تاريخ

التاريخ بين التقديس والتدنيس

د. طارق حامد| كاتب مصري

فهذا كتاب ينبع من قلقٍ عميق، ومن سؤالٍ ملحٍّ يطارحُنا في مساءاتنا الفكرية، ويقتحمُ علينا صباحاتنا الثقافية: كيف نقرأ تاريخنا؟ بل والأعمق: كيف نفهم التاريخ أصلاً؟ هل هو سردٌ لماضٍ انقضى، أم حكمةٌ لحاضرٍ نعيشه، وبصيرةٌ لمستقبلٍ ننتظره؟

لطالما وقفنا -كأمة تحمل تراثاً حضارياً هائلاً- أمام تاريخنا موقفين متقابلين: موقفُ التقديس، الذي يحوِّل الماضي إلى هالةٍ مقدسةٍ لا تُمس، يقدس الرجال والوقائع، ويخلط بين الثوابت الشرعية والتراث التاريخي البشري القابل للنقد والمراجعة. وموقفُ التدنيس، الذي يقفز على كل تراث الأمة، ويُعامله بمنطق الإدانة الشاملة، وكأن أمتنا لم تنجب إلا الظلام والانحطاط. وكلا الموقفين، في حقيقته، هروبٌ من المسؤولية: هروبٌ من مواجهة الحاضر بكل تعقيداته، باستخدام الماضي إما كملاذٍ وهمي، أو ككبش فداءٍ سهل.

من هنا جاءت فكرة هذا الكتاب: محاولةٌ لرسم طريق ثالث، طريق الفهم لا التقديس، والنقد البناء لا التدنيس. طريقٌ يجعل من التاريخ علماً إنسانياً، يخضع لمناهج النقد والتحقيق، ويعترف بفضل السابقين دون أن يُسقِط عنا واجب المساءلة. طريقٌ يرى في التاريخ “سنناً” وقواعد كلية، تحكم حركة الأمم والدول، وتربط الماضي بالحاضر، وتُضيء معالم المستقبل.

في هذا الكتاب، سنسافر معاً عبر محطات أساسية:
نبدأ من سؤال المنهج:كيف نفهم التاريخ؟ وما القواعد التي تضبط هذه العملية العقلية الدقيقة؟
ثم نستعرض الأخطاء التي وقع فيها كُتَّاب التاريخ قديماًوحديثاً، والأخطاء التي وقع فيها المؤرخون أنفسهم تحت وطأة التحيز أو ضغوط السلطة.
ونتوقف طويلاًعند ظاهرة تشويه التاريخ، أهدافها ووسائلها الخبيثة، التي تستهدف قطع الأمة عن جذورها، وإفقادها ثقتها بنفسها.
ونحاول أن نؤصل لفلسفة تاريخية حضارية،تنطلق من رؤية الإسلام للزمن والحياة والإنسان، دون انغلاق على التراث العالمي من حولنا.

ولأن التاريخ ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة عملية، فقد خصصنا فصولاً لبيان كيف يساعدنا فهم التاريخ في تفسير أحداثنا المعاصرة المركبة، وفي إدارة شؤوننا السياسية والاجتماعية. وسنناقش بعمق إشكالية العلاقة بين تاريخ الأمة الإسلامية وحاضرها المتأزم، محاولين استخلاص الدروس التي تُعيد بناء جسور الأمل والنهضة.

كما سنتناول دور التاريخ في فهم التحولات الاجتماعية والاقتصادية الكبرى، وكيف يمكن أن ننتقل من مجرد سرد الوقائع إلى النزعة التطبيقية الفاعلة، التي تستخرج العبر، وتطبق السنن، وتساهم في التنظير لمستقبل أفضل.

هذه الصفحات ليست دفاعاً عن تاريخٍ معصوم، ولا هجوماً على تراثٍ منحط. إنها دعوةٌ إلى وعي تاريخي ناضج، يرى في الماضي أستاذاً لا معصوماً، وفي الحاضر تحديّاً لا كارثة، وفي المستقبل أفقاً لا مجهولاً. إنها محاولةٌ لرد الاعتبار لعلم التاريخ كواحدٍ من أهم أدوات النهضة، الذي “لا يُعرف الحاضر حق المعرفة إلا بمعرفة الماضي، ولا يُستشرف المستقبل إلا بفهم سنن التغيير التي تحكم حركتهما”.

هذه الرحلة الفكرية، أقدمها لكل باحث عن الحقيقة، وكل غيور على هوية أمته، وكل راغب في أن يكون للتاريخ معنى في حياته، وفعلاً في واقعه. راجياً من الله تعالى أن تكون هذه الكلمات لبنةً في بناء وعيٍ تاريخيٍ جديد، يُعيد للأمة بوصلةَ الزمن، وتوازنَ الذاكرة، وأملَ المستقبل.

الفصل الأول: كيف نفهم التاريخ؟

يطرح سؤال “كيف نفهم التاريخ؟” إشكالًا مركزيًا لا يقتصر على الباحثين المتخصصين، بل يمتد إلى كل قارئ يتعامل مع النصوص والسرديات التاريخية. الفهم هنا ليس مجرد عملية استقبال للمعلومات، بل هو نشاط عقلي معقد يجمع بين التحليل والنقد والتأويل. إنه الجسر الذي يربط بين الوقائع الخام التي وقعت في الماضي، والمعنى الذي نعطيه لها في حاضرنا. هذا الفصل محاولة لتأسيس رؤية منهجية لهذا النشاط الفكري، تنتقل بالتاريخ من كونه حكايات تُروى إلى كونه علمًا إنسانيًا يخضع لأدوات التحقيق والاستنباط.

1. التاريخ: ليس سردًا للأحداث فقط

يقع كثير من القراء في خلط أساسي بين التاريخ وبين سرد الأحداث. فالسرد هو المادة الأولية، وهو التسجيل الزمني لما حدث. أما التاريخ، بمفهومه العلمي والتحليلي، فهو “عملية إعادة بناء الماضي بناءً على الأدلة المتاحة، عبر منهج نقدي، بقصد فهمه وتفسيره”. كما يرى المؤرخ البريطاني إدوارد كار أن “التاريخ هو حوار لا ينقطع بين الماضي والحاضر”¹. فهو لا يقتصر على جمع الوقائع كقطع أثرية في متحف، بل يحاول فهم السياقات، وتحليل العلاقات، واستخلاص الأنماط والدلالات.

فمثلاً، سرد معركة ما بتواريخها وعدد المشاركين فيها هو عمل تأريخي أولي. أما فهم أسباب تلك المعركة، وتحليل العوامل السياسية والاقتصادية التي أدت إليها، ودراسة نتائجها بعيدة المدى على التركيبة الاجتماعية، واستخلاظ ما تكشفه عن طبيعة الصراع على السلطة في ذلك العصر – فهذا هو الفعل التاريخي الحقيقي. التاريخ هنا يتجاوز ماذا حدث؟ إلى لماذا حدث؟ وكيف؟ وما عواقبه؟، وهو ما يسميه المؤرخ العربي عبد العزيز الدوري “التاريخ الهادف” الذي يسعى لفهم حركة المجتمع وتحولاته².

2. التاريخ كوقائع أم التاريخ كرواية؟

ينقسم الفكر التاريخي المعاصر حول طبيعة المادة التاريخية نفسها. هناك من يرى، مثل ليوبولد فون رانكه في القرن التاسھ عشر، أن على المؤرخ أن يروي الماضي “كما حدث حقًا” (wie es eigentlich gewesen)³، مؤكدًا على الموضوعية المطلقة وإمكانية الوصول إلى الحقيقة الواقعة. هذا الموقف يعتبر التاريخ سلسلة من الوقائع الثابتة التي يمكن اكتشافها.

في المقابل، تطورت مدارس تاريخية، خاصة في القرن العشرين، لتؤكد على الطبيعة التركيبية والنسبية للمعرفة التاريخية. فالمؤرخ لا يلتقي الماضي مباشرة، بل من خلال آثار ووثائق وأدلة هي نفسها منتقاة وغير كاملة. وهو يقارب هذه الأدلة من خلال منظومته الفكرية وأسئلته الحاضرة ولغته. لذا، يرى المؤرخ الفرنسي بول فين أن “التاريخ هو بناء روائي”، بمعنى أنه سرد مُنظَّم ومؤوَّل للماضي، وليس انعكاسًا آليًا له⁴. فالرواية التاريخية، رغم التزامها بصرامة منهجية، تظل محاولة بشرية لإعادة تركيب الماضي وفق رؤية محددة.

لا يعني هذا أن التاريخ يصبح خيالاً محضًا أو أن كل الروايات متساوية. بل يعني أن الفهم الحقيقي للتاريخ يبدأ بالإقرار بأننا نتعامل مع تمثيلات للماضي، وليس مع الماضي ذاته. المهمة المنهجية تكمن في تقييم صلابة هذه التمثيلات، من خلال نقد مصادرها، وفحص اتساقها المنطقي، ومقارنتها بشواهد أخرى. الفهم السليم هو الذي يدرك هذه الثنائية: الالتزام بالبحث عن الحقيقة من خلال الوثيقة، مع الاعتراف بالحدود الذاتية والثقافية لعملية إعادة البناء.

3. دور العقل النقدي في قراءة التاريخ

إذا كانت المادة التاريخية قابلة للتأويل والتركيب، فإن سلاح القارئ الأول في مواجهة هذا التعدد هو العقل النقدي. القراءة النقدية هي التي تتساءل دائمًا: من كَتَبَ هذا النص؟ ومتى؟ وفي أي ظرف؟ وما هي أهدافه المعلنة والخافية؟ وما المصادر التي اعتمد عليها؟ وما التي أغفلها؟ ومن المستفيد من هذه الرواية تحديدًا؟

هذا العقل النقدي يحصن القارئ من قبول الروايات بشكل سلبي، سواء كانت تخدم نزعة التقديس التي تقدم الماضي كمثال كامل لا يُناقش، أو نزعة التدنيس التي تختزله في سلسلة من الأخطاء والهزائم. العقل النقدي يبحث عن التعقيد ويشك في البساطة المفرطة. فالتاريخ، كما يذكر المفكر المغربي محمد عابد الجابري، “ليس خطًا مستقيماً تسير فيه الأمة من مجد إلى مجد، أو من هزيمة إلى هزيمة، بل هو حركة جدلية معقدة تتقاطع فيها عوامل متعددة”⁵.

فهم التاريخ فهمًا نقديًا يعني رؤيته كساحة صراع وتفاعل بين قوى اجتماعية، ومصالح اقتصادية، وأفكار متنافسة. يعني فكك الخطاب التاريخي السائد لمعرفة من يصنعه ولمصلحة من. كما يعني، في السياق العربي الإسلامي، التمييز الواضح بين النصوص الدينية الثابتة التي لها حرمتها وقدسيتها، والتاريخ البشري الذي هو اجتهاد إنساني قابل للصواب والخطأ، والنقد والمراجعة. فخلط المجالين، كما يحذر الدكتور محمد أركون، يؤدي إما إلى “تأليه التاريخ” أو إلى “تخليص الدين من تاريخيته”⁶، وكلاهما إشكالية منهجية كبرى.

4. العلاقة الجدلية بين الذاكرة الجمعية والهوية والتاريخ

لا يعمل الفهم التاريخي في فراغ، بل هو جزء من عملية تشكيل الهوية الجماعية. فالأمم والمجتمعات تبني تصورها عن ذاتها من خلال ذاكرتها الجمعية، وهي تلك الصورة الانتقائية عن الماضي التي تتناقلها الأجيال عبر التعليم والأساطير والتقاليد والإعلام⁷. التاريخ العلمي، في علاقته بالذاكرة الجمعية، علاقة جدلية: فهو من ناحية يستمد بعض مادته الأولية منها، وهو من ناحية أخرى يحاول نقدها وتصحيحها وتعميقها بواسطة المنهج.

تكمن الخطورة حين تتحول الذاكرة الجمعية إلى تاريخ رسمي مغلق، تُجمد بموجبه رواية واحدة للحدث وتُقدس، وتُمنع الروايات الأخرى. هذا يقتل الفهم التاريخي، لأنه يحوله من عملية بحث دائمة إلى عقيدة جامدة. من هنا تأتي أهمية الفصل بين الهوية كحاجة نفسية واجتماعية للإحساس بالانتماء والاستمرار، وبين الحقيقة التاريخية كقيمة معرفية قائمة على البحث والاستدلال. الفهم الناضج هو الذي يسمح للهوية أن تتغذى من التاريخ دون أن تسجنه أو تشوهه لخدمتها.

فهمنا للتاريخ، في الختام، ليس ترفًا أكاديميًا. إنه أداة وعي. وعي بحركة المجتمعات، وعي بتركيبة الحاضر، وعي بإمكانيات المستقبل. هو الحصانة ضد خطاب الكراهية الذي يشيطن الآخر بناءً على قراءة خاطئة للماضي، وهو الدرع ضد اليأس الذي يرى الحاضر كقطيعة مع كل ما هو جميل في التراث. القراءة المتوازنة للتاريخ تمنحنا اتزان الذاكرة: أن نتذكر بما يكفي لنتعلم، وأن ننسى بما يكفي لنتقدم.

هوامش الفصل الأول

¹  Carr, Edward Hallett. What is History?. Penguin Books, 1961, p. 30. (إدوارد هاليت كار، ما هو التاريخ؟، ترجمة: محمد مستجير مصطفى، عالم المعرفة، الكويت، العدد 107، 1986، ص 42).
²  الدوري،عبد العزيز. مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي. مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط 9، 2005، ص 15-16.
³  Ranke,Leopold von. Geschichten der romanischen und germanischen Völker von 1494 bis 1514. Vorrede zur ersten Ausgabe, 1824. (انظر: إي. هـ. كار، المرجع السابق، ص 16).
⁴  Veyne,Paul. Comment on écrit l’histoire. Éditions du Seuil, 1971. (بول فين، كيف نكتب التاريخ؟، ترجمة: عبد الله المتقي، دار توبقال، المغرب، 1992، ص 87).
⁵  الجابري،محمد عابد. نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي. المركز الثقافي العربي، بيروت والدار البيضاء، ط 6، 1993، ص 27.
⁶  أركون،محمد. الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد. ترجمة: هاشم صالح، دار الساقي، لندن، ط 5، 1996، ص 114.
⁷  Halbwachs,Maurice. La mémoire collective. Presses Universitaires de France, 1950. (موريس هالبواكس، الذاكرة الجمعية، ترجمة: د. سليم حداد، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2012، ص 83).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى