فتاة اللعنة وعالم بلا كراهية

بقلم الكاتبة وداد معروف | أديبة وناقدة مصرية

وصل إليَّ العمل الأول للكاتبة الشابة رضوى حسن, وهو روايتها (فتاة اللعنة) وهي رواية تقع في 157 صفحة صادرة عن دار الفجر للنشر والتوزيع لعام 2020, غلاف الرواية باللون الأزرق عليه صورة لفتاة تستقبل الهرم والبئر الملاصق له بوجهها وتعطي ظهرها للقارئ, تقف على جسر خشبي مدرج, يلف الصورة الغيوم والغموض, ما يجعل القارئ يود كشف غموض هذه الرواية, على الجانب الآخر من الغلاف كتبت رسالة تقول ” أيتها السيدة المقدسة, لو أنك تقرئين هذا النقش الآن فإن هذا معناه أن السلسلة وصلت لأيدي من يستحق, هذا النص لن يظهر إلا إذا كانت السلسلة في يد مبروكة مقدسة, ذات قلب طاهر وبريء…….”


من تلك الرسالة التي وضعت على ظهر الغلاف نعرف أننا امام رواية من روايات المغامرات, وهذا النوع من الكتابة هو يعد قلب التخييل, فن الدهشة والتشويق لحل اللغز, والمهارة أن يفعل الكاتب كل ذلك دون إرباك القارئ, أن يتحكم في إيقاع وسرعة الأحداث في الرواية ليساعد في إظهار حل اللغز بالتدريج دون تعجل.
رواية المغامرة هي جنس لا زمني تقريبا, تحكمها الصدفة, تنتهي فيها المغامرات إلى تتويج صورة البطل المطهر والمتجدد, وهذا ما فعلته رضوى حسن مع بطلتها “إيانا”, تلك الفتاة الصامتة الغريبة في سمتها وأخلاقها عن بقية زملائها من طلبة الكلية قسم الجغرافيا في جامعة خاصة, وهذا التخصص تحديدا أرادته المؤلفة، كونهم سيمثلون فريقا سيذهب إلى ذلك العالم، معتمدين على الاتجاهات, وبعضهم بالخريطة, يحكي الراوي العليم عن شخصية إيانا وتعرضها للتنمر الدائم من زميلتها “مايا” ابنة رئيس الجامعة, وتعمدها إضحاك الزملاء عليها, ونعتها دائما لها (بالفتاة القديمة أوي) ومقابلة إيانا كل ذلك بصبر عجيب، وباستحضارها الدائم لكلمات جدتها “أن الكراهية بئر من يسقط فيه لن يستطيع الخروج من هذا البئر” , فكانت تقاوم الكراهية لمايا ولكل من ينتمي لفريقها العابث, حتى كان موعد قيام رحلة الجامعة إلى الأهرامات وتشوقها لتلك الرحلة وانضمامها لها وذلك لشغفها بالأهرام وبالآثار, ولمعرفتها أيضا باللغة الهيروعليفية.
في تلك الرحلة كان انطلاقها إلى زمان الأجداد, وذلك تنفيذا لنبوءة جدها بأنها ستكون هي نفسها فتاة اللعنة المعقود عليها الآمال بفك لعنة الأجداد الذين أصابتهم، بأن يموت من كل عائلة ابن من أبنائها ويحبس هؤلاء الأبناء في سجن كبير في ذلك الزمن وهي- أي إيانا – من ستفك سجنهم وستنعم بروية والديها في هذا العالم, فهي فتاة وحيدة فقدت عائلتها كلها بسبب تلك اللعنة, لم تذهب إيانا وحدها إلى ذلك العالم ولكن تبعها زميلها مصطفى ذلك الزميل المحب لها والذي رفض أن يسكت عن إسقاطها في البئر من قبل مايا, ثم تبعته على الأثر مايا نفسها وكرم زميلها, وعلى وعد مكتوب كان انضمام إيوان لهم – فتى من أصل فارسي- والمشترك معها في تلك (الوحمة) في الساق, والتي هي علامة من العلامات التي حدَّث عنها الجد في رسالته عن فتاة اللعنة, مع علامة أخرى وهي أن تفهم إيانا اللغة الهيروغليفية دون معلم.
أُعجِبت بحرفية الكاتبة؛ وبإمساكها لخيوط اللغز من أول الرواية حتى آخرها, دون أن تفلت من يدها, كما اتقنت تنمية الشخصيات وخاصة شخصية مايا الحقودة الكارهة لغيرها وكيف غاصت في نفسيتها وأرجعت تلك الأخلاق الرديئة لطفولتها البائسة بين أم وأب مطلقين, وتبعات هذا الطلاق على نفسية الأبناء, وأثر التدليل الزائد على سلوكيات الأبناء بعد ذلك, وهذا ليس بمستغرب على الكاتبة فقد عرفتُ أنها في الأساس متخصصة في علم النفس, فالنفس البشرية بحرها الذي تسبح فيه, انتقلت الكاتبة من عالم الواقع لعالم الخيال هناك في زمن الفراعين, ذلك العالم الذي صنعت أحداثه ورسائله وتخييله من خيالها الرحب, انتقلت إليه بسلاسة وانسيابية دون قفز عليه, كانت الجدة “كاريتا” هي حاملة الحكمة وحارسة تحقيق النبوءة وقائدة تنفيذ مهمة فتاة اللعنة, حتى انتهت مهمتها, بعدها ظلت في عالمها المتخيل ولم تعد معهم إلى عالم الشهادة, كان شرط نجاح مهمة إيانا في الحصول على سلسلة فك اللعنة أن لا يذهب للاستيلاء عليها من الفرعون إلا من صفت قلوبهم وتخلصوا من أسر الكراهية والحقد, وهذه هي رسالة الرواية ومدارها.
جمعت الكاتبة بين الحضارتين الفرعونية والفارسية في فك تلك اللعنة, من خلال إيانا المصرية وإيوان الفارسي, ومن تأمل الاسمين ندرك هذا المزج الواضح في الأسماء وأيضا في الحضارة, فكأنما أرادت الكاتبة ان تقول لنا أن الحضارات تتصالح ولا تتصادم, تتواءم ولا تتصارع، تبنى بعضها على بعض ولا تتعادى وتنفرط من عقد التاريخ.
أضحكتِني كثيرا يا رضوى بلغتك الشبابية الرشيقة والتي أحسنتِ استخدامها بمهارة خاصة في مواجهة الجدة كاريتا الآتية من فترة زمنية تفصلنا عنها آلاف السنين, فكانت المفارقة بين عالمين والصدمة الحضارية التي تثير مزاج الضحك لدى القارئ, ضحكت كثيرا على الأبراص المقلية, وعلى الذبابة الشقراء مايا, وعلى إيوان وقفشاته اللذيذة, ومكايدته لمصطفى، فأنت كاتبة خفيفة الظل تمتلكين روح الدعابة.
تحية لك كاتبة أتوقع لها مستقبلا واعدا في عالم الرواية وخاصة رواية الشباب ورواية المغامرات, وهمسة في أذنك تمنيت لو كانت الفصحى لها القدح المعلى في هذا العمل, فبهذا تضمنين لعملك القراءة في كل قطر عربي, وأيضا تضمنين له البقاء أكثر كثيرا.
في الختام ننتظر أعمالا مدهشة وروايات تنقلين لنا من خلالها عالمك الشبابي والأنثوي اللطيف.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى