ثعلبة.. وجوه في طريقي (3)

منى مصطفى | روائية وكاتبة تربوية مصرية

ارتبكت، سألت أبي: ما الأمر؟!

قال فرصة للسفر والعمل بالخليج مدرسةً! ابن جارنا قدَّم وسألته عن التخصصات والشروط، ووجدتها تنطبق عليك، حاولي أن تذاكري وتراجعي كُتبك؛ لأن هناك اختبارًا للقبول!

وقف عقلي عن التفكير، وقفز إلى ذهني آلاف الأسئلة: أسافر؟! أعيش وحدي؟! أترك رضا؟! أيسافر معي؟! أنتزوج؟! أيصح؟! أيوافقون؟! أيجد فرصة مناسبة هو الآخر؟! أيوافق على سفري وحدي؟! أيرفض؟! أيرضى أبي بقراره؟! أننفصل؟!

غارت الأرض من تحت قدمي، باغتَني أبي: ألا تَفرحين؟!

قلت: نعم لا أفرَح، بل أخاف، هل سيوافق رضا؟!

قال: طبعًا سيوافق، إنها فرصة ذهبية، ولو رفض، مع السلامة سيأتي من هو أفضل منه ألف مرة، لفَّني الحزن والذهول، وكأن السماء تُساقط عليَّ كِسفًا وأنا أتخيل هذا الشقاء الذي نزل عليَّ كصاعقة، فأبدَل سعادتي حزنًا، وصفائي كدرًا، وأمانيَّ خوفًا، بِتُّ أردِّد: تُرى ماذا سيصنع رضا؟! ومع مَن أقف إن تعارَض رأيه مع أبي؟!

سيطرت عليَّ الكوابيس، لم أنَم في هذه الأيام، وقد أشرف أبي بنفسه على مذاكرتي واستعدادي للامتحان، بل أقنعني ألا أُخبر رضا، حتى أتقدم إلى اختبار القبول، فإن نجحت واستدعوني للتعاقد أخبرتُه عندها، وإن لم يُحالفني الحظ، فتكون الأمور كما كانت!

على الرغم مِن خوفي من هذه الفكرة، وأنها ستكون أول شرخ في علاقتي برضا – فإني رضَخت لأبي مردِّدة في نفسي: لن يقبلوني، الأعداد كبيرة جدًّا، أَرضِي والدَك، وخُوضي تجربة جديدة تكتسبين فيها خبرة جديدة، والقدر نافذ!

بدأت أتحمَّس للدراسة، فكل جديد مثير للنفس، تواصلت مع بعض زميلاتي، فمنهن مَن شاركتني التقديم، ومنهن مَن لم تسمح ظروفها، والمفاجأة أنني من الناجحات المطلوبات مع أول فوج للتعاقد، ذهبت الهدنة، ووقفت المفاجأة تَطرُق العقول: ماذا سنصنع مع رضا؟!

جاء في زيارته الأسبوعية كالعادة، طلبت من والدي أن أُبلغه أنا بنفسي، وافق بشرط أن أُبلغه على لسان أبي أنه إن رفض سفري، فعليه أن يَعلم أن والدي أنهى الخطوبة!

سمعت هذه الكلمات من أبي ولم أُصدق أُذني، كانت كلماته أول مِطرقة هدمٍ في جدار صورته المرسومة في نفسي، نسيت خوفي من السفر، نسيت أنني سأكون غريبة وحيدة، نسيت أنني إنسانة ولي رأي يجب احترامه، كل ما دار في ذهني سؤال مُفاده: (كيف أُحافظ على رضا ولا أخسره؟!).

خلوتُ برضا في بيتنا، وقصَصت عليه الأحداث بصدق منذ اللحظة الأولى للفكرة، وفرحة أبي بالخبر وخُطته في إخبارك بالأمر … وعكست له إصرار أبي، وأن استمرار خطوبتنا مرهون بموافقته، ثم هوَّنت عليه الأمر بأنه عام دراسي واحد، وبعدها سيتم الزواج، وعندها سيصبح القرار لك وليس لوالدي، كنت في أعماقي أَصرخ: لا تتركني يا رضا، وَدِدتُ لو سمع صُراخي هذا، بكيتُ له، وأعلمتُه أنه لا حِيلة لي، وأني لا أستطيع الخروج عن طاعة أبي، سألني: لو كان القرار لك وحدكِ، فهل ستختارين الزواج مني أم السفر؟

خارت قدماي، جلست على الأرض باكيةً، وقلت له: لو خيَّروني بين الدنيا كلها وبينك لاخترتُك، يوم معك مكتفين بالستر خيرٌ عندي مِن قصر ممرَّد لا تكون أنت صاحبه، لم أعرِف معنى الحب وسكون الروح لرُوح تُحبها إلا يوم عرَفتُك يا رضا!

فقال: دعيني أستخير، وفي الزيارة القادمة سيكون قراري!

كان هذا الأسبوع سبعةَ أَدْهُرٍ لا سبعة أيام، شرَد ذهني، قلَّ تركيزي، رابني إسرار أبي على سفري، وكأني لست ابنته ولا جئتُ مِن صلبه، كلما ترامى كلامه إلى مسمعي، فلا حديث له إلا عن المال، بدأ يَحلم بتجديد البيت، بمشروع تجاري يُغنيه عن الزراعة كبيرة الجهد قليلة الكسب، كل ما لفَّ عقله هو كيفية استثمار بقرتِه الحلوبِ لا ابنته الودود، كانت هذه المشاعر تُلهب قلبي، ثم أُحاول التصبر قائلةً: إنها أيام وستَمرُّ، وإن كل إنسان مُبتلى، وأن أمر خِطبتي لرجلٍ مثالٍ لِما كنتُ أتمناه، نعمةٌ عظيمة من ربي، فلا بأس مِن قليلِ كَدَرٍ نُصاب به!

جمع أبي ما معه من مال وذهب لأقرب بنك وفتح حسابًا باسمه، وأعطاني رقْمه، وشدَّد عليّ أن أُحول له ما زاد عن حاجتي؛ ليعدَّ هو بدوره ما يلزمني للزواج، ثم ذهب بي للتوثيقات؛ لأعمل له توكيلًا باسمه قائلًا: إن احتجتِ أوراقًا ومعاملات حكومية، أنجزتُها أنا عنك!

مرَّ الأسبوع وحضر رضا ووالده على غير العادة، كاد قلبي يتوقف عندما رأيت والده، خِلته أتى؛ ليُنهي الخطوبة أو نمنع السفر، وبالفعل هذا ما طرَحه أبو رضا، معللًا أنه خطبني لحسن سمعة وأخلاق بيتنا، فكيف لخطيبة ابنه أن تسافر إلى قارة أخرى بمفردها، وتعمل هناك وحدها؟! رحَّب أبي بفسخ الخطوبة وما اهتم بمشورتي، رجوتُ أمي أن تتدخل لتَمنعه من ارتكاب هذه الجريمة في حقي، فلم تُفلح، ولكن والدي فاجأنا جميعًا باقتراح غير متوقع، وهو أن نعقد القران قبل السفر، وبهذا تكون أنت زوجها قانونًا، تستطيع السفر لها أو منعها العام القادم من السفر إن رغبتَ في ذلك، متعللًا بأن سفرها هذا العام ضرورة، لضيق ذات اليد وعجز والدي عن مصاريف زواجي، بقيتُ أترقَّب قرار رضا ووالده كالواقفة على الجمر، تَنصهر رُوحها من حرارة قدميها، بادر أبو رضا بالموافقة، وقال: سعيدة بنتنا ونحن واثقون من أخلاقها، وسننتظر هذا العام حتى تعود، وبعدها القرار لك يا عروس[1]، تذهب معها أو تُبقيها معك هنا، نظرت إلى وجه رضا ورأيتُ كأنه ركن إلى هذا الرأي، ففرِحت! وكأن السماء ألقت عليَّ سكينة أذهبت عني نار قلبي التي اتَّقدت في هذه الجلسة المصيرية، لكني ارتبتُ في موقف أبي المتناقض، إذ كيف يرحِّب بعقد القران ويكون القرار لرضا، ويُصر إصرارًا شديدًا على سفري حتى وإن لم أتزوَّج أبدًا!

وبالفعل تَم عقد القران، ولا أستطيع أن أصف لكِ كيف قوِيت علاقتي برضا، أصبح روحًا تسكن روحي بحق، كل كلام الحب والقرب الذي وصل إليه الكُتاب والمفكرون، لم يَرْقَ للتعبير عما كنت أشعُر به معه في هذه الأسابيع القلائل التي كانت بين عقد القران وبين سفري، كان يذهب معي لإنهاء الأوراق، ثم نأخذ استراحة في مكان هادئ، تلاحقني نظراته، فأشعُر أنها تخترق قلبي، يَحضُن يدي بين يديه، فيصبح الأمان كائنًا مجسدًا لا شعورًا يَستجلبه الناس، وكعادة الأيام الجميلة تمر سريعًا، فقد حان وقت السفر، وودَّعته وودَّعت معه شعوري بالحياة، وانتقلت إلى هنا بجسد تُقيمه أشلاء رُوح مُمزقة….!

انهمكت في العمل، كنت نشيطة ومميزة عند رئيسة القسم، رشَّحتني لتدريس بعض الضعيفات بأجر إضافي، كنت أستيقظ الفجر أُصلي وأقرأ الأذكار، ثم أنطلق إلى المدرسة، ثم إلى العمل الإضافي لما بعد العشاء، ثم أعود لأموت لا أنام، حتى أتلهَّى عن فقد حبيبي وأهلي، وحضن أمي الذي كنت أتوهم أنني كبرتُ عنه، كانت نفقاتي محدودة جدًّا، أرتدي الملابس العملية، لا أهتم بالإكسسوارات والزينة التي تسيطر على عقل كثيرات من زميلاتي، كنت أُحصي الأيام ولا تُحصى لثِقَلِها!

كنت أقتات على رسائل رضا ومكالماته الهاتفية، غير أنه في آخر شهرين لم يرسل أي رسالة فكدتُ أُجَن، وأَضرب بقيودي عُرض الحائط، وأسافر إليه مهما كانت النتائج

[1]العروس في اللغة تطلق على الذكر والأنثى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى