علوم

بين المجال المغناطيسي والدين: تشابه في التأثير والتوجيه

بقلم: أ.د/ محروس رشاد أحمد
أستاذ الفيزياء – كلية العلوم – جامعة سوهاج

منذ فجر التاريخ، حاول الإنسان فهم الظواهر الاجتماعية والنفسية من خلال إسقاطها على قوانين الطبيعة الفيزيائية، باحثاً عن وحدة الخيط الناظم للكون. وإذا تأملنا بعمق، سنجد تشابهًا بنيويًا مذهلاً بين تأثير المجال المغناطيسي على الشحنات والسبينات، أو ما يُعرف بالعزوم المغناطيسية في عالم الفيزياء، وبين تأثير الدين، على متبعيه وتوجيه سلوكهم وحركتهم في عالم الاجتماع الإنساني. كلا المفهومين يعتمدان بالأساس على فكرة القوة الخفية المؤثرة التي تحول العشوائية إلى نظام، والشتات إلى اتجاه موحد، مع الحفاظ على مسارات متوازية متناغمة تمنع التصادم والتناقض.
في غياب المؤثر الخارجي الموجه، يعيش أي نظام في حالة من التشتت وضياع الهوية. ففي الفيزياء، وقبل تطبيق مجال مغناطيسي خارجي على مادة قابلة للمغنطة مثل الحديد، تكون السبينات أو العزوم المغناطيسية للذرات موجهة في اتجاهات عشوائية ومختلفة، حيث يلغي كل سبين الآخر، لتكون النتيجة الإجمالية للمادة هي صفر مغناطيسية، وتظل مجرد قطعة معدنية خاملة. يقابل هذا النمط في المجتمع البشري حالة التشتت الفكري والسلوكي والعشوائية الأخلاقية قبل ظهور الرسالة الدينية أو العقائدية التي تجمع الناس؛ حيث تتضارب الرغبات، وتتحرك الشحنات البشرية بناءً على الهوى والدافع الفردي الخالص، مما يفقد المجتمع القوة الجماعية الفاعلة ويجعله في حالة من التشرذم.
هنا يبرز دور المجال باعتباره القوة الخفي التي تعيد صياغة قواعد اللعبة ويخلق منظومة الجذب. فالمجال المغناطيسي هو قوة غير مرئية تحيط بالمغناطيس أو تنشأ عن التيار، وبمجرد تطبيقه، يبدأ في ممارسة عزم دوران على كل سبين منفرد، مجبراً إياه على التوافق والاصطفاف مع خطوطه. وبالمثل تماماً، يمثل الدين مجالاً روحياً وتشريعياً يشكل منظومة متكاملة من القيم والشرائع المحيطة بالأفراد، وبمجرد إيمان الفرد به، يبدأ هذا المجال في ممارسة عزم توجيهي على ضميره وسلوكه، ليحاذي تفاصيل حياته اليومية من عبادات ومعاملات وأخلاق وفقاً لخطوط هذا الدين وتوجهاته.
عندما تشتد القوة المؤثرة في كلا العالمين، تظهر النتيجة الحتمية المتمثلة في النظام والقوة الجمعية. فتحت تأثير المجال المغناطيسي القوي، تتخلى السبينات عن عشوائييتها وتصطف في اتجاه واحد نحو المجال، وهذا الاصطفاف الجماعي هو ما يحول المادة الخاملة إلى مغناطيس حقيقي يمتلك طاقة وقدرة فائقة على الجذب والتأثير. وعلى الجانب الإنساني، عندما يتشرب الأفراد تعاليم الدين، تتحد توجهاتهم ويتحول الأفراد المتفرقون إلى أمة واحدة ومجتمع متماسك يمتلك قوة حضارية هائلة؛ لأن طاقاتهم المبعثرة قد جُمعت وضُخمت في اتجاه واحد محدد بدلاً من أن تتبدد في اتجاهات متضاربة.
ويتجلى أعمق أوجه الشبه البنيوية بين العلم والإيمان في قانون التوازي وعدم التصادم، وهي الخاصية الفيزيائية الصارمة التي تنص على أن خطوط المجال المغناطيسي لا تتقاطع أبداً، لأنه لو حدث ذلك عند نقطة ما لكان للمجال أكثر من اتجاه في نفس الوقت، وهو أمر مستحيل علمياً، ولذلك تسير الخطوط في مسارات دقيقة متوازية تدعم بعضها بعضاً. هذا القانون ينعكس في عالم الإيمان على شكل تناغم ولا تناقض؛ إذ يرى متبعو الدين الحقيقي أن معتقداتهم وتشريعاتهم وحركتهم في الحياة لا تتصادم، فحركة فرد ما لتحقيق العبادة وعمارة الأرض لا تقطع خط طريق الفرد الآخر أو تضربه، لأن الجميع يستمد التوجيه من نفس المجال وبنفس الاتجاه العام، مما يضمن المحافظة على الطاقة الجماعية وتجنب الصدامات الداخلية: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153]
وفي الدين الإسلامي، يظهر هذا الانسجام العقائدي والتشريعي بوضوح، حيث يؤكد القرآن الكريم أن منظومته تسير في مسارات متوازية متكاملة لا تصادم فيها ولا اختلاف، تماماً كخطوط الفيض النقي المنسابة بانتظام، مستشهداً بآية:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]. ففي الإسلام، حركة العالِم في مختبره، والتاجر الأمين في سوقه، والعامل في مصنعه، والحاكم العادل في سياسته، كلها خطوط متوازية تصب في نفس الاتجاه وهو العبودية لله وإصلاح المجتمع، دون أن تحجب شريعة أخرى أو تناقضها، بل تتوازى المسارات لتبني الحضارة بانتظام فريد.
ولعل أعظم تجسيد مادي بصري في الكون يدمج فكرة المجال المغناطيسي بحركة المسلمين هو مشهد صفوف الطائفين والمصلين حول الكعبة المشرفة. فإذا نظر شخص إلى المسجد الحرام من الأعلى وقت الصلاة، سيرى لوحة هندسية تحاكي برادة الحديد المحيطة بالمغناطيس بدقة مذهلة؛ إذ تمثل الكعبة مركز المجال الروحي وقطب الجذب التوجيهي، بينما يمثل المصلون الشحنات والسبينات البشرية التي تترتب في صفوف دائرية متوازية متراصة تمثل خطوط الفيض المحيطة بالمركز. في هذا المشهد، يتجلى قانون اللا تقاطع البشري في أبهى صوره، حيث يتحرك الملايين بانسجام تام، ولو انحرف فرد واحد وقطع مسار الآخر لأحدث فوضى في الصف، لكن المجال الإسلامي يوجههم ليتوازوا ويتكاملوا كجسد واحد بلا تناقض.
رغم هذا النظام الفائق، فإن لكل نظام نقطة حرجة يمكن أن تعيد الفوضى إليه إذا تغلبت الطاقة العشوائية على قوة المجال. ففي الفيزياء، تبرز درجة حرارة كوري كحد فاصل، إذا تعرض المغناطيس لحرارة أعلى منها، تزداد الطاقة الحركية الاهتزازية للذرات وتتغلب هذه الهزة الحرارية الفوضوية على قوة المجال، فتعود السبينات إلى العشوائية والتشتت ويفقد المغناطيس قوته. وفي عالم البشر، تمثل الأزمات الفكرية الطاحنة، الشبهات، والانغماس المفرط في الماديات والأهواء المعادل الموضوعي للحرارة العالية، فإذا زادت هذه المؤثرات المشوشة عن حدها وضَعُف الارتباط بالمجال الروحي، تهتز سبينات الأفراد الفكرية ويتخلون عن توجههم الموحد ومساراتهم المتوازية، مما يؤدي إلى تفكك الترابط المجتمعي وعودة العشوائية والشتات.
إن القوانين التي تحكم الذرات والسبينات غير المرئية في أعماق المادة، هي ذاتها القوانين الفطرية التي تنظم المجتمعات البشرية عندما تستجيب لنداء الوحي. فالإسلام، كمجال روحي وتشريعي، لا يكتفي بجذب القلوب وتوحيد وجهتها نحو مركز واحد فحسب، بل يضمن عبر شرائعه المنسجمة أن يسير ملايين البشر في مسارات متوازية متناغمة، تمنع التصادم والتناقض، وتصنع من شتات الأفراد نسيجاً حضارياً هندسياً فائق الدقة، والجمال، والقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى