حكايا من القرايا.. “من غاب ورجع… عدّو ما غاب “

عمر عبد الرحمن نمر | فلسطين

 

صاح الديك في الصباح الباكر – الله يصبحكم بالخير – وما أن سمعه أبو محمد، حتى نهض من فراشه مفزوعاً، لقد ظن أن الوقت سرقه، وتأخر عن إكمال الحراثة في أرضه… فاق سريعاً، استفر الله وهلّل… ومدّ ذراعيه يجبّدهما، فأصابا بقلولة اللبن الرائب على البيرو… فسقطت على أرض المسطبة، وانكسرت… واندلق اللبن الأبيض يدهنها… وإثر سماعها الصوت أفاقت أم محمد وثلاثة من الأولاد… وأسرعت إلى المكنسة والممسحة تزيل آثار الخراب… ركض أبو محمد إلى قمبازه، وتناول ساعة الجيب منه، واطمأن خاطره، عندما رأى أن الساعة لم تتجاوز الخامس صباحاً… ما شاء الله الوقت بكّير… لكن الشغل كثير… عليه أن يكمل حراثة قطانيْن واسعيْن، وأن يبذر فيهما الفول، قبل أن تمطر الدنيا… فكل الأرصاد الجوية التي سمعها من الراديو أبو العظمات… تنبأت بالمطر هذا اليوم…

أسرع الرجل… توضأ، وصلى… وأم محمد نظفت مكان اللبن المسكوب، وبدأت تحضر لقمة فطور للزوج النشيط… كي يكسر الصفرا… ثم تكمل الفطور كي يكفي الأولاد قبل الذهاب إلى المدرسة… ما شاء الله، خير كثير… صحون تنتظر الآكلين مصفوفة على الأرض… تطلي عنب، وبيض مقلي، وزيت وزعتر وخبز… وشاي…

أكل أبومحمد ما قسم الله له، وخرج كي يجهز عدة الحراثة، ويطعم حمارته ويسقيها قبل السراحة… بينما انهمكت الزوجة في علف دجاجاتها، وحمامها…وبدأت الحركة في الدار تدور، وتهدر… وكأنه مصنع بدأت آلياته بالحركة والعمل…

كاد أن ينهار باب خشّة الحمارة… ضرب كفّا بكفّ… وبدأ يرتجف، ويحاول أن يتكلم، لكنه يتلعثم… وين راحت؟ الحمارة وين راحت؟ فش في الخشّة… وما زال المذود ملآناً بالتبن المخلوط بالشعير… صاح: لا حول ولا قوة إلا بالله… ويا مستعجل وقّف تا أقلّك… تفقد الخشّة الثانية علّها ملّت خشّتها وانتقلت إليها… لكن دون جدوى… فتش قاع الدار، تحت شجرة التين… تحت التوتة… دون جدوى… وبدأ تفكيره يوخذ ويجيب… تفقد بوابة الدار، وجدها مغلقة، لكن الخوخة مفتوحة… أخرجت منها؟ يمكن ذلك… خوختنا ما شاء الله واسعة… وين راحت هالتشليبة…؟ طيب ليش عملت هيتش؟ ليش هربت؟ شو ناقصها؟ ما بنسقيها إلا الميّ الصافية… وما بنطعمها إلا شعير بنقّيه بالحبّة… شو نحستها… وأعلن أبو محمد الخبر في أرجاء البيت… سمعته الزوجة وحوقلت… والأولاد حركهم الخبر، وانتشروا فزعين يبحثون خارج البيت… وأبو محمد وكأنه نسي أن يلبس دمايته، فخرج بالسروال الأبيض، وبقميص داخلي، يبحث خارج البيت… وكأن الوضع وضع طوارىء… غاب الأولاد ساعة وأكثر يبحثون بلا جدوى… وأجبرهم ميعاد المدرسة على الرجوع، والاستعداد للذهاب إلى المدرسة، وتناول الفطور بشكل سريع…

أبومحمد، قضى الوقت يبحث من حقل إلى حقل، ومن مغارة إلى أخرى، يبحث ويتساءل: شو دهاك؟ شو نقص عليك؟ وبعد البحث… راودته فكرة أن الوحوش أكلت حمارته، فالكلاب كثيرة، والخنازير أكثر…

عند الظهيرة… عاد (المقريّة) من المدرسة، رموا أكياسهم الدراسية، وانطلقوا يكملون ما بدؤوه منذ الصباح… يبحثون… وأبو محمد وقد نشف ريقه من التعب والقهر… وبدأت السماء تفتح قِرَبها على الأرض… ابتلّ أبومحمد، وبدأ يرتجف برداً وقهراً… لكن يا ما أقرب فرج الله! قرب العصر رجعت العروس، عادت الحمارة على مهل، عادت وحدها… نهقت بالقرب من البوابة وكأنها تعلن عن عودتها، وانتهاء تمردها… سمعها صاحبها والجيران… ودخلت وحدها… دشع إليها أبو محمد، يتفقدها، ويتحسس ظهرها… وهو مبتسم يكاد يقهقه… واحتفلت أم محمد وأطلقت زغرودة من أعماقها… واحتفل الأولاد بعودة حمارتهم من رحلتها، ذهبت الغمّة… وعادت الغالية وحدها إلى خشّتها… ولكن تأجلت زراعة الفول، حتى (توفر) الدنيا مرة ثانية…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى