أشواك البراري.. طفولتي (3)

جميل السلحوت | القدس الشرقية

المرأة

              لم يكن للنّساء أيّ اعتبار في ذلك الزّمن، ولم يقتصر دورهنّ على الانجاب فقط، بل كنّ عاملات بكلّ ما يعنيه العمل الشّاق، فالمرأة كانت تزرع وتحصد، تحلب الأغنام، تعمل الحليب جبنا أو لبنا وتستخرج منه الزّبدة، وتصنع منها السّمن البلدي. وفي الرّبيع تخلع الأعشاب الضّارة من حقول الحبوب، وبعد الحصاد تعمل على إزالة الأشواك من الأرض وهكذا، عدا عن الحمل والولادة والرّضاعة للأطفال والعناية بهم، وما يترتّب على ذلك من غسيل وتنظيف وطبخ، وبعض النّساء من زوجات وبنات مربّي الأغنام كنّ يغزلن الصّوف، وينسجن منه “جرازي” للزّوج والأبناء في فصل الصّيف، وما يتبقّى ينسجن منه “النّول” البلدي بأشكاله وتسمياته وألوانه المتعدّدة، وممنوع على المرأة أن تقول “لا” حتّى ولو كانت مريضة! وكانت تتعرّض للضّرب بسبب وبدون سبب، فعندما كان تخرج الفتاة عروسا من بيت والديها، كانوا يقولون للعريس ولذويه:” لنا العظم ولكم اللحم”، أي اضربوها لكن لا تكسروا عظامها! بينما كان دور الرّجل يقتصر على بيع الحليب ومشتقّاته لتجّار القدس، ويلعب مع أقرانه “السّيجة” وهم يحتسون القهوة والشّاي متّكئين على جنوبهم، ويشتكون من الجهد والتّعب!

            بعض الرّجال عمل في تهريب البضائع كالأقمشة والسّجائر من الأردن لصالح تجّار القدس، وبعض آخر كان يسطو على ملّاحات البحر الميّت، يحمّلون دوابّهم بالملح الذي كانوا يقايضونه في قرى رام الله، بالزّيتون والقطّين، العنب والتّين، ولاحقا عمل البعض بزراعة الخضروات المرويّة بمياه المجاري في واد الدّيماس، عندما عملت شبكة مجاري للصرف الصّحّيّ في القدس في بداية أربعينات القرن العشرين، لتترك مكشوفة في منطقة السّواحرة.

    ولم يكن للنّساء رأي في الزّواج، فوالدها من يقرّر نيابة عنها، ولا يجوز لها الاعتراض أو الرّفض مهما كان فارق العمر بينها وبين من يطلب يدها، أو لأيّ سبب آخر.

            النّساء والأطفال ممنوعون من ابداء الرّأي، بل ممنوع على الأبناء مهما كان عمر الواحد منهم أن يتكلّم في حضرة أبيه أو جدّه أو عمّه، وحتّى من كانوا آباء ووالدهم موجود ممنوع عليهم أن يتدخّلوا في زواج بناتهم، فالجدّ ما دام حيّا هو صاحب الرّأي والمشورة في زواج حفيداته، أو أيّ أمر يتعلّق بالأسرة، ” مش معقول ابن بولي يخالف شوري”!

ولم يكن للمرأة أيّ قيمة انسانيّة، بل إنّ وجودها مرفوض، وسعيد من يخلّف الذّكور ولا يخلّف البنات، لأنّ البنت ليست خلفا، لذا فإنّ من أنجبت بنتا أو أكثر يدعون لها ولزوجها بالخلف الصّالح، والمقصود ابن ذكر أو أكثر، وبناء عليه فإنّ من لم تنجب أبناء ذكورا تتحمّل مسؤوليّة ذلك! وقد تتعرّض للطلاق أو لزواج زوجها من أخرى. وهذه المواقف مدعومة من الثّقافة الشّعبيّة التي لا يزال بعضها سائدا حتّى يومنا هذا، لذا فإنّ شرط حماية استمراريّة الحياة الزّوجيّة للمرأة هو أن تنجب أبناء ذكورا، “الاولاد اوتاد”، وعدم انجاب البنات وحتّى وفاتهنّ أمنية اجتماعيّة،” اللي بتموت وليته من حسن نيته”! وإذا ما وُلدت البنت فإنّها لا تحتاج إلى رعاية كالابن الذّكر،” البنات مثل خبّيزة المزابل”! أي تنمو وتكبر بسرعة دون رعاية، وتدليل البنت من الكبائر” دلّل ابنك بغنيك، ودلّل بنتك تخزيك”! ومن المفارقات المحزنة ” ابنك لك وبنتك لغيرك”! و”خير ابنك لك، وخير بنتك لغيرك”!

 

زواج البدل:

        زواج “البدل” كان شائعا في تلك المرحلة، حيث يتّفق رجلان على أن يزوّج كلّ منهما ابنته من ابن الآخر، وربّما كان ذلك بسبب الفقر، فزواج “البدل” غالبا كان يتمّ بمهر بسيط، ولزواج البدل سلبيّات كثيرة، منها أنّه إذا اختلف زوجان وتخاصما، فإنّ بديلتها تقع في المشكلة ذاتها دون ذنب منها، وأعرف حالات تمّ فيها طلاق الاثنتين، وإحداهما ضحيّة لا علاقة لها بالخلافات التي جرت بين أخيها وزوجته “بديلتها”. وكان يقولون:” بنتك أو أختك مش أحسن من بنتي أو أختي”.

زواج الأقارب:

    ومن الزّواج الذي كان سائدا زواج أبناء العمّ والخال، والذي لا تزال بقاياه موجودة حتّى يومنا هذا، حيث يتزوّج الشّابّ ابنة عمّه أو عمّته أو خاله أو خالته، وأعرف حالات تمّ فيها خطبة الفتاة من شابّ من عائلة أخرى، وبعد الخطبة يأتي شابّ من أبناء عائلتها ويعلن أنّه أولى بالزّواج من ابنة عمّه التي قد يكون عقد قرانها على الخطيب قد تمّ، تماما مثل حقّ الشّفعة في بيوع الأراضي، ويردّون للخطيب الأوّل تكاليف الخطبة، ويجبرونه على طلاقها إن كان قد كتب عقد زواجه عليها، فالقاعدة تقول :” ابن العمّ بِطَيِّح عن ظهر الفرس”، والمقصود أنّ له حقّ الأولوية بالزّواج من ابنة عمّه حتّى في يوم زفافها على خطيبها “الغريب”، حيث كانوا يحضرون العروس من بيت والديها إلى بيت الزّوج يوم الّزفاف “الفاردة” على ظهر فرس، ولا يؤخذ رأي العروس بمن تريد الزّواج منه. ومن الغريب أنّ النّساء كنّ يحبّذن الزّواج من ابن العمّ، ومن أغانيهنّ على لسان العروس في حفل زواج فتاة من شابّ من عائلة أخرى:

دبكة ما بعرف دبكة

هيلي ما علّموني

الله يجازي اولاد العمّ

على الغربة ودّوني

وقد ترك زواج الأقارب، خصوصا تكراره في أكثر من جيل مآسي كثيرة، منها العقم وأمراض أخرى.

 

التّعليم:

             تأخّر تعليم بنات السّواحرة في المدارس كثيرا عن تعليم الأبناء، ففي حين بدأ تعليم الأبناء الذّكور في المدارس في أواخر عشرينات القرن العشرين، وأوّل مدرسة للذّكور افتتحت في جبل المكبّر عام 1944. ونظرا لاتّساع البلدة وأنّ من بنوا بيوتا من الحجر بنى كلّ منهم في أرضه، افتتحت عام 1946 مدرسة أخرى للبنين في الجزء الشّرقي من البلدة، لتكون قريبة من مضارب من كانوا يسكنون البراري، ولتمييز المدرستين عن بعضهما البعض، أطلق على الأولى “مدرسة السّواحرة الغربيّة للبنين، في حين أطلق على الثّانية “مدرسة السّواحرة الشّرقيّة للبنين”، ثمّ سحبت هذه التّسمية على المكان، فأصبح “السّواحرة الغربيّة” والسّواحرة الشّرقيّة، حتى بات البعض من الأماكن الأخرى يعتبرونهما قريتين، خصوصا وأنّ وادي قدرون “النّار” الذي تمرّ به مجاري القدس يقع بين الجانبين. مع التّنويه أنّ الجزء الغربي سبق الجزء الشّرقي تعليميّا بجيل، من خلال الدّراسة في مدرسة “النّهضة” و”كلّيّة صهيون”.

  في حين افتتحت أوّل مدرسة ابتدائيّة للبنات في الجزء الغربيّ –جبل المكبّر- في العام الدّراسيّ 1954-1955 بمبادرة من: الدّكتور داود عطيّة حسن عبده، داود علي احمد عبده ومحمّد حسين مسلم جوهر، والتحقت بالصّفّ الأوّل الابتدائيّ بنات من أعمار مختلفة، لا تقلّ عن سبع سنوات، -حسب النّظام التّعليمي الذي كان معمولا به في تلك المرحلة-، ومن الطّريف أنّ إحدى “خرّيجات الأوّل الابتدائيّ تزوّجت في العام نفسه، وكانت في حوالي الخامسة عشرة من عمرها”. ويلاحظ أنّه عند افتتاح مدرسة البنات كان هناك أبناء تخرّجوا من الجامعات، مثل الدّكتور داود عطيّة عبده، والمرحوم داود علي احمد عبده. ومن المهمّ هنا أن نذكر أنّ الأبناء الذين تعلّموا وأدركوا أهمّيّة التّعليم هم من ضغطوا وساهموا في تعليم أخواتهم، وبنات عائلاتهم.

ويلاحظ أنّ الأهالي في تلك المرحلة لم يسمحوا للبنات بتكملة دراستهنّ بعد المرحلة الابتدائيّة؛ لسببين هما:

 أوّلهما: أنّ البنت بهذا العمر يجب أن ترتدي الثّوب التقليديّ المطرّز، في حين تفرض عليها المدرسة ارتداء المريول المدرسيّ.

 وثانيهما: هو عدم وجود مدرسة اعداديّة في البلدة، وهذا يتطلّب سفرها إلى قرية سلوان المجاورة للدّراسة في مدرستها، وفي المرحلة الثّانويّة إلى المدرسة المأمونيّة في القدس. عدا عن قضيّة الزّواج المبكّر التي كانت شائعة بين البنين والبنات.

       واللافت أنّ الآباء وفي غالبيّتهم العظمى كانوا أمّيين، أو أشباه أمّيّين، بعضهم درس في كُتّاب المرحوم الشّيخ عطا السّرخي، حيث كان يعلمّهم الأبجديّة، ويحفّظهم القرآن الكريم. وبعضهم مثل المرحوم والدي لم تتجاوز دراسته في الكتّاب ثلاثة أشهر، وكان المرحوم الشّيخ أحمد علي منصور قد افتتح كتّابا في مسجد الزّاوية العلويّة، القائمة قرب بيته في “باطن الحرف” في جبل المكبر، وقد تمّ توسيعها وبناء مئذنة لها في ثمانينات القرن العشرين، واستمرّ هذا الكتّاب حتّى منتصف الخمسينات. ومع أمّيّة هؤلاء الآباء –رحمهم الله- فقد كانوا حريصين على تعليم أبنائهم لعدّة أسباب – كما أفادني بذلك عدد منهم- منها:

–        قرب البلدة من القدس، وتأثّرهم بعائلات المدينة التي كانت تعلّم أبناءها، أي أنّهم قلّدوا أبناء العائلات في القدس.

–        حثّ وتشجيع القائد عبدالقادر الحسيني لهم لتعليم أبنائهم.

–        سكنهم بجوار القدس” 5 كيلومتر جنوب القدس”، وقرب المدارس الثّانويّة في المدينة منهم، وهذا يعني أنّهم يسكنون في قلب فلسطين، القدس مدينتهم التي يشترون احتياجاتهم من أسواقها، ويبيعون منتوجاتهم فيها، ويتعلّم أبناؤهم فيها، فهذا دفعهم إلى التّحضّر بشكل سريع. وفي إحصائيّة وزارة التّربية والتّعليم الأردنيّة عام 1956 عن تطوّر التّعليم في المملكة، كانت قرية بيت اكسا شمال غرب القدس هي الأولى، وفي العام 1964 كانت بلدة عرب السّواحرة هي الأولى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى