أدب

صبري مقلد بين مطرقة الحداثة وسندان موروثات القصيدة العمودية

قراءة في ديوان السير على حافة الغمام

بقلم : سامي دياب كيلاني| شاعر وناقد مصري
ديوان “السير على حافة الغمام” للشاعر المصري صبري مقلد، هو ديوان مفجر للإشكاليات تباعا ، فأولى إشكاليات هذا الديوان الشعري؛ هو عنوانه “السير على حافة الغمام”، حيث لم يجئ العنوان كاختيار تقليدي من بين عناوين أحد قصائد الديوان ،لكنه جاء كعنوان بعيد عن عناوين قصائد الديوان وكأنه لقصيدة لم تكتب بعد، وبذلك يفتح الباب على مصراعيه أمام ذائقة المتلقي لتأويل نص لم يكتب بعد، وعلى المتلقى أن يكن بطل هذا النص، استنتاجا وتأويلا ومشاركا في إخراج أحداثه إلى النور.


وأعتقد أن هذه التسمية جاءت على سبيل إقتفاء أثر الحداثة وخلق عنوانا جديدا يربطه ثمة رابط وثيق بعناوين قصائده المتناثرة وأيضا الحالات والرؤى الشعرية لمعظم القصائد ، ليبدو شاعرا مغايرا ومغامرا يحمل كل أفكاره ورؤاه ويصعد الجبل وحده ، ويسير على حافة الخطر دون أن يسقط في براثن السقوط ، ويتجلى ذلك في قراءة جرافيك تصميم لوحة غلاف الديوان ؛ فهو ذلك المغامر السائر على حافة الغمام / الحبل المشدود بين قمتين خطر
وتأتي الاشكالية الثانية التي يفجرها ذلك الديوان الشعري وهي اشكالية كتابة النص الشعري العمودي بين مطرقة التحديث وسندان آليات النص العمودي المتوارثة عبر مئات السنين ، كالوزن والقافية ووحدة التجربة الشعرية ، وأرى أن صبري مقلد كان حاذقا في سيره على حافة الغمام ليخرج لنا نصا ممتعا وساحرا بمحاولاته تضفير وتضمين النص العمودي بمفردات آنية وصور جمالية وفنية حداثية تواكب العصر وتطوراته ، مع المحافظة على الشكل البنائي للنص العمودي ، وهو مايعرف نقدا بالتجديد من خلال المضمون مع الحفاظ على الشكل.
وأيضا من الاشكاليات التى يفجرها هذا الديوان الشعري، اشكالية الشاعر النبي والبطل المخلّص / المنقذ الذي يقدم حلولا مثالية أمام واقع صادم غير مثالي، فنجد الذات الشاعرة تركض لمدين إبتغاء الخلاص وتجد أن قضية مياه نهر النيل بوجهة نظره هي قضية حياة أو موت وأن الطفل الفلسطيني المقاوم للاحتلال الصهيوني هو البوصلة وقاطعا بشكل لايقبل النقاش أن رغيف الخبز هو الرادع وأن قلّموا أظافر كل فئات المجتمع “إلا الفقير”، في مواجهة الذات التي تتوق إلى الذوبان في شفاة الحسناوات ويريد من حبيبته أن تخلع نعليها وهي تعبر إلى داخله.
ولكن في المجمل ، حمل صبري مقلد على كاهله خلق نص عمودي مغاير عن المألوف ، نص يحاول بعث القصيدة العمودية من جديد وإنتشالها من تكاسل أربابها وشعرائها خلال الآونة الاخيرة الذين أغرقوها في مستنقع الرتابة والجمود وعدم البحث عن الشعرية الحقيقية، مكتفين بالتحصن بالشكل البنائي التقليدي ظنا منهم أن ذلك قد يمنحها النجاح والخلود.
أهم ملامح الإجادة داخل الديوان الشعري:
1- تعمد الصورة البصرية:
حاول الشاعر أن يشعر المتلقي أنه في مشهد حياتي مفتوح أو يومي معاش ؛ مثل قوله في نص “يوما سيسطع النجم” صفحة39، وأيضا في نص “اعبري حافية” في صفحة 61، وتجلت أيضا هذه الظاهرة في نص “يامنجم أفتني” صفحة87؛ وتأتي الصورة البصرية في أبهى حلتها وكأنها حركة دينامية رائعة في نص “اشتهاء وارتقاء”صفحة 95
كما نشهد الصورة البصرية تتجلى عذبة هادئة منسابة كنبع موسيقى هادرفي نص “كي تستفيق من الهوى” صفحة9، وبالرغم من الاستسلام للحالة الشعرية ، نجد صورة بصرية غاية في الروعة تؤكد مقدرة الشاعر على نص مختلف وصورة مختلفة في نص “انحناء الأمنيات” صفحة 14،وتأتي الصورة البصرية لتؤطر لذلك الصراع في العشق بين الذات الشاعرة وفنجان قهوة المحبوبة وذلك الصراع المرير والذي وقف فيه الفنجان ندا قويا للشاعر كما بيّن في صفحة 21، ويخلق الجمال في الصورة البصرية في نص “كنا نتاجر في السعادة”في صفحة 28 والجمال هنا الجمال الكلي للوحة الوطن؛ ويأخذ حجيج اليمام أيضا إلى أحضان أعشاشه محورا مهما من الصورة البصرية في نص “البوصلة” فيخلق صورة جمالية خلاقة تبعث على الرومانسية والحب في مقابل القنبلة
2- ملمح استدعاء فكرة المنقذ المخلص أمام تحديات واقع مأزوم:
حيث نراه يجعل العكاز المهمش والدوني بطلا أسطوريا مخلصا من واقع مؤلم وذلك في نص “على العكاز” صفحة 89، ونراه مثاليا في صداقته للفقر بشكل استثنائي وأن كل سنوات الثراء التى قضاها في الغربة في بلاد النفط لم تغيره أو تثنيه عن مبادئه وحنينه لعيشته البسيطة في ريف الوطن وتجلى ذلك في صفحة 93، وهو يتوق لفكرة المدينة الفاضلة “يوتوبيا” الفاضلة ؛ مدينة بها الخلاص بلا ذنوب ولا خطايا ويتضح ذلك في نص “اركض لمدين” في صفحة 8 ، وهنا نلمح أيضا تناصا تاريخيا في قصة هروب سيدنا موسى من بطش فرعون في مصر إلى نجاته ولجوئه إلى أهل مدين
3- ملمح الحنين إلى الماضي”النوستالجيا” الهروب إلى الماضي:
وهنا نجد الشاعر يهرب إلى أيام الماضي والطفولة الأولى وأيام التعليم في الصغر ، من ملابس بالية والحقائب المدرسية التى كانت تصنع من القماش والتي كانت تحمل كتبنا المدرسية وأحلامنا المستقبلية الكبيرة والبسيطة ، وذلك في نص ” عندما يسطع النجم”صفحة 39، وأبدع الشاعر في فكرة آنسنة الجمادات وأجرى حوارا مطولا بين الشاعر وبيته القديم وذلك في نص “عتاب الدار” واستدعاء فكرة البكاء على الأطلال كما في الشعر الجاهلي وهنا أيضا تهرب الذات من واقعها المأزوم إلى الماضي الجميل المتمثل في الدار القديمة كما قال في صفحة 16، ويأخذ الحنين إلى السعادة والأيام الخوالي منحى آخر؛ في نص ” كنا نتاجر في السعادة” حيث لحظات السعادة التى عاشها وهو طفل في أحضان بيئته الريفية البسيطة ؛ مكتشفا أن كل العناء وشظف العيش الذي كان يحياه وقتها ، كان عمرا جميلا وأحلاما رائعة كما وصفها في صفحة27
4- ملمح تبنى فلسفة التجديد من خلال المضمون:
وهنا راح يجيش الشاعر بحرفية واعية العديد من المفردات الحداثية والجديدة مع الحفاظ على الشكل البنائي التقليدي للقصيدة العمودية ؛ تلك المفردات التى جعلت قصيدته تواكب العصر وكأنها تتحدث بلسانه وبأفكارورؤى جديدة جريئة في مجملها ؛ فنصوص ” صهوة الحلم ، اعبرى حافية ، مرحى وأهلا ، إلا الفقير، على العكاز” نرى مفردات “الفيس بوك والجيميل وكيوت والشات وجيجي والتكنولوجيا والمقهى العاطفي” كلها مفردات يعيشها المتلقى ويستخدمها المتلقى في حياته اليومية المعاشة ؛ وأخذ يعالج حالاته ورؤاه الشعرية نقدا ساخرا للمجتمع تارة ومدحا لايجابياته تارة أخرى
5- ملمح معالجة بعض القضايا الاجتماعية والاقتصادية:
ومن أهم تلك القضايا التي أشار إليها في قصائده ؛ قضية إهتمام الرجال بشكل كبير للتعليق على منشورات النساء على صفحات الفيس بوك مقارنة بالتجاهل لمنشورات الرجال لاسيما الشعراء منهم حتى وإن كانت تحمل قيما وفوائد رائعة ؛ في محاولة منه لكشف جهل بعض النخب المثقفة أوعدم وعيها وعشقها للتاء المربوطة دون النظر للمضمون الذي يقدم ؛ كما وضح ذلك جليا في نص “عاشق التاء المربوطة” صفحة 56 ؛ كما عالج بشكل فلسفي قضية خصخصة شركات القطاع العام من خلال الاسقاط على شاة أم معبد، حيث فند لذلك في نصه البديع” أطلقوا شاة أم معبد”في صفحة 67، وفي نص “إلا الفقير”نراه يعالج اشكالية رغيف الخبز وارتفاع سعره ؛ حيث صور رغيف الخبز وكأنه فارس أحلام الغلابة ؛ وتجلى ذلك في صفحة 82، ولم تكن أزمة مياه نهر النيل وسد النهضة الإثيوبي لتفت الشاعر وقام بمعالجتها وتناولها من خلال شعره واصفا إياها بأنها قضية حياة أو موت كما قال في صفحة 20، وأرخ ووثق لأحداث حرب غزة الأخيرة وما فيها من مآس وفظائع وانتهاكات لمبادئ القانون الدولي موضحا رغم كل تلك التجاوزات أن الطفل الفسطيني مازال هو البوصلة ؛ ووضح ذلك في نص “البوصلة” صفحة 32

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى