حكايا من القرايا.. ” أبو حامد الأرنب “

عمر عبد الرحمن نمر | فلسطين

 أبو حامد رجل في السبعينات من عمره، قوي البنية، له زوجتان، ابنة عمه الأولى، والثانية ابنة خالته بعد أن ترملت… أبو حامد يتحدث كثيراً، ومعظم حكاياته هو بطلها الرئيس، وأدوار الآخرين ثانوية، لا يؤبه بها… إذا دخل عند قوم، أجبرهم على الإنصات وبدأت ماكينته الحكائية بالشغل… وإن مرّ به أي واحد من الناس، وهو يعمل في أرضه، ترك عدته، وبدأ يبرم سجايره، ويحدث المارّ به… ولا يسكت إلا إذا السامع أنهى الحكاية بطريقة ما… فهو قاتل الضبع… وهو مروّض الحية… وهو فارس الحصان الأشعث… وهو… وهو… وهذا ليس غريباً، فقد قالوا ” ما أكذب من شاب تغرب… وختيار ماتت جياله ” ولم يطلق عليه لقب الأرنب لجبن – لا سمح الله – ولكن جاءه اللقب من إحدى حكاياته، التي كان يحاول صيد أرنب بري، وكان الأرنب يطارد من قطان إلى آخر، وأبو حامد يتعقبه على الدعسة… والأرنب المذعور يركض بأقصى سرعة… والرجل يركض براحته… ويضحك أبو حامد، ويقول ” أجاك يا بلوط مين بعرفك” وقع الأرنب في أرض زرعت بالسمسم، فأعاق النبات ركضه… ووقع في قبضة (أبو حامد)…

“ونيالك يا جوز الثنتين” أبو حامد يعيش في دلال وعز… وتتسابق الزوجتان لإرضائه، والتظاهر بالاستمتاع بحكاياته… وقد سكنت كل منهما في عقد أزيلت قبته الطينية، وصبت بالرمل والإسمنت… ويعلو العقدين غرفة إسمنتية خصصها الرجل للضيوف… ويصل الدرج من الأرض حتى سقف الغرفة… ما شاء الله أولاده من الزوجتين وخلفهم… كلهم اغتربوا في بقاع الأرض…

عصر ذاك اليوم، كان أبو الراجح عائداً من عمله، سمع أصوات ردح – الله يكافينا الشر – ولطم… أصواتاً نسائية وكأنهن في اجتماع للندب والتأبين… أصوات وضجة تتعالى… نظر أبو الراجح إلى الزقاق الذي يصدر منه الصوت… فرأى… يا ليته لم يَرَ… رأى أبو حامد على ظهر الغرفة فوق العقدين… وبعض النساء حوله… رآه وقد شَكَلَ دمايته، وهو يصرخ ويهدد بالانتحار، يهدد بالسقوط من ذاك الارتفاع على الأرض… والنساء الجارات تولول، وتترجاه أن يغسل وجهه بالرحمن، وأن لا يفعلها… ويختصر… وهو يهدد… ما أن رأت النسوة ( أبو الراجح) حتى استنجدن به، وتوسّمن به الخير… فالرجل أقوى على الرجل من عصبة نساء أكثرهن ختياريات…

ما قصّر أبو الراجح، صعد الدرج على أقل من مهله، وهنّ يستعجلنه قبل حدوث مكروه – لا سمح الله – وصله، قال للنسوة على السطح أن تبتعد عن الرجل، ويفلّتنه، وفسح الميدان لأبي حامد… وقال له: نُطْ… نُطْ… يا الله نُطْ… إذا كنت رجّالاً نط… فبهت الناوي على الانتحار… باغتته خطوة الرجل، نظر إليه، وقال: يخرب بيتك ما أرزلك… ما أقل حياك… أنت ما بتستحي… وفقد شجاعته على القفز… وظهرت عدم جديته… إنما كان يهدد فقط والنساء تردد به، وترجوه أن لا يفعلها وينط… ضحكت النسوة وانفض الجمع، وعلم الناس سبب زعل الأرنب… مش عاجبه مرق السبانخ مع الأرز… وأصبح خريفية في المنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى