تاريخ

العيد في المجتمع العُماني.. عادات ومهام وفرحة متجددة

بقلم: حمد العبري – ولاية الحمراء – محافظة الداخلية – سلطنة عُمان
يعود عيد الاضحى المبارك على المجتمع العُماني محمّلًا بمعاني الفرح والتقارب والتراحم، فهو ليس مجرد أيام احتفال، بل مناسبة تتجدد فيها العادات الأصيلة والقيم الاجتماعية التي حافظ عليها الناس عبر السنين. ومن الملاحظ أن الاستعداد للعيد يبدأ قبل حلوله بفترة، حيث تنشط البيوت والأسواق، وتتحرك المجالس والأحياء في مشهد يعكس روح التعاون والمحبة بين أفراد المجتمع. وتتنوع هذه الاستعدادات بين مهام مجتمعية وأسرية، يتقاسمها الرجال والنساء والأطفال، لتتشكل صورة متكاملة لاستقبال هذه المناسبة المباركة.

 

ومن أبرز الاستعدادات التي تسبق العيد ما يمكن تسميته بالمهام المجتمعية، وهي الأعمال التي يشارك فيها أبناء الحارة أو القرية بصورة جماعية، إيمانًا منهم بأن العيد فرحة للجميع. ومن أهم هذه المهام تجهيز مصلى العيد، حيث يتعاون الأهالي في تنظيف الموقع وإزالة الأتربة والمخلفات، ثم فرشه وترتيبه لاستقبال المصلين في صباح يوم العيد. ويحرص بعض الشباب على ترتيب مواقف السيارات وتنظيم الدخول والخروج، بينما يتولى آخرون توفير المياه أو إعداد مكبرات الصوت والتأكد من جاهزية المكان. وهذه الأعمال، وإن بدت بسيطة، إلا أنها تحمل في داخلها روح التعاون والتكافل التي يتميز بها المجتمع العُماني، إذ يشعر الجميع بأنهم شركاء في صناعة فرحة العيد.
كما تبدأ حركة الأسواق قبل العيد بأيام، فتزدحم بالمشترين الباحثين عن مستلزمات العيد المختلفة، سواء الملابس أو مستلزمات الأضاحي أو المواد الغذائية. وهنا تظهر مهام الرجال بصورة واضحة، إذ يحرصون على اختيار الأضحية المناسبة وتجهيزها، باعتبار الأضحية شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام. ويولي الكثيرون اهتمامًا خاصًا بجودة الأضحية وسلامتها، كما يقوم بعضهم بتجهيز الأماكن المخصصة للذبح وترتيب الأدوات اللازمة لذلك.
ولا تتوقف مهام الرجال عند الأضحية فقط، بل تشمل أيضًا شراء الملابس الجديدة لأفراد الأسرة، وتجهيز المجالس لاستقبال الضيوف، وتوفير ما يحتاجه البيت من مواد غذائية وحلويات ومشروبات. وفي بعض الولايات والقرى العُمانية يبدأ الرجال أيضًا بتجهيز مستلزمات الشواء، من خلال إعداد الحطب أو تنظيف التنور وتجهيز الأدوات الخاصة بعملية الشواء التي تُعد من أبرز مظاهر العيد في عُمان. كما يحرص البعض على تحضير اللحوم التي ستُستخدم في “المشاكيك”، وهي من الأكلات المحببة التي تُشوى مساء أول أيام العيد، إضافة إلى تجهيز ما يُعرف بـ “التقلية”، وهي قطع صغيرة من اللحم تُطهى مع البهارات وتقدم في اليوم التالي.

أما النساء فلهن الدور الأكبر داخل المنزل، إذ تبدأ التحضيرات لديهن قبل العيد بفترة كافية. فتقوم النساء بتنظيف البيت وترتيبه وتجهيزه لاستقبال الضيوف والأقارب، حيث يُنظر إلى نظافة المنزل وحسن ترتيبه على أنها جزء من استقبال العيد وإكرام الزائرين. كما تهتم النساء بتجهيز ملابس العيد للأطفال والكبار، والتأكد من اكتمال كل ما يحتاجه أفراد الأسرة.
ومن أهم المهام التي تقوم بها النساء إعداد “الأبزرة” العُمانية، وهي خلطات البهارات التي تُستخدم في إعداد أطعمة العيد المختلفة، وخاصة الشواء والمشاكيك والتقلية. وتُعد هذه الأبزرة جزءًا مهمًا من الموروث الغذائي العُماني، حيث تختلف بعض تفاصيلها من ولاية إلى أخرى، لكنها تبقى مرتبطة بذاكرة العيد وروائحه المميزة. كما تقوم النساء بإعداد الحلويات التقليدية والقهوة العُمانية، وتجهيز أدوات الضيافة التي ستُقدَّم للزوار خلال أيام العيد.
ولا يقتصر أثر هذه التحضيرات على الجانب العملي فقط، بل تحمل أبعادًا اجتماعية وإنسانية عميقة؛ فهي تعزز روح التعاون داخل الأسرة، وتغرس في الأطفال معاني المشاركة وتحمل المسؤولية، كما تقوي روابط الجيرة والتواصل بين الناس.
فالطفل الذي يشاهد والده يشارك في تجهيز المصلى، ووالدته وهي تُعد أطعمة العيد، ينشأ وهو يحمل صورة جميلة عن العيد بوصفه مناسبة للعمل الجماعي والتراحم، وليس مجرد أيام للفرح فقط.
ومع تطور الحياة الحديثة وتغير بعض أنماط المعيشة، ما زالت هذه العادات حاضرة بقوة في المجتمع العُماني، وإن اختلفت بعض تفاصيلها. فالناس لا يزالون يرون في عيد الاضحى مناسبة لإحياء القيم الأصيلة، وصلة الأرحام، وإظهار الكرم والتعاون. ولذلك تبقى التحضيرات التي تسبق العيد جزءًا من ذاكرة المجتمع ووجدانه، تحمل معها عبق الماضي وجمال الحاضر، وتمنح العيد مكانته الخاصة في نفوس الجميع.

 

 

اللباس في أيام العيد: مظهر للفرح والهوية الاجتماعية
يُعدّ اللباس في أيام العيد من أبرز المظاهر التي تعكس فرحة المجتمع بالعيد، كما يمثل جانبًا مهمًا من جوانب الهوية الثقافية والاجتماعية. ففي ولاية الحمراء، كما في كثير من ولايات عُمان، لا يقتصر اللباس على كونه وسيلة للستر أو الزينة، بل يحمل دلالات اجتماعية وتراثية عميقة، ويُظهر ارتباط الناس بعاداتهم وتقاليدهم التي توارثوها عبر الأجيال.

لباس الرجال
يحرص الرجال منذ الساعات الأولى من صباح العيد على الظهور بأبهى صورة، فيرتدون الدشداشة العُمانية النظيفة والمكوية بعناية، ويضعون العمامة أو المِصَر على رؤوسهم، ويكتمل المظهر التقليدي بالتحزّم بالخنجر العُماني الذي يُعد رمزًا للأصالة والاعتزاز بالهوية الوطنية، كما يحمل كثير منهم العصا أثناء التوجه إلى مصلى العيد أو أثناء المشاركة في الرزحات والعازي واللقاءات الاجتماعية المختلفة.
ويكتسب هذا اللباس أهمية خاصة في أيام العيد؛ إذ لا يقتصر ارتداؤه على صلاة العيد فحسب، بل يستمر طوال أيام العيد الثلاثة أثناء الزيارات العائلية واستقبال الضيوف والمشاركة في المناسبات الاجتماعية. ويُنظر إلى حسن المظهر ونظافة اللباس باعتبارهما جزءًا من احترام المناسبة وإظهار الفرح بها.

لباس النساء
أما النساء، فيُولين جانب اللباس اهتمامًا كبيرًا قبل العيد بوقت كافٍ، حيث تبدأ الاستعدادات بتجهيز الملابس وترتيبها والعناية بكل ما يتعلق بمظهر العيد. وتحرص المرأة على ارتداء الملابس الجميلة ذات الألوان الزاهية والتطريزات المتنوعة التي تضفي على المناسبة بهجةً خاصة.
ويُراعى في هذه الملابس أن تكون ساترة ومتوافقة مع القيم الاجتماعية والعادات المتوارثة، إذ يجتمع فيها جمال المظهر مع الاحتشام الذي عُرفت به المرأة العُمانية. كما تضع النساء على رؤوسهن اللِّيسو، وهو غطاء الرأس التقليدي الذي يُعد جزءًا أصيلًا من الهيئة النسائية في الولاية، ويمنح اللباس طابعًا تراثيًا مميزًا يعكس الهوية المحلية.
وتظهر هذه الأزياء بأجمل صورها خلال الزيارات العائلية والتجمعات النسائية التي تشهدها أيام العيد، حيث تتجسد مظاهر الفرح والتواصل الاجتماعي في إطار من المحافظة على العادات والتقاليد الأصيلة.

لباس الأطفال
يحظى الأطفال بعناية خاصة فيما يتعلق بملابس العيد، إذ تُعد الملابس الجديدة من أكثر الأمور التي ينتظرونها بشوق وفرح. وقبل العيد بأيام ينشغل الآباء والأمهات بشراء الملابس أو تفصيلها لأبنائهم وبناتهم استعدادًا لهذه المناسبة السعيدة.
ويبدأ الأولاد، خصوصًا من بلغوا السابعة من العمر فأكثر، بارتداء الدشداشة العُمانية والمِصَر، ويتحزم بعضهم بحزام فضي جميل، في محاكاة للكبار وتعزيزًا لارتباطهم بالزي الوطني والعادات الاجتماعية. أما الأطفال الأصغر سنًا فتُختار لهم الملابس المناسبة لأعمارهم مع الحرص على أن يشاركوا الكبار فرحة العيد ومظاهره.
كما ترتدي البنات الملابس الجميلة الملونة المناسبة لأعمارهن، فيظهر الأطفال جميعًا في صورة تعكس البهجة والسرور اللذين يميزان أيام العيد.

البعد الاجتماعي والثقافي للّباس
ولا يقتصر دور اللباس على الجانب الشكلي فحسب، بل يؤدي دورًا ثقافيًا واجتماعيًا مهمًا في المحافظة على الهوية المحلية وترسيخ القيم والعادات في نفوس الأجيال الناشئة. فمن خلال ارتداء الزي التقليدي يتعرف الأبناء على موروثهم الثقافي، ويشعرون بالانتماء إلى مجتمعهم وتاريخه.
وعندما يجتمع أهالي الولاية في مصلى العيد، أو في السبل والمجالس العامة، أو أثناء الرزحات والعازي، تتجلى صورة المجتمع في أجمل مظاهرها؛ رجال بزيهم الوطني، ونساء بلباسهن الساتر وليسوهن التقليدي، وأطفال يشاركون الجميع فرحة العيد، في مشهد يجسد التلاحم الاجتماعي والمحافظة على الموروث الثقافي العُماني.
وهكذا يبقى لباس العيد أكثر من مجرد ثوب يُرتدى، فهو رمز للفرح والهوية والانتماء، ووسيلة من وسائل المحافظة على العادات والتقاليد التي توارثها أبناء الحمراء جيلاً بعد جيل، وظلت حاضرة في وجدان المجتمع حتى يومنا هذا.

من العادات الاجتماعية قبل العيد
ومن العادات التي يحرص عليها أهالي الولاية قبل حلول العيد إعداد الخل العُماني الذي يُستخدم في خلط البهارات وتجهيز اللحوم، سواء تلك التي ستُعد للشواء أو التي ستُطبخ خلال أيام العيد. ويُعد هذا الخل من المكونات الأساسية في المطبخ العُماني خلال هذه المناسبة، إذ يضفي نكهة مميزة على الأطعمة المرتبطة بالعيد.
ومن الجوانب الجميلة المرتبطة بهذه العادة أن توفير هذا الخل كان مدعومًا بوقف خيري قديم، حيث أوقفت إحدى نساء البلدة نخيلًا يُستفاد من إنتاجه في إعداد الخل وتجهيزه لخدمة الأهالي، وهو ما يعكس دور المرأة العُمانية في أعمال البر والإحسان، وحرص المجتمع على استدامة المنافع العامة من خلال الأوقاف.
كما تبرز قبل العيد مظاهر التكافل الاجتماعي، إذ يتم شراء قطع القماش وتوزيعها على الأسر المحتاجة والفقراء والأيتام، ثم تُخاط لهم الملابس الجديدة ليتمكنوا من استقبال العيد بفرح وسرور كبقية أفراد المجتمع. وكانت هذه العادة تمثل صورة مشرقة من صور التراحم والتآزر بين أبناء المجتمع، حيث يسعى الجميع إلى إدخال البهجة على قلوب المحتاجين، وإشعارهم بأنهم جزء أصيل من فرحة العيد وبهجته.
وتجسد هذه الممارسات قيم المجتمع العُماني القائمة على التعاون والتكافل والاهتمام بالآخرين، وهي قيم توارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل، وظلت حاضرة في الاستعدادات للعيد بوصفها جزءًا من الهوية الاجتماعية والثقافية للمجتمع.

اليوم الأول للعيد
مع إشراقة صباح يوم العيد، تستيقظ الأسر في الحمراء مبكرًا على أجواء يملؤها الفرح والسكينة، حيث يبدأ اليوم بالتجهيز لصلاة العيد وسط أصوات التكبير والتهليل التي تتردد في البيوت والأزقة، في مشهد إيماني يبعث البهجة في النفوس ويُشعر الجميع بعظمة هذه المناسبة المباركة.
وبعد صلاة الفجر، يتجه الأهالي إلى مصلى العيد رجالًا وشبابًا وأطفالًا، يرتدون أجمل الملابس التقليدية، وتتعالى أصوات التكبير:
«الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد»، فتتجسد روح العيد في أبهى صورها، وتظهر معاني المحبة والتآلف بين أبناء الولاية.
وعقب أداء صلاة العيد والاستماع إلى الخطبة، تبدأ التهاني والتبريكات بين المصلين، حيث يتبادل الناس كلمات المحبة والدعوات الصادقة بأن يعيد الله هذه المناسبة على الجميع بالخير واليمن والبركات. ثم يتوجه عدد كبير من الأهالي إلى سبلة السحمة لاستقبال سعادة والي الولاية، في عادة اجتماعية جميلة تعكس ما يتميز به المجتمع العماني من ترابط واحترام وتواصل بين أبناء المجتمع والمسؤولين.
وفي السبلة، تسود أجواء من الألفة والفرح، حيث تُقدَّم القهوة العُمانية والتمر، ويتبادل الحضور الأحاديث الودية وعبارات التهنئة، بينما يحرص الجميع على السلام على بعضهم البعض، في مشهد يعكس أصالة العادات العُمانية وعمق الروابط الاجتماعية التي يحرص الأهالي على استمرارها جيلاً بعد جيل.
وبعد انتهاء اللقاءات الرسمية والاجتماعية، تبدأ الأسر في التوجه إلى أعمال يوم العيد المختلفة؛ فالبعض يعود إلى المنازل للاستعداد لذبح الأضاحي، حيث تجتمع العائلة في أجواء مليئة بالتعاون والفرح لإحياء هذه الشعيرة المباركة، بينما يبدأ آخرون مباشرة بزيارة الأقارب، خصوصًا كبار السن والمرضى والأرحام الأقربين، حرصًا على صلة الرحم وإدخال السرور إلى القلوب في هذا اليوم العظيم.
ومن جانبٍ آخر، يحمل اليوم الأول من العيد جانبًا مهمًا يرتبط بالعادات الغذائية والموروث الاجتماعي المرتبط بالأضحية، حيث تبدأ الأسر بعد الانتهاء من ذبح الأضاحي وتوزيع الصدقات والأنصبة المخصصة للفقراء والأقارب والجيران، في فرز ما تبقى من اللحوم وتجهيزها للأكلات التقليدية التي ارتبطت بعيد الاضحى في المجتمع العُماني منذ زمن طويل.
فجزءٌ من اللحوم يُخصَّص لإعداد “الشواء العُماني”، وهو من أبرز الأطباق التقليدية التي تميز العيد، حيث تُتبل اللحوم بعناية باستخدام مجموعة من البهارات العُمانية المعروفة، ثم تُلف في سعف النخيل أو الأكياس المخصصة لذلك، استعدادًا لإنزالها في “تنور الشواء” المدفون في الأرض. وبعد إغلاق التنور بإحكام، تُترك اللحوم لساعات طويلة حتى تنضج ببطء على حرارة الجمر، ولا تُستخرج إلا في اليوم الثالث من العيد، لتكون الوجبة الرئيسة على مائدة غداء ذلك اليوم، حيث تجتمع الأسر لتناول الشواء وسط أجواء من الفرح واللقاءات العائلية.
أما الجزء الآخر من اللحوم، فيُخصَّص لإعداد “المشاكيك”، وهي من الأكلات المحببة في ليالي العيد، حيث تُقطَّع اللحوم إلى مكعبات صغيرة وتُتبل بالبهارات، ثم تُغرز في الأسياخ وتشوى على الفحم مساء اليوم الأول، فتفوح رائحتها في الأحياء والمجالس، ويجتمع حولها الكبار والصغار في أجواء يغلب عليها الفرح والأنس والسمر.
في حين يُستخدم جزء ثالث من اللحوم لإعداد “التقلية”، وهي من الوجبات التقليدية المرتبطة بصباحات العيد، حيث يُقطَّع اللحم إلى أجزاء صغيرة ويُطهى مع عدد من البهارات المحلية حتى يكتسب نكهته المميزة. وتُقدَّم التقلية عادة في صباح اليوم الثاني من العيد خلال فترة الإفطار، وتؤكل مع “الجوال” وهو أحد أنواع الخبز العُماني التقليدي، ويُرافقهما العسل العُماني المعروف بجودته العالية وطعمه الأصيل، لتكتمل بذلك مائدة تعكس ثراء المطبخ العُماني وارتباطه بالعادات الاجتماعية والتراثية المتوارثة.
وتستمر الزيارات العائلية طوال اليوم الأول، فتُفتح المجالس والبيوت لاستقبال المهنئين، وتُقدَّم الأطعمة والحلوى والقهوة العُمانية، وتتعالى أصوات الأطفال بفرحتهم وهم يرتدون ملابس العيد ويتنقلون بين البيوت، في صورة جميلة تعكس روح العيد الحقيقية بما تحمله من محبة وتسامح وتراحم بين الناس.

السِّبَل العُمانية… نكهة اللقاء في أيام العيد
ومن العادات الاجتماعية الراسخة في أيام العيد وجود المجالس العامة المعروفة بـ “السِّبَل”، وهي مجالس اجتماعية تتبع لعائلة معينة أو الفخيذة من فخائذ القبيلة، وقد تكون أحيانًا لقبيلة كاملة أو لمجموعة من القبائل في الولاية. وتمثل هذه السبل أحد أهم المظاهر الاجتماعية التي تعكس روح الترابط والتلاحم بين أفراد المجتمع.
وخلال أيام العيد، وخاصة من اليوم الأول وحتى اليوم الثالث، يحرص الأهالي على المرور بهذه السبل تباعًا، حيث تُفتح أبوابها لاستقبال المهنئين والزوار، ويتبادل فيها الناس التهاني والأحاديث الودية، وتُقدَّم القهوة العُمانية والضيافة التقليدية في أجواء يسودها الود والألفة.
ولكل سبلة طابعها الخاص ونكهتها الاجتماعية المميزة؛ فبعضها يشتهر بكثرة رواده، وبعضها بطابعه التراثي أو بحضور كبار السن وأهل الحكمة فيه، فيما تمتاز أخرى بروح الشباب أو بالأحاديث المرتبطة بتاريخ الأسرة والولاية. وتتحول هذه السبل في العيد إلى محطات لقاء يومية يتجدد فيها التواصل بين الأقارب والجيران والأصدقاء، وتُستعاد فيها الذكريات القديمة والمواقف الجميلة.
كما تؤدي السبل دورًا مهمًا في ترسيخ قيم الاحترام والتعارف وصلة الرحم، حيث يتعلم الأبناء من خلالها آداب المجالس، وطريقة استقبال الضيوف، وأهمية المشاركة الاجتماعية، فتظل السِّبَل مدرسة مجتمعية مفتوحة تحفظ للمجتمع تماسكه وهويته الأصيلة.

اليوم الثاني من العيد… يوم الألفة الاجتماعية واستكمال الفرح
يأتي اليوم الثاني من العيد محمّلًا بروح الألفة الاجتماعية، وقد هدأت فيه بعض مشاغل اليوم الأول، لتبدأ الأسر في التفرغ أكثر للزيارات والاجتماعات العائلية والاحتفاء الجماعي ببهجة العيد. وفي هذا اليوم تتجلى صور التعاون والترابط بين أفراد المجتمع بصورة واضحة، حيث تتداخل العادات الاجتماعية مع روح العبادة والفرح والتواصل.
وتبدأ حركة البيت منذ ساعات الفجر الأولى، حيث تنشط المرأة مبكرًا قبل أذان الفجر لإعداد بعض الأطعمة التقليدية التي ارتبطت بأيام العيد، ومن أبرزها “التقلية”، إضافة إلى إعداد “الجوال” وتحضير أدوات الضيافة وما يحتاجه البيت لاستقبال يوم جديد من أيام العيد. ثم تتوقف هذه الأعمال مع أذان الفجر لأداء الصلاة، وتقوم المرأة كذلك بإيقاظ أفراد الأسرة للصلاة، في مشهد يعكس روح المسؤولية والترابط الأسري.
وعادة ما يكون الإفطار في أيام العيد متأخرًا نسبيًا مقارنة بالأيام المعتادة، إذ يجتمع أفراد الأسرة على المائدة ما بين الساعة الثامنة والتاسعة صباحًا، رجالًا ونساءً وأطفالًا، في جلسة أسرية دافئة يشارك فيها الجميع الطعام والحديث والسرور. ويعد هذا الاجتماع من أهم مظاهر العيد الاجتماعية، حيث يلتقي أفراد الأسرة الممتدة الذين قد تفرّقهم ظروف الحياة طوال العام.
ولا يقتصر الأمر على الأسرة الواحدة، بل تمتد موائد العيد لتشمل الجيران والأقارب، ففي أوقات مختلفة يجتمع الرجال مع الرجال، والنساء مع النساء، لتناول الطعام وتبادل الأحاديث والتهاني، في صورة تعكس عمق التلاحم الاجتماعي الذي يميز المجتمع العُماني.
وبعد الإفطار تستكمل الزيارات العائلية، خاصة للأسر والأرحام الذين تعذر الوصول إليهم في اليوم الأول بسبب كثرة المهام والانشغالات المرتبطة بالأضاحي والضيافة. كما يشهد هذا اليوم نشاطًا ملحوظًا في التواصل مع الأرحام البعيدين عبر وسائل التواصل الحديثة، سواء بالمكالمات أو الرسائل أو اللقاءات المرئية، لتبقى مشاعر العيد حاضرة حتى مع البعيدين.
أما في فترة العصر، فيتجه المجتمع إلى مكان يعرف بـ “الحبل”، وهو ساحة اجتماعية مفتوحة تحتضن احتفالات العيد الشعبية، حيث تتعالى أصوات “الراحة” و” التعيوطة”،(الاسم المحلي للعازي) وتقام عروض ركض الخيل، وتنتشر أماكن البيع والشراء المخصصة للأطفال، إلى جانب الألعاب الشعبية ومظاهر الفرح التي تستمر حتى قبيل صلاة المغرب. ويعد هذا التجمع مناسبة اجتماعية كبرى يلتقي فيها أبناء الولاية بمختلف أعمارهم، فتتجدد العلاقات وتُصان الروابط الاجتماعية.
ومن الجوانب الجميلة التي تستحق الإشارة في هذا اليوم ما يعرف بـ “التاجر الصغير”، حيث يقيم الأطفال بسطات صغيرة يبيعون فيها بعض المأكولات أو الألعاب أو المنتجات البسيطة لأقرانهم، فيتعلمون من خلالها مبادئ البيع والشراء والتعامل مع الآخرين، في صورة تربوية واجتماعية تحمل كثيرًا من المعاني الجميلة المرتبطة بالاعتماد على النفس وتنمية المهارات.
وفي ليل اليوم الثاني، تعود الأسر إلى بيوتها بعد يوم حافل بالحركة واللقاءات، فيجتمع أفرادها للحديث عمّا جرى خلال النهار، واستذكار المواقف الجميلة، وتقييم ما تم إنجازه، مع التخطيط لفعاليات اليوم الثالث من العيد، وكأن العيد مدرسة اجتماعية متكاملة تعيد تشكيل العلاقات الأسرية والمجتمعية بروح من المحبة والتعاون.
وهكذا يبقى اليوم الثاني من العيد يومًا تتعزز فيه قيم التراحم وصلة الرحم والتعاون الاجتماعي، وتتجسد فيه ملامح الهوية العُمانية الأصيلة التي حافظت على جمال العادات والتقاليد جيلاً بعد جيل.

اليوم الثالث من العيد… يوم الشوى وملتقى المجتمع
يأتي اليوم الثالث من أيام العيد حاملاً معه طابعًا مختلفًا عن اليومين السابقين، فهو اليوم الذي تبلغ فيه فرحة العيد ذروتها الاجتماعية، وتظهر فيه بصورة واضحة روح الجماعة والتآلف التي يتميز بها المجتمع العُماني، حيث تتلاقى العادات الاجتماعية مع الفنون الشعبية والمظاهر التراثية في لوحة متكاملة من الفرح والهوية والانتماء.
ويُعرف هذا اليوم في كثير من ولايات عُمان، ومنها ولاية الحمراء، بأنه يوم “الشوى”، وهو اليوم الذي يُستخرج فيه اللحم من التنور بعد أن قضى ما يقارب يومين كاملين مدفونًا في حرارة الأرض، متشبعًا بروائح التوابل والأبزار العُمانية التقليدية التي أُعد بها منذ اليوم الأول للعيد. ولذلك فإن لهذا اليوم خصوصية كبيرة، إذ ينتظره الجميع بشوق، كبارًا وصغارًا.

جلسة الشوى… ملتقى الرجال وأهل الولاية
منذ ساعات الصباح الأولى يبدأ الرجال بالتوافد إلى سبلة السحمة، وهي المكان الذي يجتمع فيه أهل الولاية في هذا اليوم، في مشهد اجتماعي واسع لا يقتصر على سكان الحمراء فقط، بل يحضره أيضًا أبناء الولاية المقيمون خارجها، إضافة إلى ضيوف وأقارب يحرصون على المشاركة في هذه المناسبة الاجتماعية المهمة.
وتتحول السبلة إلى مجلس عام نابض بالحياة؛ فالجميع يتبادلون التهاني والدعوات الطيبة، ويتصافحون بحرارة تعكس عمق العلاقات الاجتماعية التي لا تزال محافظة على حضورها القوي رغم تغير الزمن. وتدور الأحاديث الودية بين الحاضرين حول العيد والأهل وأخبار الناس، بينما تُقدَّم القهوة العُمانية والتمر في أجواء يغلب عليها الكرم والبشاشة.
وفي بعض الأحيان تُلقى كلمات ترحيبية أو مواعظ قصيرة أو قصائد شعرية تتغنى بالعيد والوطن والعادات الأصيلة، كما قد يستعيد كبار السن بعض ذكريات الأعياد القديمة، فينصت إليهم الشباب باهتمام، لتصبح هذه اللقاءات أيضًا وسيلة لنقل الموروث الاجتماعي والثقافي بين الأجيال.

الرزحات والعازي… صوت التراث في العيد
ومع تزايد أعداد الحضور تبدأ الفنون الشعبية بأخذ مكانها في الساحة، فتصدح أصوات الرزحات والعازي التي تشكل أحد أبرز رموز الاحتفال في المجتمع العُماني.
فالرجال يصطفون في صفوف متقابلة، ويرددون الأهازيج والقصائد الحماسية بإيقاعات متناغمة، فيما يتقدم شاعر العازي أو قائده بإلقاء الكلمات التي تمجد القيم الأصيلة مثل الشجاعة والكرم والوحدة والتكاتف.
ولا تقتصر هذه الفنون على كونها وسيلة للترفيه، بل تمثل امتدادًا للهوية الثقافية العُمانية، وحفظًا لذاكرة المجتمع، كما تمنح الأطفال والشباب فرصة للتعرف على تراث آبائهم وأجدادهم بصورة حية ومباشرة.
وجبة الشواء… طقس اجتماعي تتجسد فيه المشاركة
ويظل الحدث الأبرز في هذا اليوم هو استخراج “الشواء” من التنور، وهي لحظة ينتظرها الجميع بشغف.
فبعد فتح التنور تُخرج أكياس اللحم الملفوفة بعناية، وقد اكتسبت لونًا ورائحةً مميزين نتيجة طول مدة الطهي وحرارة التنور الطبيعية.
ثم تبدأ عملية توزيع الشواء وتجهيزه لتناول الغداء الجماعي، حيث يُقدَّم مع الأرز في وجبة تعد من أهم الوجبات المرتبطة بالعيد في عُمان.
ولا يُنظر إلى هذه الوجبة على أنها مجرد طعام، بل هي مناسبة اجتماعية تعزز روح المشاركة والتقارب، إذ يجتمع حولها الأقارب والجيران والأصدقاء في أجواء يغمرها الفرح والرضا.
دور النساء… جهد متواصل وصناعة لفرحة العيد
وفي الجانب الآخر من البيت والمجتمع، تواصل النساء أداء دورهن الكبير في إنجاح هذا اليوم. فمنذ الصباح الباكر يبدأن في التحضير لوجبة الغداء العائلية، وترتيب البيت، واستقبال الضيوف، وتجهيز الأطعمة والمشروبات، وسط حركة لا تهدأ.
ويظهر في هذا اليوم التعاون الأسري بصورة واضحة، حيث تتشارك النساء المهام فيما بينهن، وتتبادل الأسر بعض الأطعمة، وتتحول البيوت إلى أماكن عامرة بالحياة والضيافة.
كما تحرص النساء على تهيئة الأطفال وإلباسهم ملابس العيد، وإعداد الأجواء المناسبة لخروجهم إلى مواقع الاحتفال والفنون الشعبية.
الأطفال والعزوة… ذاكرة الفرح الأولى
أما الأطفال، فإن اليوم الثالث يمثل بالنسبة لهم مساحة واسعة من الفرح والانطلاق. فهم يتهيؤون منذ الصباح للخروج إلى “العزوة”، حيث تُقام الرزحات والعازي، ويتابعون عروض الفنون الشعبية بحماس كبير، كما يستمتعون بالتجول وشراء بعض الحلوى والألعاب والمقتنيات البسيطة المرتبطة بالعيد.
ويعيش الأطفال في هذا اليوم حالة من البهجة الجماعية، إذ يلتقون بأبناء الأقارب والجيران، وتتكون بينهم ذكريات تبقى مرتبطة بالعيد لسنوات طويلة.

عروض الخيل والفروسية… حضور الأصالة والشجاعة
ومن المشاهد الجميلة التي تميز هذا اليوم أيضًا عروض الفرسان والخيل، حيث يقدم الفرسان استعراضات تراثية تعبّر عن مهارات الفروسية والشجاعة، في مشهد يربط الحاضر بالماضي، ويستحضر مكانة الخيل في الثقافة العُمانية.
وتجذب هذه العروض أنظار الحاضرين، خاصة الأطفال، لما تحمله من حماس وحركة وجمال، كما تضفي على أجواء العيد مزيدًا من البهجة والفخر بالتراث الوطني.

ختام أيام العيد
ومع انتهاء اليوم الثالث تبدأ أجواء العيد بالهدوء تدريجيًا، إلا أن أثر هذه الأيام يبقى حاضرًا في النفوس، بما حملته من لقاءات وصلة رحم وتعاون وفرح جماعي.
فالعيد في المجتمع العُماني ليس مجرد مناسبة عابرة، بل هو مدرسة اجتماعية متكاملة تُجدد الروابط الإنسانية، وتحفظ العادات الأصيلة، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة معايشة التراث بكل تفاصيله الحية.

ملحق الصور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى