغلها عني؟ بيتها؟ زوجها؟”. إن هذا المونولوج هو الخيط الذي يربط بين عجز الطيف وبين حنين الأم.
أما عن شخصيات القصة فقد كانت صورة المرأة مسيطرة على أحداث القصة فهناك الأم ذلك الجسد المسجى الذي يفيض حنانا حتى وهو يتحلل، يدخر الذهب ليد خذلته، ويختلق الأعذار لقلب جفاه، لتظل في موتها أيقونة للعطاء، ثم الابنة الحاضرة في ذهن الساردة والغائبة في الواقع التي سرقتها تفاصيل الحياة العمل / البيت/ الزوج عن نداء الواجب لتصبح رمزا لجيل كامل تأكلت القيم الإنسانية فيه أمام طغيان المادة، ثم الجارة الغريبة رمز الوفاء التي منحت الجسد ستره الأخير بـملاءة والتي كانت تعرية أخلاقية قاسية للجيل الجديد الذي غاب في لحظات الاحتياج ولتثبت أن الرحمة لا تحتاج إلى صلة دم. حيث جعلت الستر يأتي من الجار/الغريب، لا من الابنة/القريبة. في حين أن الأدب الكلاسيكي، كان البنون هم من يوارون السوأة، لكن الكاتبة بهذه الرؤية تعكس تحولا خطيرا في بنية المجتمع العربي المعاصر.
كذلك هناك شخصية ملك الموت والملكان اللذان يسجلان؛ مما يدل على تشبع الكاتبة بالثقافة الدينية. لكن المفارقة هنا أن هؤلاء الكائنات الغيبية يزفرون بأسى، وكأنهم يشفقون على حال هذه المرأة أكثر من البشر الأحياء.
أما عن الزمكانية في القصة فأحداث القصة تدور في مكان مغلق الغرفة/السرير، هذا الضيق المكاني يضاعف من شعور المتلقي بالاختناق والوحدة، أيضا نلاحظ في القصة صراعا بين زمنين؛ زمن تحلل الجثة، وزمن الابنة في الخارج العمل/ البيت/ الزوج. حيث أصبح الزمن عدوا للبطلة، فكل دقيقة تمر يتحلل فيها جسدها.
ولقد جاءت الخاتمة دائرية مفتوحة فهي لم تقدم حلا بل انتهت بتساؤل مرير: “ليس بينهم وجه ابنتي.. أين ابنتي؟” وكأنها صرخة مدوية في المجتمع بأسره الذي انعدمت فيه القيم الإنسانية والأسرية تحت وطأة الظروف الحياتية ، حيث تركت الجثة مستورة بملاءة الجارة، بينما روحها عارية تماما ممن كانت تنتظرهم أن يكونوا بجوارها في تلك اللحظة / ابنتها؛ عمق هذه الصرخة الأعذار التي وضعتها الأم لابنتها (عملها/ بيتها/ أولادها) في ثنايا القص كآلية للدفاع النفسي تمارسها الأم حتى وهي ميتة، لكي لا تعترف بمرارة الخذلان، وهو ما يجعل الخاتمة أين ابنتي؟ صرخة في ضمير المجتمع.
ثانيا – القصة القصيرة “والبنون” للكاتبة جمالات عبد اللطيف محمد
ولليوم الثالث على التوالي ترقد في وسط السرير جثتي .جحافل النمل تتكدس بين أصابع كفي وقدمي ، تحمل فتات من لحمي المهترئ وتمضي في دأب إلى مساكنها، وكتائب من الذباب يطن ويحوم حول عيني، ويقف على باب فمي الموارب، كان يتوجب علي أن أغلق فمي عند رؤيتي لملك الموت يتقدم بخطواته الثقيلة نحوي ، ليقبض روحي. كان علي أن أكون فطنة ولا أفتح فمي ربما هممت لأقول شيء ، لأستأذنه مثلا” أن أهاتف ابنتي؟ ..أو ربما لهول المشهد ما جعلني أفتح فمي فزعا” ورعبا .. ربما
.الملكان اللذان كانا يسجلان كل كبيرة وصغيرة تصدر عني يقفان الآن على مقربة مني ،يومضان من وقت لآخر، يقلبان النظر بين أوراقي المملوءة بجهالتي وبيني، ويزفران باسى . البكتريا تتكاثر بداخلي ، تلد كائنات تسعى بنهم شديد في أمعائي، ورئتي، ومعدتي ،وكبدي ..يدي الطيفية لا تملك الزود عني. من وقت لآخر يدق هاتفي ..قد تكون ابنتي تتصل لتطمئن علي ولتعتذر عن عدم المجيء ، لا شك أن لديها ما يشغلها ،عملها ، وبيتها وزوجها وأولادها ..طال مرضي على أية حال ،وكثر اعتذارها
. في الساعات الأولى من هذا الصباح كان هناك من يطرق بابي تمنيت أن تكون لدي القدرة لأصرخ مستغيثة بالطارق ،،لكني أصبحت كائنا” طيفي أقل حجما” من تلك الفراشة التي تقف على إطار صورة زوجي، تمنيت أن يكون الطارق ابنتي لتأخذ ذلك الحلي الذي يغوص الآن في ثنايا يدي المنتفخة، ولتأخذ ما اد خرته من معاش والدها، لتأتي لي بلفافة من القماش الأبيض وبعض المسك وزجاجة عطر تضمخ بها جثتي ،وتواري سوأتي قبل أن تفوح رائحة الموت وتنتشر؛ فيفزع الجيران المقربون مني .
ساعات النهار تتآكل وتزداد جثتي انتفاخا” فأين أنت يا ابنتي؟
كثيرون الآن يدقون بابي. هل لاحظ الجيران غيابي، واختفاء صوت سعالي ؟أم أن ما أخشاه قد حدث، وتسللت رائحتي إلى الخارج لتعلن عن موتي؟
الآن يقتحمون شقتي، كثيرون أتوا ..يهزون رؤوسهم بأسى ويمسكون بأنوفهم خشية أن تتسلل رائحة الموت إلى صدورهم
تقدمت امرأة كنت أعينها بما يتوفر لدي من ملابس وبعض الأطعمة ، تقدمت من سريري وألقت بنصف الملاءة فوق جثتي .
كثيرة هي الوجوه التي تأتي وتلك التي تغادر، ليس بينهم وجه ابنتي .. أين ابنتي؟


