فتيل فتنة.. قصة قصيرة

بقلم: حنان بدران
وهي تخلع عن جلدها أصوات اللحظة وروائحها، وتترك سترتها الثقيلة عند الباب، معلّقةً بعنايةٍ لا تشبه فوضى الخارج.
على كتفها ظلّ نجمةٍ زرقاء، لا تُرى إلا لمن يعرف أين ينظر.
تمشي في العتمة، وثمّة خيط ضوءٍ يتسلّل من باب المطبخ.
تمدّ يدها إلى زجاجةٍ شفافة، تسكب، وتشرب الكأس الأول دفعةً واحدة.
حلقٌ يحترق… ثم يهدأ.
في الغرفة المجاورة، تومض الشاشة.
تُلقي بجسدها على الأريكة وتجلس.
أصابعها تزحف بثقةٍ باردة؛ هي تعرف اللعبة.
في رأسها، داخل شبكةٍ محكمة، يولد اسمٌ جديد:
“أم المؤمنين”.
ثمة سؤالٌ بسيط، كإبرة:
من الأحقّ بالخلافة؟
نقرة: نشر.
سقطت في البئر.
أول صوتٍ يخرج من الظلام:
“اغتصبها… وأنتم نواصب.”
يردّ صوتٌ آخر، أسرع وأحدّ:
“بل هو الأحقّ… وأنتم روافض… كفار.”
ثم ثالث:
“قاهرهم… المجوس.”
تتكاثر الأصوات.
لا أحد يقرأ، الجميع يطلق كلماته كالرصاص.
كلُّ كلمةٍ تتحوّل إلى حجر،
وكلُّ حجرٍ يبحث عن رأس.
سكبت الكأس الثاني.
تبتسم ببرود، وتمتمت كفحيح أفعى، وعيناها تلمعان في العتمة وهي تراقب الخيط يكبر،
يتشعّب كجذورٍ سوداء تحت الأرض.
مدنٌ تدخل التعليقات:
العراق… مصر… سوريا…
لكنها لا تخرج كما دخلت.
تخرج محمّلةً بوجوهٍ متقابلة،
كلٌّ يرى في الآخر خيانةً مكتملة.
لم يعد الجدال كلامًا.
كلٌّ يشدّ العبارة نحو طائفته كما يُسحب الجريح من ذراعه،
وكلٌّ يرفع صوته كأنه يرفع رايةً فوق جسدٍ لم يبرد بعد.
الكلمات تصير خنادق،
والخنادق تعرف طريقها إلى الشوارع.
أغلقت الشاشة.
مرّت أصابعها على كتفها، حيث تختفي تلك العلامة الصغيرة.
نظرت إلى الإشعارات المتصاعدة، ثم قالت ببرود:
“أغبياء… لا عزاء لكم.”
ثم تمتمت، وعيناها على ما يتكاثر على الشاشة:
“المهمة أُنجزت… والباقي سيتكفّل بنفسه.”
في الخارج،
لم يعد أحد يسأل: من الأحقّ؟
السؤال تغيّر:
من التالي؟




