السعادة الهشة

د. محمد سعيد حسب النبي | أكاديمي مصري
في مطلع الستينيات من القرن الماضي كتب الروائي والمسرحي الكبير “آرثر ميللر” قصة مثيرة انفعل بها كل من قرأها، وهي قصة بعنوان “سيئو الحظ”، والتي ملئت بالرمزية والمعاني العميقة، ومن أهم معانيها معنى الانتماء، حيث ينبغي للإنسان أن ينتمي إلى شيء حتى يكون سعيداً، وقد كان كل أبطال القصة تعساء؛ لأنهم لا ينتمون إلى شيء، وقد سعوا إلى الانتماء إلى أشياء ولكنها تحطمت، وفشلت محاولات بنائها. والتعاسة في رأي المؤلف تتحقق إذا خلت حياة الإنسان من شيء يحبه وينتمي إليه، فيبدأ الضياع في اقتحام حياته وإرباكها وتفريغها من المعاني النبيلة.
وقد عرّف “كولن ولسن” الكاتب الإنجليزي المرموق هذه الحالة بأنها “نصف الجنون”، وذلك لأن الإنسان في تلك الحالة يغدو كالمجنون الذي يفشل في التكيف مع الناس والحياة، كما يعجز عن اتخاذ القرارات، إضافة إلى ارتباك نفسه وذهنه وسلوكه. ويرى “ولسن” أن هذه الحالة ليست جنوناً كاملاً؛ لأن المجنون الكامل يفشل في التكيف مع العالم الواقعي، ولكنه يخلق لنفسه عالماً وهمياً كاملاً يعيش فيه. والمجنون ينتقل إلى عالمه الجديد وليس لديه أي وعي بما يحدث في العالم الواقعي، حيث يسيطر عليه عالمه الوهمي بشكل متكامل. أما نصف المجنون فيفشل مع العالم الواقعي، ولا يجد بديلاً لهذا العالم حتى في الوهم والخيال.
ولا شك أن قيم الانتماء تحتاج إلى غرس مبكر ، ولعل أخصب مرحلة تصلح لذلك الغرس هي مرحلة الطفولة، وهي المرحلة التي يعيشها الطفل لحظة بلحظة، لا يدرك فيها الماضي، ولا يخش المستقبل المجهول. وعندما تنتهي الطفولة تبدأ المرحلة التي ينبغي فيها للفرد أن يأخذ موقفاً من كل شيء، وأن يتكيف بصورة أو بأخرى مع العالم المحيط به.
ولعل أخطر ما يدركه الفرد وهو على عتبات الرشد أن هناك مسارين من الطرق ينبغي أن يأخذ قراره حيالهما؛ أحدهما طريق السعادة والآخر طريق التعاسة، والطريق العام الذي يسير فيه الناس بحثاً عن السعادة هو طريق الانتماء إلى شيء ما. ومن صور الانتماء ما نراه في اندفاع بعض الناس إلى عمل يحبونه، أو يحسون فيه بالراحة، أو فكرة يؤمنون بها، أو قيم يضبطون سلوكهم وفقها.
إن السعادة في غياب قيم الانتماء سعادة هشة تفتقد إلى الهدف، حياة ضائعة حائرة مرتبكة خالية من المعنى، لا يدرك فيها الإنسان ما يجب أن يفعل؛ فلا شيء يربطه بالعالم، إنه تعلق بأمل وهمي لن يتحقق أبداً. لقد بات اليقين راسخاً أن الانتماء هو طريق الخلاص من الضياع، ومن وحشة الحياة الإنسانية.


