حُلمُ صيَّادٍ أعمَى

خالد أبو العلا | مصر

أوشكَ الضّياءُ أن يهجرَني
إلى مساحاتٍ خاليةِ الظِّلِّ
يتسللُ من إطارٍ خشبيٍّ أنيقٍ
حين لم أكنْ سوى عُزلةٍ ساذجةٍ بيضاء
تلعقُ إصبعَها في طرفِ صورةٍ مُهترئةٍ
بالأبيضِ والأسود.
|||
القِرشُ الأبيضُ ما عادَ ينفعُ اليومَ
والأسودُ يدقُّ أبوابًا مُوصدةً بأقفالِ الصَّبرِ الجميلِ
ومفارقاتٍ عافَها اللصوصُ لحافظةِ نقودٍ
مُلقاةٍ على رصيفِ النّهارِ المُزيَّنِ
بغمامةٍ ثابتةِ الحُزنِ.
|||
المرأةُ الجائعةُ تخترقُ شُرودي
تنتحلُ جُثَّةً على شكلِ متاهاتٍ
في ورقةٍ بيضاءَ تنتظرُ قصيدةً مُثيرةً للشَّفقةِ
وفي فَمِها شَبَعًا مجازيًّا وشَبَقًا اعتياديَّ النِّسيانِ
مُشتعِلًا تحتَ جِلدِها الأزرقِ.
|||
كنتُ صخرةً
أصطادُ الموجَ متى أشاءُ
وأتصدَّقُ ببعضِ شموسٍ
وربَّما كنتُ أعتقلُ لُجَّةً هادرةً تُخيفُ النَّوارسَ
فتهربُ إلى فراغٍ رَماديٍّ باهتٍ
وأنا أقتلعُ لها أشجارًا من مدِينةٍ تُشبهُني
وأُعيدُ هيكلةَ تضاريسِ الماءِ
حيث يفنى انتظارُ النَّوارسِ لأُغنياتِ المَدِّ.
|||
لا يسقطُ المطرُ على ظِلِّ الوقتِ الباردِ
ووجهُكِ سيِّدتي ينامُ على همسةِ صيفٍ
يتقصَّى معالمَ مَطَرِ البَارِحَةِ
يلتحفُ قصيدةً عاريةً
تمتصُّ النَّكباتِ من المقاهي
وتستعيرُ من ظُلمةِ المكانِ امرأةً ثَمِلةِ الألوان.
|||
قالت: لمَّا كنتُ صغيرةً
أطلقتُ قلبي فِي الأمَاكِنِ البِكْرِ
كحَالِ الكثيراتِ اللواتي نبتَتْ أثداؤهنَّ مُبكِّرةً
وهُنَّ بكاملِ التهيُّؤِ لسَماعِ مَنْ يقولُ: أُحبُّكِ
والجسدُ غيرُ آمنٍ
حين تتلقفُني أعينٌ مُغمَضةٌ جفونُها
مُتحفزةٌ للعِناقِ
والوقتُ ظِلٌّ مُتأخِّرٌ قليلًا عن حُلمٍ يُولدُ رَخوًا
كطَمثِ نساءٍ يستمتعْنَ بصَكيكِ الوحدة.
|||
ضاعتْ مِنِّي هويَّتي
أو ربَّما تُهْتُ عنها
ففقدتُ جسدي الوسيعَ
وانكشفتْ للرِّيحِ سَوأتي
واستباحني حُلمُ صيادٍ أعمَى
يرمي بطُمأنينةٍ قِشرةَ رضاهُ بعيدًا
عن عيونِ العصافيرِ الخجولةِ
وأطفالٍ يقذفونني بالحجارةِ
كلَّما تسلَّقتُ شجرةً مُتورّمةَ السَّاقِ
تُعاني من رُوماتيزم مُزمنٍ
وأنيميا حادةٍ في تُفَّاحتِها الأخيرةِ لي.
|||
لمَّا كبرتُ
عرفتُ كيف أموءُ في أسفلِ الدَّرَجِ
وأصرخُ متى شئتُ بلا استئذانٍ
قبلَ أن يتراكَمَ الوقتُ في قاعِ رأسي
ويلفَّني بلا ذراعين كنُصوصٍ غَرِيبَةِ الأطْوَارِ
تدفَّقتْ من فَمِ عُصفورةٍ
تتلكَّأُ فِي قلْبِي
تتحدَّثُ عن النَّجاةِ
بأكذوبةِ أسواقِ نِخاسةِ الكلماتِ
أتقلَّبُ في فِراشِها كمُكعَّبِ ثلجٍ
يذوبُ في شغفِهِ للعِبَاراتِ المجهولةِ الغامِضَةِ
عن نساءٍ يُخبِّئْنَ أسرارَهُنَّ
تحْتَ مَطَرٍ يَهطِلُ في قميصِ الفراغِ.
|||
أنا الآنَ استويتُ دَهشةً في كَفِّ الموتِ
أصنعُ الجَواربَ للرُّؤوسِ وقُبَّعاتٍ للأقدامِ
وأنسجُ قُمصانًا صُوفيَّةً زرقاءَ للصَّيفِ
لا أعرفُ كيف الوَفاءُ بمواعيدي المُؤجَّلةِ
أُدندنُ الرُّوحَ كأغنيةٍ مُدجَّجةٍ بالنَّحيبِ
تطوفُ فوق صَدرِ المَرايا
وتبحثُ عن موضعٍ يصلحُ للرَّقصِ بساقٍ واحدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى