نذير المظفر .. بذار النار.. اللغة الباذخة

هدى عبد الحر  | ناقدة وإعلامية من العراق

هدى عبد الحر مراسلة من العراق

نذير المظفر شاعر ملهم يبدو وكأنّ اللغة تَهمسُ له عن مكامن جمالها ومواطن عذوبتها، فيختار من المفردات أدقّها وأكثرها خصوبة لذا تشدّ قصائده المسبوكة بإتقان انتباه المتلقي فشذراته اللغوية التي ترصّع نصّه لباذخ متفردة ومميزة وتغريّ بالقراءة واستعاراته الشعرية بليغة وكناياته فطنة نبهة وموسيقاه الداخلية والخارجية عذبة ونسجه مفعم بالحيوية والحركة ومن نصوصه الجميلة التي أراها تعبّر عن منحاه واشتغاله الشعري بأوضح صورة قصيدة (بذار النار):

(ينفى إلى مدن لا شيء تمنـــحه وذنبه انه لا ذنب يــقترف)

هو واقف وجنون الريح ينحتـــه سورا تسلقه الماضون وانصرفوا.

تنساب القصيدة التي تبدو متحركة ما بين الماضي والحاضر فالفعل المضارع جاء فيها (31) مرة، إذ ورد في أغلب أبياتها ما عدا البيتين السادس والسابع وإثقال القصيدة بهذا الكم من الأفعال المضارعة جعل النص رهن الحضور والغياب، إذ يأخذنا الفعل بصيغته المضارعة إلى فضاءات جديدة، حيث الاستمرارية التي أرادها الشاعر أنْ تسري في جسد النص:

(قيد التسكع لا يقوى على أمل ما بان من حلمه النائي ولو طرف 

وكيف؟ يزرع حلما يستفيء به وعــمره ذابـل في عيشة الترف)

ومن تتبع وتأمل القصيدة نجدها تضجّ بالموسيقى الداخلية والخارجية فقد عمد الشاعر إلى استغلال طاقات التكرار الذي أضاف إلى الحركة بعداً آخر، فهناك تكرار صوتي لبعض الحروف جعل المعنى يكُثف بطريقة ملفتة للنظر ولعلَّ البيت الأول من أبلغ الأمثلة على هذه الكثافة الصوتية المميزة جداً التي جعلت تردّد حرف (الصاد والشين) يعطي القصيدة دفقاً موسيقياً يسحب المتلقي نحو هذا الفيض المموسق في تناغمه الجميل والآسر:

(صمت يقول وصمت صوته صلف كلاهما شرف يغتاله الشرف)

ومثله المقطع الذي يستعمل فيه الشاعر حرف السين بطريقة ملفتة للنظر:

(للآن من حبسوا مائي سيبذرهم قمح العطاشى سرابا كما ارتشفوا

وان من حبسوا شمسي سيفضحهم صبر النخيل وما لا يوشك السعف

وهم أذ لبسوا فجرا سيــخلعهم ثــــــــوبا تمزقه الآجال والصدف)

وكل ما يأتي في القصيدة يأتي عفواً من دون تكلف وهذا ما يعطيها هذه الشعرية كلّها.

ليكون نذير المظفر أحد فرسان قصيدة العمود بحلتها الجديدة التي يطلق عليها (قصيدة شعر) جنباً إلى جنب مع أسماء لامعة كثيرة تصنع المشهد الشعري العراقي.

فالشاعر المولود في مدينة النجف عام 1968م، والحائز على شهادة بكالوريوس في إدارة الأعمال جامعة بغداد عام 1993 هو عضو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، حاز المركز الأول في مسابقة الشعر الذهبي 2011 الذي يقيمه نادي الصيد العراقي، كما حصل على المركز الأول في المسابقة العالمية للشعر العمودي في تونس 2014.

مثّل العراق في الأسبوع الثقافي في إيران 2008، نشر العديد من المقالات المتنوعة في الصحف والمجلات العراقية، حائز على عدة شهادات تقديرية من جهات ومؤسسات عربية وأدبية متنوعة، صدرت له مجموعة شعرية بعنوان (على وجع التراب) سلسلة مبدعون عراقيون 2009.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى