سياسة

الحروب الخفية في الإعلام وصناعة الوعي

د. نجاة الجشعمي | العراق

في زمنٍ تتسارع فيه الصور وتتنافس فيه الكلمات، لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الخبر، بل أصبح ساحة حرب خفية تُخاض بلا دماء، لكنها تترك آثارًا أعمق من الرصاص. هذه الحرب لا تُعلن نفسها، لكنها تُمارس يوميًا عبر الشاشة، عبر الهاتف، عبر اللافتة المضيئة في الشارع، عبر الكلمة التي تتسلل إلى الوعي دون أن نشعر.

الإعلام اليوم ليس مرآةً للواقع، بل مصنعًا للواقع. إنه لا يكتفي بنقل الأحداث، بل يعيد صياغتها، يختار ما يُقال وما يُخفى، يحدد ما يُسلّط عليه الضوء وما يُترك في الظل. وهكذا يصبح الإعلام قوةً خفية، قادرة على تشكيل الوعي الجمعي، على صناعة الرأي العام، على توجيه العاطفة قبل العقل.

الحرب الخفية هنا ليست مجرد مؤامرة، بل هي آلية سلطة: من يملك الصورة يملك القدرة على تشكيل الحقيقة، ومن يملك الكلمة يملك القدرة على إعادة تعريف المعنى. الإعلام لا يكتفي بأن يخبرنا بما يحدث، بل يخبرنا كيف يجب أن نشعر تجاه ما يحدث، كيف يجب أن نفكر، كيف يجب أن نختار.

في هذه الحرب، تُستخدم أدوات دقيقة: العناوين التي تُصاغ لتثير الخوف أو الأمل، الصور التي تُختار لتؤثر في العاطفة، الإحصاءات التي تُعرض لتمنح انطباعًا بالموضوعية، بينما هي في كثير من الأحيان جزء من سردية أكبر. الإعلام لا يصرخ دائمًا، بل يهمس أحيانًا، يترك أثرًا خفيًا يتراكم حتى يصبح يقينًا في ذهن المتلقي.

من منظور فلسفي، يمكن القول إن الإعلام هو اللغة الجديدة للسلطة، لغة لا تُمارس بالقوة المباشرة، بل بالتأثير الخفي، لغة لا تُفرض بالسلاح، بل بالصورة، لغة لا تُعلن نفسها، بل تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية. وهكذا يصبح الإعلام ساحة حرب خفية، حيث تُخاض المعركة على العقول لا على الأراضي، على الوعي لا على الحدود، على المستقبل لا على الحاضر.

القارئ الذي يواجه هذا النص سيجد نفسه أمام سؤال: هل نحن نختار ما نؤمن به، أم أن الإعلام يختار لنا؟ هل نحن نرى الواقع كما هو، أم كما يُعرض علينا؟ هل نحن أحرار في وعينا، أم أننا جزء من معركة أكبر تُخاض دون علمنا؟

وفي النهاية، ندرك أن الحرب الخفية في الإعلام ليست مجرد صراع على الأخبار، بل هي صراع على الوعي نفسه، على القدرة على التفكير، على الحرية الداخلية. ندرك أن الحرية لا تُحفظ إلا بالوعي النقدي، بالقدرة على رؤية ما وراء الصورة، بالقدرة على إدراك أن الحقيقة لا تُعطى جاهزة، بل تُكتشف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى