محمود شقير في مديح مرايا البلاد

جميل السلحوت | أديب مقدسي

صدر “مديح لمرايا البلاد” للأديب الكبير محمود شقير، عن منشورات دار الجندي في آواخر كانون الثاني –يناير-2012، ويقع الكتاب في 328 صفحة من الحجم المتوسط.

وهذا الكتاب عبارة عن يوميات في الأعوام 1996، 1997،و1999عاشها أديبنا وسجلها، فما الجديد في هذا الكتاب الذي جاءنا به محمود شقير الذي عرفناه قاصا مبدعا وكاتبا سرديا متميزا؟ ويحضرني هنا تعريف للأدب يقول”إن الأدب هو ذاك الكلام المنمق الجميل الذي إذا قرأه الجاهل ظنّ أنه يحسن مثله” ومحمود شقير هنا قدم لنا أدبا جميلا ومباشرا، لا يحتمل الرمزية، وإن كان يحمل ما بين السطور والكلمات معاني ودلالات ذات مغزى. ولا أعلم لماذا -وأنا أقرأ هذا الكتاب- ألحّت عليّ مقولة الشاعر أبي نواس التي قال فيها”والله لو أردت أن لا أتكلم إلا شعرا لفعلت”ويبدو أن يوميات محمود شقير قد أوحت لي بأن أديبنا يكتب أدبا حتى في الأمور العادية التي نعرفها جميعنا، لكن أحدا منا لم يكتب فيها بهذه الجمالية، وهذا هو الأدب الجميل، وأستذكر هنا أديبنا عندما كتب مقالات صحفية سياسية، فقد كتب أدبا سياسيا.

لكن محمود شقير الذي تحمل يومياته شيئا من مذكراته، وشيئا من سيرته الذاتية، لم يكتب لنا عن بطولات ومفاخر، ولم يكذب كما فعل بعض كتاب السيرة، وكتب لنا عن الإنسان في شخصية محمود شقير، كتب لنا عن الإنسان العادي في شخصيته مع أنه إنسان استثنائي، كتب لنا عن محمود شقير ابن القرية الذي يعيش حياته بهدوء كبقية أبناء بلدته، فهو مثلا يشارك في قطف ثمار الزيتون مع أفراد أسرته، ويشارك في تقليم الأشجار أيضا، وهو يشارك في التزامات اجتماعية مع عدم إيمانه بها، بل ومقته لها، كتب لنا عن الإبن البار بوالديه، فهو يجالسهم ويسعد بهم كما يسعدون به، وكتب لنا عن محمود الأب والجد الذي يحزن ويتألم بصمت على الحالة المرضية التي تعاني منها ابنته”أمينة” والتي أسماها على اسم شقيقته

“أمينة” التي رحلت وهي في ريعان الشباب، فهل الحياة سلبت الأمن والأمان عن “أمينتي” أديبنا لتتركه نهبا للمعاناة؟ وعن محمود الحفيد الذي يعاني هو الآخر من حالة مرضية، أورثت أديبنا همّا وألَما متواصلين، وكتب لنا عن فرحته الغامرة بولادة حفيد آخر له في 15-3 وهو نفس يوم ولادة أديبنا.

لكن من جهة أخرى، فإن محمود شقير الأديب لا يستطيع إخفاء موهبته الأدبية، ليس في أسلوب الكتابة فحسب، بل في نشاطاته ومسلكياته، وليس أدلّ على ذلك من الحوارية التي دارت بينه وبين الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، والتي ثبتها على الغلاف الأخير لكتابه هذا، وهو يكتب عن لقاءات جمعته وكتاب آخرين، وبعضهم كانوا من طلابه في المرحلة الثانوية أثناء ممارسته لمهنة التدريس، ويستذكر لقاءات جمعته مع فنانين شاركوا في تمثيل المسلسلات التلفزيونية والمسرحيات التي كتبها، وهو يكتب عن لقاءات جمعته في لقاءات ومؤتمرات شارك فيها في الوطن وفي الخارج، ويكتب عن أفلام سينمائية شاهدها، ليس من باب نقل خبر فقط، بل يذكر بشكل خاطف تعليقه على ذلك الفلم.

ويكتب لنا عن محاولاته ممارسة النحت على الحجارة بتحريض من أحد الكتاب الذي يمارس النحت، ويخبرنا بأنه لم يستطع القيام بهذا الفعل، لكن له محاولاته في رسم اللوحات التشكيلية أيضا.

ولا يغيب عن كاتبنا في يومياته ذكرياته عن أيام مضت مثل عمله في مجلة قضايا السلم والاشتراكية في براغ، وتنقلاته في بلدان أخرى، تماما مثلما لا تغيب عن يومياته حواجز الاحتلال العسكرية وجداره التوسعي وجنونه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى