أدب

لم تنجُ من الحنين

اللعنة كم أحببتها!.. أمي مارلا الدمشقيّة بكل أناقتها

عبير داغر اسبر | سورية – مونتريال

لم تحبني أمي كما تحب الأمهات أبناءهن، كانت ذكية أكثر مما ينبغي، حنانها مقتضب وعواطفها استعمالية، لم تمارس حناناً جمالياً مستقى من قصائد ولوحات، لم تكن الأم الرؤوم، ذات الصدر النعس الذي يُرضع الحليب لأطفال الطرقات، كانت تعرف عن الحياة أكثر مما يلزم، تنطّ أجوبتها التامة بيقينية واعية لدرجة مثيرة للقلق ثم الغثيان، كانت واثقة جداً مما تقول، ويبدو الشك صفة لم تستخدمها مطلقاً كأنه لم يكن من خياراتها فهي لم تندم، لم تراجع ما فعلت، لم تعتذر والأسوأ أنها لم تتوقع مني أن أكون مثلها، واثقة أو ذكية أو يقينية المعتقد، تعالت حتى على ابنتها، كأن تلك الصفة “الأمومة” أحرجتها، وأحرجت استقلالية طالما تبجحت بها، كأن أمومتها تلك مجرد إعلان خفي عن كونها بشرية برغبات اعتيادية، وليست سيدة حداثية ساخرة من الرضاعة وأقمطة الأطفال والوظائف البيولوجية، وجلي الصحون وإيقاد شمعات الشعانين، وترك أماني السلام لبابا نويل تحت شجرة صنوبر، كانت أهم من أن تحكي حكايات عن الغزلان وزلاجات العربات والأقزام والأميرات الجميلات والنهايات باذخة السعادة. أحاديث مارلا أشد أهمية وأكثر إمتاعاً، أحاديثها تُرمى للوجود وتحاكي الأبد، تتحدث عن وظائف اللغة ودور التاريخ، تتحدث عن فوكو ورولان بارت وجاكوبسن، ترشح من جملها روائح العدم وعبثية كافكا، وسوداوية بوكوفسكي وتهتك ميلر، والضحك، الضحك يجب أن يحال حتماً لكونديرا ولاقصدية الحب، والتغزل بروح الصدفة، مارلا أمي، لم تكن أمّاً تذوب بي، كانت تنظر إليّ كمن ينظر لأحد سرق عمره وامتص كل متعه، مارلا أمي، اللعنة كم أحببتها!
وها أنا أنظر نحو حياتي كمرتحلة، حيث كبرتُ في تلك الحياة دون أم، إلاّ أنّ مارلا تذكرتني فجأة عندما افترسها مرض السرطان، وعتْ أنها لا تصلح لشيء إلا للعودة إلى الشام، عندها عادت وجرتني من خصلات شعري المجدولة، من عيني، من ضوء بشرتي المقمَر، وقفزت بي إلى بيتها القديم، عادت مخمورة لبيت العائلة، اصطحبتني إلى كل زاوية، ومخبأ وغرفة كراكيب، داست بلاطات الدار غير المتناسقة، المرقعة عبر سنوات من عيش وخراب، وأصعدتني درجات حجرية إلى بيت مفتوح على ذاته، وشرفة داخلية شكّلت ممراً للغرف العليا، غرف النساء، تنشقتُ معها كل ذرة غبار، كل رائحة عطنة تركها العابرون، مرّرتْ مارلا يدي على كل قطعة قماش وبروكار ودامسكو وحرير هندي، كان هناك عرائس من قماش بأعين مجنونة، وفساتين مفتوحة بموديلات جاكلين كنيدي، وأناقة سيدات مجتمع صغيرات.
كمن يتجول في فيلم من ستينيات القرن الماضي، شغّلت مارلا بكل أناقتها، وأصالة أرستقراطية لم تغادر أناملها أسطوانة لاريثا فرانكلين، تُركت داخل غرامافون عملاق أحضره أحد الأخوال المجانين من الهند، لم يحضر فيلاً ولا خشباً مقدساً، أحضر غرامافوناً سافر من انكلترا للهند ليستقر بالشام، ويحفظ داخله صوت أعظم مغنية ببشرة سوداء وحكايات ثقيلة عن العبودية، ضجت الموسيقى في غرف البيت، في باحته كأن الراقصين جمدوا منذ أربعين عاماً في زئبق صورة رجراج، وعادوا الآن فقط من استراحة تدخين وتابعوا رقصهم المعتوه. هكذا كان بيت مارلا..
بيت تائه بقطع أثاث ارتحلت وسكنت الغرف بطرق أكثر جنوناً، بيت عمره مئتان وخمسون عاماً، في مدينة هرمة عمرها خمسة آلاف عام، زارتها الشمس كل صباح دون نسيان.
أمي التي نجت من خُطّاب ودّ وعشّاق وزوج غيور وسرطان ثدي، لم تنجُ من الحنين، ففي وسط عوالم قزحية وأشباح أتت من أزمنة مختلفة، وصور لرجال ببدلات احتفال، وقمصان بولو، وأطفال بملابس السباحة وبنطلونات قصيرة، ونساء بشعور مرفوعة وكعوب أحذية نقرت فوق أعوام السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، في ركن غرائبي في غرفتها، أخرجت مارلا صينية نحاسية منقوش عليها شعر صوفي وقرأت:
أحنّ بأطراف النهار صبابةً وبالليل يدعوني الهوى فأجيبُ
وأيامُنــا تفنى وشـوقي زائد كأنّ زمان الشوق ليس يغيبُ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى