أدب

قراءة في رواية “فاصلة بين نهرين” للأديبة الحلبية غفران طحان

بين رائحتين ونهرين

بقلم: شاهر خضرة | شاعر وناقد سوري – ألمانيا
هناك رواياتٌ تعبر من العين إلى العقل مباشرة، ورواياتٌ تتسلّل من منفذٍ آخر: من الأنف، من الجلد، من ارتجاف الأصابع حين تضع الكتاب على الطاولة وتقوم لتفتح نافذةً كأنك تريد أن تتأكد أن الهواء ما زال هواءً.
وأنا أقرأ هذه الرواية لم أستطع أن أكون قارئاً بارداً. لست من هذا النوع أصلاً، وأعرف هذا عن نفسي.
نحن لا نقرأ من خارج النص، بل نحمل معنا أعمارنا وتجاربنا ووجوه الذين مرّوا بنا. لهذا وجدتني، من الصفحة الأولى، أقرأ الرواية ومعها طبقات من حياتي أنا، لا حياتها وحدها. وحين يحدث هذا، أعرف أنني أمام نصّ صادق، لأن النصوص المصطنعة تبقى خارجك مهما كانت لغتها براقة.
قبل أن أدخل في الرواية نفسها، يعود بي الذهن بلا استئذان إلى حلب، إلى ربيع 2011، إلى ذلك اللقاء في مقهى المهندسين وسط المدينة. ما زلت أذكر الجوّ الحلبيّ العريق بشرا وحجرا الذي لا يشبه مدينة أخرى: مزيج من ألفةٍ عتيقة وحداثة خجولة، وأحاديث أدبية تدور دون ادّعاء. جلستُ يومها مع سيدتين وآنسة جمعهن الأدب أكثر مما جمعتهن المصادفة: الشاعرة القديرة المبدعة هزار طبّاخ، والروائية الكبيرة ابتسام تريسي، والكاتبة غفران طحّان. لم يكن في الجلسة أي شعور “بالصالون الثقافي” المتكلّف؛ كان الحديث بسيطاً، لكنه عميق. كنت أستمع أكثر مما أتكلم، وكنت أشعر أنني أمام طاقة كتابة حقيقية لا تبحث عن ضوء، بل عن معنى. غفران يومها كانت قاصة شابة-وما تزال شابة- هادئة، لا تتكلم كثيراً، لكن حين تتكلم تقول ما يكفي. لم أكن أعرف أن هذه الشابة ستكتب لاحقاً رواية تحمل هذا القدر من الثقل الإنساني.
“فاصلة بين نهرين” لغفران طحّان؛ رواية لا تشعر معها أنك تتلقى حكاية، بل أنك تدخل في مناخٍ نفسيّ طويل، كأنك تمشي في مدينة بعد مطرٍ ثقيل، كل شيء فيها مألوف لكنه مبلّل بالذاكرة.
ربما لهذا شعرت أثناء القراءة أنني لا أقرأ صوتاً غريباً تماماً، بل صوتاً نما بصمت ثم خرج ناضجاً.
“فاصلة بين نهرين” نصٌّ لا يكتفي أن يُروى، بل يصرّ أن يُحَسّ. وحين أقول يُحَسّ، فأنا لا أستعير كلمةً على سبيل البلاغة، بل أضعها في مكانها الدقيق:
هذه روايةٌ لها رائحة، بل لها نظامُ روائح كامل،
كأنها مدينةٌ أُعيد رسمها لا بالحجارة، بل بالأثر الذي يتركه الغياب في الممرات، وبالهواء الذي يمرّ فوق الأشياء فيصير ثقيلاً.
منذ العنوان، يأخذك الكتاب إلى وقفةٍ لا تشبه الوقفات العادية. “فاصلة بين نهرين”: ليست علامةَ ترقيمٍ تلتقط أنفاس الجملة، بل جملةٌ بأكملها، بل مصيرٌ معلّق، بل برزخٌ يعيش فيه الإنسان حين لا يعود يعرف أين يبدأ الماضي وأين ينتهي الحاضر. النهران يمكن أن يكونا ماءين، ويمكن أن يكونا دمعتين، ويمكن أن يكونا زمنين: قبل الحرب وبعدها، قبل أن تكتشف أن البيت ليس بالضرورة بيتاً، وبعد أن تفهم أن كلَّ شيءٍ يمكن أن ينقلب عليك، حتى السجادة التي كانت تحت قدميك وأنت تضحك في طفولتك.
يأتي الإهداء الذي لا يطلب الإذن من القلب قبل أن يصفعه: “إلى حلب؛ تلك التي أحبّ… وأكره!” جملةٌ واحدة تكفي لتشخيص مرضٍ كامل اسمه الانتماء حين يصير جرحاً. أن تحبّ مدينةً وتكرهها في اللحظة نفسها، فهذا ليس تناقضاً أخلاقياً، بل حقيقةٌ نفسية لمن عاش مكاناً صار مزدوجاً: أمّاً تُرضعك وتخنقك، حبيبةً تمنحك سببَ الحياة وتسرق منك المعنى. حلب هنا ليست صورةً سياحية ولا سرديةَ تاريخ؛ إنها مزاجٌ ثقيل، رطب، مُشبع برائحة شيءٍ مات ولم يُدفن، ولهذا يبقى يطالبك بحقِّه في الهواء.
المشهد الاستهلالي يضعك في قلب هذه الرائحة فوراً: سجادةٌ ملفوفة بإحكام، لاصقٌ، أكياسٌ، كأن أحدهم يريد أن يمنع الحقيقة من التنفّس. وحين تُفتح السجادة يظهر رجلٌ أربعينيّ جثةً، لكن المفاجأة لم تكن في المشهد وحده؛ المفاجأة هي ضحكة إياد. الضحك هنا ليس طرافةً ولا استهزاءً بالموت، بل انهيارٌ مؤجّل، آليةُ دفاعٍ أخيرة لشخصٍ وصل إلى مرحلةٍ من الصدمة يفقد فيها القدرة على البكاء، فيستعير الضحك كدرعٍ يتّقي به الجنون. والضحك – شرّ البليّة ما يُضحِك – هنا ليس نقيض البكاء، بل توأمه المشوّه؛ كلاهما محاولة فاشلة لقول: أنا ما زلت حيّاً.
ما في السجادة لم يكن “آخر” بعيداً، والرواية تشدّ المسافة بين الحيّ والميت حتى تكاد تلغيها، لأن الجثة تشبه السارد، وتشبهنا جميعاً حين نصير “جثثاً مؤجلة” تحت ضغط الأيام، نضحك لأن البكاء لم يعد ممكناً، ونواجه الفاجعة بوجهٍ يبتسم كي لا ينهار،من هذه اللحظة، تفهم أن الجثة ليست حدثاً بوليسياً، بل مرآة، هي مرآةٌ تضعها الكاتبة في منتصف الصالون وتدعونا لنمرّ واحداً واحداً أمامها، مرآةٌ قاسية لا تُظهر الوجه فقط، بل تُظهر ما وراءه: هشاشة الرجل حين تتكسر الصورة القديمة للرجولة، حين لا تعود القوة معنى، وحين يصبح البقاء وحده هو البطولة الوحيدة الممكنة، وحين يجرّ إياد الجثة إلى منتصف الغرفة ويفتح لفائفها رويداً رويداً كمن يفتح هديةً ملعونة، لا يعود السؤال: من القاتل؟ بل: ما الذي قتلنا حتى قبل أن نموت؟
في هذا النص، تعمل غفران طحّان بحاسة الشمّ كما يعمل شاعرٌ بحاسة الموسيقى، الرائحة ليست تفصيلاً عرضياً؛ إنها الخيط الذي يشدّ الرواية من أولها إلى آخرها،رائحة الجثة، رائحة الحافلة، ثم رائحة البيت، وكلّما حاولت أن تزيحها عن أنفك، عادت من مكانٍ آخر، كأنها تقول: أنا ما يلاحقك من ماضيك، وأنا أيضاً حاضرك، وأنا ما تظنّ أنك تجاوزته، بينما هو يتخمّر داخلك.
الرائحة في “فاصلة بين نهرين” ليست رائحة موت بيولوجي فقط، بل “رائحة الذاكرة المتفسخة”: حكاياتٌ لم تُروَ، جرائمُ سُكت عنها، وجوهٌ ضاعت ملامحها في زحام الحرب، وحين تطارد هذه الرائحة آدم إلى الحافلة، وسط تلاصق الأجساد وازدحام اليوم، يصبح المشهد أكثر فجيعة: أن تشعر بالتقزّز الوجودي وأنت بين الناس الذين يفترض أنهم أهلك، وكأن المدينة، بدل أن تكون حضناً، صارت فخّاً كبيراً، وكلُّ واحدٍ منا يحمل رائحته الخاصة: رائحة خوفه، رائحة كتمانه، رائحة ما لم يقله لأحد.
والأجمل – إن صحّت كلمة “الأجمل” في سياقٍ كهذا – أن الرواية تربط بين الرائحة وبين الزمن، الزمن هنا ليس تسلسلاً هادئاً من طفولةٍ إلى شبابٍ إلى كهولة، بل هو نهرٌ متشظٍّ، يقفز من مشهد الجثة إلى مشهد الطفولة، ومن ضحكة إياد الهستيرية إلى بكاءٍ صامت خلف أبوابٍ مغلقة، هذا التشتت ليس عجزاً سردياً؛ إنه صورةٌ لحالة التشظّي التي يعيشها الإنسان حين لا يعود قادراً على ترتيب آلامه، كأن الروح نفسها لم تعد تملك خيطاً واحداً، بل خيوطاً كثيرةً متداخلة، كلّ واحدة منها تشدّ في اتجاه.
هنا يدخل “القماط” كفكرةٍ عبقرية في بناء الرمزية. القماط الذي يُلفّ به الطفل الرضيع، ذلك القيد القماشي الأبيض الذي يشدّ الأضلاع بحجة الحماية، يعود في الرواية باعتباره أول درسٍ يتلقاه الإنسان عن الحب حين يكون سلطوياً. الأم، في هذا النص، ليست ملاكاً على الطريقة المعتادة، بل هي اليد التي تهدهد واليد التي تشدّ الوثاق في الوقت نفسه.
يصور السارد هذا الصراع المبكر مع ذاك “البياض” الذي أحكمتْه أمه حول جسده، معتبراً إياه أول القيود التي لم تستطع صرخاته فكّها، حيث يقول في استهلال الرواية: “وكان البياض يلفني من كل جانب: الشرشف، والقماط، ويدا أمي… وحده حزني الصاعد من غمامة دمعي السوداء كان يكسر النور الذي يفيض من كل شيء حولي”.
كأن الإنسان يبدأ حياته ملفوفاً بياضاً تحت يد الأم، وينهيها ملفوفاً بسجادة تحت يد الصدفة أو الفجيعة، وما بين اللفّتين يتعلم كيف يتنفس رغم كل شيء. ليست المسألة إذن حناناً أو قسوةً فحسب؛ إنها تلك العقدة التي تولد مع الإنسان: أن الحبّ يمكن أن يخنقك باسم أنه يحبّك.
وإذا كانت الحياة تبدأ بقماط، فإن الرواية تقول لنا، بمرارةٍ صافية، إن النهاية قد تأتي بسجادة، وهنا تتكامل الدائرة: الطفل ملفوفٌ لكي يهدأ، والرجل الميت ملفوفٌ لكي يُخفى، رحلة الإنسان في هذا العالم تبدو كأنها “رحلة بين لفّتين”.
وماذا بينهما؟هل هو هذا السعيُ المستميت لفكّ القيد، ثم اكتشاف أننا نبدّل القيد بقيدٍ آخر: قيد المجتمع، ثم الخوف، ثم الحرب، ثم المدينة التي نحبها ونكرهها في وقتٍ واحد.
حلب في الرواية ليست جغرافيا فقط، بل نفسٌ لها أحياءٌ وممرات وطبقاتٌ من الألم، حين تمرّ بنا الكاتبة على أسماء الأماكن والجسور والأحياء، لا تفعل ذلك لتصنع خريطةً سياحية، بل لتصنع خريطةَ حصارٍ نفسي، المدينة مقسومةٌ بين ضفتين، كما لو أنها فعلاً “فاصلة” في جسدٍ واحد: ضفة حياةٍ كانت صاخبةً يوماً ما، وضفة موتٍ صامت يسكن في الزوايا، وحتى البيت الحلبي، الذي كنا نظنه حافظة أسرار جميلة، يتحوّل هنا إلى مخزن أسرار مُرّة، السجادة التي شهدت ضحكات العائلة وفناجين القهوة تصبح غطاءً لجثة؛ الأشياء الأليفة تتحول إلى أدوات جريمة أو وسائل لستر الفضيحة، وهذا هو منطق الحرب حين تدخل بيتك: لا تقتل الحجر فقط، بل تقتل معنى الحجر، تقتل أمان الأشياء الصغيرة.
بين آدم وإياد تتشكل صورةٌ دقيقة للرجل السوري في زمنٍ مُعطّل. الرجل هنا لا يبحث عن بطولة، بل عن طريقة ليبقى واقفًا. آدم هو الرجل الذي يشمّ كل شيء، الذي يبحث عن معنى في التفاصيل، الذي يلتقط الرائحة كأنها دليلٌ جنائي على نفسه. إياد هو الرجل الذي يضحك من كل شيء لأنه لا يملك خياراً آخر.
وبين الشمّ والضحك يتشكل سؤالٌ موجع: كيف ننجو إذا كانت أدواتنا النفسية قد تهشمت؟
آدم يقول: “وجدت نفسي مقذوفاً إلى الحياة، وأنا أتخبط في نهرها”ويقول أيضاً: “لم أطلب يداً تمسح دموع الفزع… لقد عشت أسوأ اللحظات بمفردي”
هاتان الجملتان لا تخصان شخصيةً في رواية وحسب؛ إنهما تلخيصٌ لجيلٍ كامل عاش الفزع وحيداً، ثم حاول أن يبدو طبيعياً في صباح اليوم التالي.
وحين تقرأ الرواية بصفاء قارئٍ لا يريد أن يكتب دراسةً أكاديمية، تكتشف أن أعظم ما فيها ليس حبكتها، بل نبضها،نبضها لا يعلو بالصراخ، بل يأتي مرتجفاً كإحساسٍ خافت تحت الجلد، هي رواية تخفّض صوتها بدل أن ترفعه، وتترك أثرها في الداخل لا في الضجيج؛ تمرّ كدمعةٍ لا تسقط تماماً، لكنها تظلّ عالقة في العين، وهذا ما يجعلها قريبة، لأن الواقع نفسه لم يعد يملك ترفَ البكاء المعلن، وفي زمنٍ كهذا يغدو الارتجاف أصدق من الصراخ، ولغةً كاملة لما يعجز الصوت عن قوله.
وأنا أقرأها، تذكرت العبارة التي تقول: “نحن في مجتمعاتنا المحطمة لا ندفن موتانا، بل نعيش معهم” وهذه ليست مبالغة،ما يبقى في الصالون تحت السجادة ليس مجرد رمزٍ روائي؛ إنها طريقةُ حياةٍ كاملة، نحن نضع موتانا تحت سجادة الذاكرة، نمشي فوقها، نحاول أن ننسى رائحتهم، لكن الرائحة تبقى، تبقى لأننا لم نواجه، لأننا لم ندفن، لأننا لم نقل الحقيقة كاملةً، لأن الجملة لم تكتمل بعد، والفاصلة ما زالت معلّقة.
ثمّة خيطٌ آخر في الرواية يستحق أن يُلمس لا أن يُشرح: ذلك الهروب الخفيف إلى العالم الافتراضي، كأن فيسبوك، بهذا الاسم اليومي البارد، يتحول داخل السرد إلى نافذةٍ ثانية، أقلَّ رائحةً من الواقع، وأقلَّ تكسّراً من الشارع، كأن العالم الافتراضيهو المكان الوحيد الذي لا رائحة له، ليس الأمر زينة حداثية في نصّ روائي، بل ضرورةٌ نفسية: حين تضيق المدينة على ساكنها، يفتّش عن مدينةٍ بديلة لا تُقصف، ولو كانت شاشة.
ومن هذا الباب نفسه تدخل الأمومة لا بوصفها نشيداً وردياً، بل بوصفها قلقاً إضافياً: طفلٌ لم يولد بعد، ومساحةٌ تُترك له على حافة السرير كأنها اعتذارٌ مسبق عن عالمٍ لا يضمن شيئاً، هنا تبدو الأمومة هشاشةً وقوةً معاً: رغبةٌ في استمرار الحياة، وخوفٌ من أن تُورَّث الرائحة لوريثٍ جديد.
ولغة غفران طحّان، في كل ذلك، لغةٌ حميمةٌ قريبة من الاعتراف، لكنها لا تسقط في المباشرة، تكتب التفاصيل الصغيرة: وسادة، نافذة، رسالة، شهقة، ثم تتركها تعمل داخل القارئ عملَ قطرةٍ في حجر، لا تزخرف كثيراً، ولا تتباهى، لكنها تعرف كيف تُخرج الشعر من مكانٍ لا نتوقعه: من ضيق النفس، من عتمة الصالون، من لاصقٍ يلفّ سجادة، كأنها تقول: حتى القسوة لها موسيقى، لكننا نحتاج أن نصغي جيداً.
وفي الصفحات الأخيرة تبلغ الرمزية ذروتها في مشهد الجَرّة والنهر. حين يحمل السارد الجَرّة كما لو كان يحمل كائناً حيّاً، ثم يمضي بها إلى الماء، لا يعود الأمر تفصيلاً حكائياً، بل طقسُ تطهيرٍ أخير. كأن كل ما تراكم من خوفٍ ورائحة وذاكرة يُسلَّم للنهر ليحمله بعيداً. حتى سوء فهم الآخرين لما يحمله، وظنّهم أنه يخفي شيئاً أو يهرّب شيئاً، يضيف طبقة مؤلمة: العالم يرى السطح، بينما هو يعيش طقسه الداخلي. لحظة ترك الجَرّة عند النهر تبدو كأنها محاولة متأخرة للمصالحة مع كل ما لم يُدفن في الوقت المناسب. هنا لا تنتهي الحكاية بحدث، بل بإيماءة روحية تقول إن بعض الأثقال لا تُحَلّ، بل تُسلَّم للماء.
أخيرا،في منطقة الخاتمة، لا تقدّم غفران طحّان خلاصاً مريحاً، لا معجزة، لا نهاية وردية، لا وعد بأن آدم سيتجاوز رائحته أو أن إياد سيتوقف عن ضحكته الهستيرية، بل تتركنا في مواجهة “العدم” كما هو، وتقول لنا بطريقةٍ ضمنية: ربما الخلاص ليس أن تزول الرائحة، بل أن تعترف بها، أن تعرف أن المدينة التي تحبّها وتكرهها هي جزءٌ منك، وأنك – مثلها – جرحٌ لا يلتئم بسرعة.
ولأنني أقرأ الرواية بعين شاعر، لا بعين ناقدٍ يضع المصطلحات على الرفوف، فإني أقول: إن قوة “فاصلة بين نهرين” أنها لا تتباهى بالبطولة، شخصياتها هشّة، خائفة، مترددة، وهذا ما يجعلها حقيقية، إنها لا تكتب الحرب كرصاصٍ فقط، بل تكتبها كأثرٍ في الجسد، وكأثرٍ في الحواس،تكتب الحرب بعدما تصمت المدافع، حين تبدأ المعركة داخل الإنسانوتجعل من “حلب” كائناً ينمو داخل الشخصيات ويتنفس من خلال جراحهم، وفي ذلك كله، تبدو الرواية وكأنها عمليةُ تطهيرٍ مؤلمة: تفرغ الآلام على الورق لكي نتنفس قليلاً، حتى لو كان تنفساً مشوباً بثقلِ ما علق في الروح من أثر.
أغلق الكتاب، وأشعر أنني لم أغلقه حقاً، أشعر أنه بقي مفتوحاً في مكانٍ ما داخل صدري، هذه الروايات هي التي لا تمنحك متعةً سريعة، بل تمنحك أثراً بطيئاً، أثراً يشبه يداً باردةً على كتفك،”فاصلة بين نهرين” ليست دعوةً للتلذذ بالوجع، بل دعوةٌ للمصالحة مع الحواس، حتى تلك التي تؤلمنا كالشمّ، هي تحيةٌ لمدينةٍ يليق بها أن تُحبّ وتُكره في آن، لأنها مدينةٌ تشبه الإنسان: جميلةٌ ومكسورةٌ، عنيدةٌ ومتعَبة، تُعطيك سبباً للانتماء، ثم تتركك واقفاً في منتصف الجملة… عند فاصلةٍ طويلة.
ربما نحن أيضاً، مثل آدم، نعيش حياتنا عند فاصلةٍ طويلة، نهران يعبران فينا ولا نعرف إلى أي ضفة ننتمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى