تَهويماتٌ في الساعةِ الهامدةِ من الليلِ.. رُضُوضُ الحَنِيِّنِ

فايز حميدي | أديب فلسطيني  مغترب

تقولُ إِحدى رَقصَاتِ الفلامِنكو الإِسبانية :
أمرُ بِاسمكِ إذ أخلو إلى نفسي
كما يمرُ دِمشقيٌ بِأندلُسِ…
عبثاً ..أحاولُ أن أنامَ ، يَبتسمُ النومَ لي إبتسامةٌ ماكِرةٌ ، مِثلَ نَسيمٌ عابرٌ ، وَيهربُ من عيني … وتَحضرينَ أنتِ مِثلَ بُرعم وردةٍ جوريةٍ تَتَفتحُ لاستقبالَ حباتِ المطرِ …
أنهضُ من سريري ، أغلي فنجانَ قهوةٍ ، علهُ يَمنحُني إحساساً أفضلَ بالأشياءِ ، أقتربُ من النافذةِ أرقبُ طُلوعَ الفجر …
تطُلينَ من نافذتكِ المُشرعةُ على العلاءِ ، تَرميني بابتسامةٍ جذلى وتحيةٍ عابقةٍ… تُمسدينَ بِراحتيكِ الحَنونتينِ على شعريِ وَكتفي ووجهي .
سحابةُ خَدرٍ تَلُفّني فأتخلصُ من تَجاعيدِالروحِ …
-بالله عليكِ قولي لي :
كيفَ تَسللت خِلسةً إلى قلبيِ وَروحي ؟
كيفَ مَالَ القلبُ إليكِ وأنا المَهووسُ بالإتِزان ؟
مَن يُعيدُني عشرونَ سنةٍ إلى الوراءِ ويأخذَ نِصفَ عُمري …؟
شهرُ أيلولَ ، يعودُ بأمطارهِ ، يُحركَ كلَّ مَكامني ، وكلماتكِ التي أعادتْ تَشكيلي تَمنحُني فُرصةً لا تُعوضُ للحُلمِ ..
أحلمُ بكِ ، وَأغفو دَاخِلَ حُلمي … لكِ نَبضُ الروحِ وَفرحُ الحَياة …
يَطيبُ لي أحياناً ، أن أسقطَ بالتهويماتِ وَحبُّ الرَكضِ وراءَ غَيمةٍ هاربةٍ …
-أتَعرفِين ؟
الوقتُ صيفٌ ، والغيومُ تُغلفُ النجومَ والقمرَ ودربَ التبَّانةَ بلفائفَ وَطَيات ….
قلتُ وأنا أحاولُ أن أستعيدَ مِهنتي القديمة في التعليم ِ :
أنا هُنا عِندَ خَط العرضِ خَمسَ وَستون درجةً شمالاً ، في هذهِ البلادِ نَرى الفصولَ الأربعة في يومٍ واحدٍ ، أمطرتْ البارحةَ بغزارةٍ …
كانَ مطرُ الغربةَ كافياً لإِيقاظِ أَعماقي الدفينةَ ، غَمرَني الحَنينُ ، وَتبللت عِظامي بِالمطرِ….
كانَ صَوتُكِ يَختلطُ بِزخاتِ المطرِ التي كانتْ تَنقرُ شُباك نافِذتي الخَشَبية …
تَنتصبينَ فَجأةً – تُومِضُ فِكرةٌ – -أتسمعُ صوتَ المَطرِ ؟
– نَعم أسمعهُ ..
– إذن لِنخرُجَ …..
كانت المدينةُ شهيةً وهيَ تَغتسلُ بماءِ المطرِ …نَمشي ، تتشبثُ يُسراكِ بيَميني ، تَنامُ يَدكِ الباردةُ في عمقِ يَدي عَصفوراً حَزيناً يَبحثُ عن لحظةِ دفء …
وأنتِ تَسكُنينَ في العُمقِ اللامَرئيَّ للقلبِ المُتعبِ …
وَتسألينَ بِعينين مُشرقتينِ بالفرحِ والمَحبةِ :
-أمَا زِلتَ تَكتبُ عن الحنينِ والحُبِّ في ظلِ وطنٍ يَشبهُ الضَبابَ والأدخنةَ الداكنةَ…؟
-أكتبُ لأنَّ الحُبَّ فيهِ خَلاصَنا مِما نُعاني ،فالسَوادُ يَحتلُّ القِسمَ المُضيءَ مِن أرواحِنا ….
نَحتاجُ نهرُ ضياءٍ ليَغسِلها ويُعطِيها النقاء …
أكتُبُ في وطنٍ يَسبُقنا مَاضِينا ، وَفكرٌ مَهزومٌ يَعيشُ مَرحلةٌ تَغريبيةٌ بعيدةٌ عن الواقعِ …
أكتبُ في وطنٍ أصبحَ -للكثيرين- حمولةٌ زائدةً ..
أكتبُ في زمنِ وطنٌ مَفتوحٌ للريحِ ، والاستبدادُ يَنهشهُ …مُتعبٌ أنا ! !
أكتبُ إليكِ ، لأَنني أُريدُ من الجرحِ أن يَظل حياً ، فالكائِنُ الذي نُحبُّ تَركَ العتبةَ وَخَرجَ ….
ونحنُ لم نَقلْ لهُ بَعدُ ما كُنَّا نَشْتهي قَولهُ ..!
-وَتبتَسمِين بِحُزنٍ …
-في ذَلِك المساء بَنيتُ لكِ عُشّاً دَاخِلَ صَدري …
وفي الصباحِ سَكَنتي شَرَيانيَّ الأَبهَر…..
أجمعُ أورَاقي …أعاودُ المَسير على الطريقِ وَحيداً ، يَقودَني الشَّوقُ إليكِ …وَلساني حَالي يَقولُ :
منْ يُهدِيهِ شَوقهُ لن يَظلَّ الطريقَ …

……
محبتي
(القدس الموحدة عاصمة فلسطين الأبدية)..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى