حوار مع إيميليو ألبامونت.. تروتسكي، حياة من أجل الثورة

ترجمة: سعيد بوخليط

ليون تروتسكي: ثمانون سنة عن رحيله   

تقديم:

لماذا تعتبر مهمة العودة إلى حياة ليون تروتسكي،بعد مرور أكثر من ثمانين عاما على اغتياله؟ماذا تبقى من الأفكار التي دافع عنها طيلة حياته؟وفي أيِّ شيء يمكنها راهنا مساعدتنا قصد التفكير والتنظيم كي ندافع عن أفق الثورة،في ظل وضعية الأزمة الاقتصادية، السياسية، والاجتماعية التي نعيشها؟ نعيد هنا تقديم مضامين حوار أجري مع إيميليو ألبامونت أنجز في إطار الوثائقي المعنون ب : تروتسكي، حياة من أجل الثورة.

إيميليو المشرف على حزب العمال الاشتراكي الأرجنتيني وكذا الجناح التروتسكي، الأممية الرابعة.

س-بداية، ماهي الحمولة التاريخية للمنظِّر والثوري ليون تروتسكي؟

ج- يلزم تذكير الأجيال الشابة،بأنه لحظة اغتيال ليون تروتسكي،فقد جسَّد شخصية يثير ذكرها الفزع ليس فقط  لدى الستالينية، لكن أيضا في صفوف الحكومات الرأسمالية، بحيث وصفه تشرشل،خلال لحظة كان تروتسكي منفيا وبعيدا عن سياق الأحداث، بكونه : “غول التدمير العالمي”.سنوات 1930،انبعثت من داخل معسكرات الاعتقال في سيبيريا،أصوات مئات يعدمون بالرصاص وهم يصرخون :”يحيا تروتسكي !”.مادلالة تلك الهتافات التي صدحت بها حناجر هؤلاء المناضلين البولشفيين،الذين أبانوا عن بطولات إبان ثورة 1917 وحاربوا ضمن صفوف الجيش الأحمر؟ بالتأكيد تعكس إشارة على الاحتجاج، حتى آخر رمق،ضد تصفية ديمقراطية السوفييت،مجالس العمال والفلاحين،نتيجة مفعول البيروقراطية والتي عملت بشراسة على تراجع انتصارات ديمقراطية العمال.هتافات تعكس استياء حيال التأميم الإجباري وقتل ملايين الفلاحين والتنديد بإقامة معتقل غولاغ.أخيرا،ضد المصادرة السياسية لسلطة الطبقة العمالية وتوطيد نظام شمولي.أيضا،بدت حاضرة هذه الشجاعة وكذا ثقابة الوعي لدى العديد من أتباع تروتسكي في الغرب.

نتذكر بهذا الخصوص اسم رودولف كليمنت،الذي حمل بصحبته وثائق تأسيس الأممية الرابعة،ثم  وُجدت جثته طافية فوق نهر السين، بعد اغتياله من طرف المخابرات السوفياتية (كي. جي. بي) أياما قليلة قبل انعقاد المؤتمر التأسيسي شهر شتنبر 1938 .أيضا،نستحضر مارتان مونارث، المناضل الشاب، الذي استطاع خلايا فترة احتلال فرنسا من طرف النازيين،بثّ خلايا داخل صفوف الجيش الألماني، سيعدم الغستابو جميع عناصرها لحظة اكتشاف تآمرهم. إنه مثال هائل عن التآخي العالمي بين العمال.رغم إخفاق مثل هؤلاء بخصوص تحقيق أهدافهم، فقد نجحوا على مستوى إظهار السبيل نحو إمكانية إنقاذ حياة ملايين البشر، لو أن  أكبر الأحزاب الاشتراكية/الديمقراطية و الستالينية، بدل إشاعتها الكراهية الشوفينية بين الأوطان،بادرت نحو تشجيع على مدى واسع الأخوَّة بين العمال وقد ارتدوا منذئذ زيَّا موحدا.قاد العمال قبل بداية الحرب العالمية الثانية،ثورات كبيرة تعرضت بفظاظة لغدر الاشتراكيين/الديمقراطيين والستالينيين،كما الشأن مع الثورات الصينية خلال سنوات (1927 -1928)،الثورة العظيمة والحرب الأهلية الاسبانية لسنوات 1930،أو كذلك الصعود العمالي في فرنسا،والخيانة التي أبانت عنها الجبهة الشعبية.وحده تروتسكي وأتباعه في الغرب،رغم تعقب النازيين لخطاهم بالاعتقال والنفي والقتل،وأيضا من طرف الستالينيين وكذا الرأسماليين”الديمقراطيين”،فقد عارضوا السياسة الانتحارية التي بلغت أوجها خلال الحرب العالمية الثانية.إن صرخة : ”يحيا تروتسكي !”التي جهر بها الثوار أمام كتيبة الإعدام تلخص تقريبا تلك النضالات العظيمة وكذا الإخفاقات الكبيرة للطبقة العمالية الدولية.

س-ماهي السمات البارزة للوضعية الراهنة؟

ج-كثيرة هي الأشياء التي تغيرت، وأخرى لازالت على حالها.مثلما نعرف،فقد انهزمت الفاشية من طرف الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية.سادت البيروقراطية الستالينية لعقود بعد انتصار الاتحاد السوفياتي على النازيين. خلال فترة معينة،بدا كما لو أن الستالينية حققت حلم التصنيع والاشتراكية داخل بلد واحد،لكن سريعا حدث ماينبغي له أن يحدث : أصيب الاقتصاد بالركود تحت ضغط الامبريالية العالمية،وأخفقت المحاولات الثورية السياسية في بولونيا، هنغاريا وتشيكوسلوفاكيا، هكذا تحققت في نهاية المطاف إحدى تخمينات تروتسكي عبر صفحات عمله الكبير”خيانة الثورة”،والتي بحسبه تصبح البيروقراطية الماسكة بالسلطة عنصرا فاعلا من أجل ترميم الرأسمالية.

س-كيف وصلنا إلى هذه الوضعية؟

ج– يلزم أولا،التذكير بأن الحركة التروتسكية تعرضت لعملية بتر رأسها. وقد سبق لإسحاق دوتشر أن شبهها ب :”قارب صغير بشراع ضخم”،وبالفعل فقد تلاشى هذا الشراع نتيجة ضربات المعول الستاليني.فيما يتعلق بالواقع الموضوعي،تغير كل شيء حتى لايتغير أيّ شيء،حسب تعبير الكاتب الايطالي توماس يدي لامبيدوزا في روايته”الفهد”. أبرمت الستالينية من خلال معاهدات يالطا وكذا بوتسدام، اتفاقا مع المنتصرين الرأسماليين قي الحرب، أمريكا وانجلترا،تقاسموا بموجبه مناطق التأثير،ثم في نفس الآن تنافسهم حول غاية هزم الثورة العالمية أو تحويل اتجاهها.لم ينجح سعيهم بخصوص عرقلة الثورات الكبيرة كما الشأن بالنسبة للثورة الصينية،وإن تمكنوا من جهة أخرى في كبح المسارات الكبيرة التحررية لمنظومة دول شبه مستعمرة كي تبلغ مرحلة الاشتراكية.ظفرت الرأسمالية بفسحة امتدت لعشرات السنوات حينما اتجهت إلى إنعاش  الإنتاج قصد إعادة بناء دمار الحرب(مشروع مارشال الشهير).لم يكتف سياق من هذا القبيل كي يجعلنا باستمرار تحت سطوة أزمات متواترة،مثل الأزمة البترولية لسنوات 1970،لكن أيضا،وجراء فزعه من النضالات العمالية نهاية سنوات 1960 غاية أواسط سنة 1970،سيفسح المجال أمام الهجوم المضاد الكبير لليبرالية المتوحشة.مما حَكَم على العمال بإخفاق جسيم، ليس فقط داخل الغرب،لكن أيضا، استعباد برؤوس الأموال للدول المسماة عمالية،أساسا الاتحاد السوفياتي والصين.رغم هاته المبادرات،عجز عن تجنب الوقوع في الأزمة الكبيرة لسنة  2008 ،التي دشنت دورة أزمة تاريخية، تعمقت أكثر راهنا نتيجة الوباء.بمعنى آخر،يبدو أننا لانعيش مجرد أزمة ظرفية للرأسمالية، بل على الأرجح،أزمة تاريخية قريبة أكثر من سنوات 1930 مقارنة مع سلسلة الأزمات التي عايناها منذ سنوات 1970 .

س-لماذا تشبه الأزمة الحالية ماعرفه العالم سنوات1930؟

ج-قبل كل شيء،تنتمي هذه الأزمة إلى سياق المرحلة المفتوحة منذ سنة 2008 . عجزت الرأسمالية تماما عن استعادة وضعية النمو المتحققة قبل تلك السنة،رغم محاولات جزئية. تجلت طيلة الأشهر الأولى من الوباء، ملامح  إفلاس هائل، من خلال ترقب نتائج تتمثل في ملايين العاطلين الجدد، تقلص على مستوى الأجور، ثم تعميم الفقر.بالموازاة،تطرح الدول القومية مخططات للإنقاذ تتطلب عدة ملايير مما يضاعف ديونها الضخمة،دون النجاح في إيجاد حل بنيوي بالنسبة لاقتصاد بلدانها. ماسمي بـ”العولمة”التي سادت خلال العقود الأخيرة تواجه اليوم أزمة، وقد فتحت السبيل أمام”أمريكا أولا” لترامب، والتباري حول التكنولوجيات كما الحال مع(5G)، والانغماس مرة أخرى في سباق نحو التسلح،والحروب التجارية مع الصين ثم بروز النزوعات القومية في بلدان عديدة.

أيضا،لا ينبغي إغفال،حقيقة أننا نشهد موجة جديدة لصراع الطبقات.لقد شكَّلت نتائج الأزمة اقتصاديا واجتماعيا موضوع مقاربات عدة،غير أنه لم يعطى سوى قليل من الاهتمام إلى مسألة صراع الطبقات باعتبارها حاسمة.تابعنا مجريات الأحداث سنة 2018 داخل فرنسا مع السترات الصفراء ثم الإضرابات العمالية الكبيرة التي قادها عمال السكك الحديدية وكذا وكلاء الهيئة المستقلة للنقل ضد إصلاح نظام التقاعد.كذلك، اهتز العالم بسيل من الانتقاضات جراء حيثيات الظروف الاقتصادية الديمقراطية والسياسية، في الشرق الأقصى تحديدا هونغ كونغ، ثم بالانتقال إلى الشرق الأوسط في لبنان، وإيران والعراق، أو إفريقيا الشمالية مع الجزائر والسودان.

مثلما، لامست جنوب قارتنا أمريكا اللاتينية، مع الانتفاضة الكبيرة للشباب والعمال في تشيلي، دون إغفال يوميات التمرد في الإكوادور، وكذا النضالات الكبيرة للعمال الكولومبيين، ثم التصدي للانقلاب في بوليفيا… وقائع أحداث حديثة العهد.

لكن هناك أخرى وجب التذكير بها مرتبطة بسياق ما بعد أزمة 2008،أود الإشارة هنا إلى ظروف الثورة التي عرفتها مصر ثم إخفاقها وكذا جل تطورات ما اصطلح عليه بالربيع العربي،بجانب أحداث جماهيرية كبيرة داخل بلدان أساسية مثل تركيا، إسبانيا والبرازيل. نتكلم قليلا عن الصراع الطبقي،بيد أنه حاضر جدا منذ بداية أزمة 2008 .راهنا،تقريبا منذ بداية هذه الحقبة الجديدة المرتبطة بالأزمة المتفاقمة جراء كورونا،نلاحظ إحدى اكبر مظاهر التعبئة ضمن صفوف المنحدرين من أصول إفريقية الذين يكابدون الاستغلال داخل مركز الامبريالية العنصرية الأمريكية.

س-بناء على تواصل العوامل التي رصدتموها، كيف تحددون هوية الحقبة التي نعيشها؟

ج-إن أمكنني تحديد الحقبة بكلمات معينة،أقول بأننا قد ولجنا حقبة جديدة تسعى ثانية إلى بعث الحقبة الامبريالية،التي سماها لينين،وتروتسكي وكذا الأممية الثالثة،بمرحلة الأزمات، الحروب والثورات.

س- لقد استحضرتم إلى حد ما  الشروط الموضوعية، التي يصطدم بها الماركسيون الثوريون، لكن كيف ستكون اليوم الشروط الذاتية الضرورية قصد تحقيق انتصار ثورة اشتراكية؟

ج-سأحاول الإجابة بطريقة تركيبية،لأنه سؤال يقتضي تأملا طويلا.يلزم أولا استنتاج خلاصة حول القرن العشرين،ترصد حدوث تطورات ثورية كبيرة،رغم عامل الحصار الذي شخصته الستالينية صحبة الاشتراكيين/ الديمقراطيين.أخفق العديد منها أو انزاحت عن أهدافها الاشتراكية بكل وسائل التوجيه السياسي.إذا استحضرنا في هذا الإطار،الاشتراكية الديمقراطية الألمانية خلال سنة 1906،التي ضمت خلال تلك الحقبة ملايين الأصوات وكذا الأعضاء وأشرفت على عدد كبير من النقابات.

لقد توقع تروتسكي بناء على الطبيعة الوسطيَّة لتوجهها،إمكانية تحولها إلى عنصر محافظ للغاية،بخصوص أوضاع صراعاتها الطبقية الحادة.حدس هذا المآل قبل عشر سنوات من تصويت الاشتراكية/ الديمقراطية داخل البرلمان على القروض التي أودت إلى مذبحة الحرب العالمية الأولى،وعلى غرار ذلك مختلف الأحزاب الأوروبية القوية إبان الأممية الثانية.أحزاب دافعت عن بورجوازيتها الوطنية وتخاذلت عن وعودها المتمثلة في مناهضة الحرب بإضرابات عامة متواصلة.

تكرر هذا النوع من الخيانات ثم تكرس من طرف الستالينيين على جميع المستويات.بل أضحى بمثابة خط تأثير مشترك، أدى ضمنيا نحو حروب بين دول هزمت الرأسمالية.الخاصية الثورية للتروتسكية فترة وجود تروتسكي لاتشوبها شائبة،بحيث اقترح وتياره خيارات ثورية حيال كل تلك الثورات الكبرى التي أعقبتها خيانات.لكن بعد موت تروتسكي وكذا اندلاع الحرب العالمية الثانية، ستتحول الحركة التروتسكية بعد رحيل رمزها،إلى مرشد لليسار وكذا الأحزاب الإصلاحية الكبيرة،أو تشغل أقصى المعارضة،بحيث لاذت إلى مواقف دعائية متعصبة،لا يمكنها لعب دور البديل أمام مجرى هاته الوقائع التي سددت لصالح الرأسمالية والامبريالية ،خسارة العديد من انتصارات الطبقة العمالية.

س-هل تعتقدون بأن الوضعية الذاتية غير ملائمة حيال الأزمة الكبيرة التي تحيط بنا؟

ج- نعم و لا في نفس الوقت،بحيث يلزم النظر إلى الأشياء بطريقة جدلية. أعطى وجود الاتحاد السوفياتي وكذا الثورات المنتصرة نفوذا كبيرا للتوجهات الماوية أو الكوبية على امتداد قارتنا، ضمن إطار تبني سياسات المصالحة بين الطبقات التي أدت نحو انحراف أو خيانة كل ثورة جديدة.توجهات دُبِّرت غالبا وفق سياسات اليسار الجذري كما الشأن بالنسبة لاستراتجية حرب العصابات التي فرضها الكوبيون سنوات 1970 على قارتنا. حصيلة تاريخ القرن العشرين، انتصار بعض الثورات سواء تحت إشراف الستالينيين أو البورجوازية الصغرى،والتي اكتفت بتحقيق الاشتراكية داخل بلد وحيد، عوض النضال من أجل تمديد انتصاراتها.بعد نجاحات معينة خلال العقود الأولى، ستأخذ منحى التقهقر والركود، ثم أخيرا تحول المبادئ البيروقراطية إلى عوامل لتكريس الرأسمالية، وأدت إلى إحداث تراجع كبير للطبقة العمالية،ليس فقط داخل تلك البلدان،بل أيضا على المستوى الدولي.

أما بخصوص الجانب الايجابي لهذه التراجيدية التاريخية الراهنة،انطلاقا من  الأزمة التي نجابهها،فيتجلى في انعدام حضور تلك الأجهزة الضخمة وخلفها ملايين المناضلين وكذا النفوذ الأساسي،أي معطيات من شأنها تعطيل، ثم أخيرا كبح التطورات الثورية التي تكشف حاليا عن بوادرها.

كي أقدم لكم مثالا صغيرا، لقد نجح رفاقنا الشباب بدولة تشيلي،المنتمين إلى الحزب العمالي الثوري،على مستوى تشكيل تنظيم في منطقة أنتوفاغاستا المنجمية،شمال البلاد، فأرسوا دعائم  جبهة موحدة لمساندة الإضراب العام بجانب الاتحاد العمالي المركزي، التابع للحزب الشيوعي، بحيث دعا إلى مهرجان مشترك لكل المنطقة بأكملها،في أوج سياقات الإضرابات والانتفاضات، التي ضمت أكثر من عشرين ألف عامل.معطى استحال توقعه خلال سنوات 1970، حينما ضم الحزب الشيوعي عشرات آلاف المناضلين، وكان في عداد الحكومة، فانتهى إلى موقف داعم لاقتحام بينوشيه مكتب سلفادور أليندي، مما سمح للانقلابيين بالتحكم في كل الوضعية شهرا قبل يوم الانقلاب.من جهة، أدت دورة الإخفاقات والمقاومة إلى تآكل الجانب المعنوي بل وأيضا بنية البروليتاريا،فإنه من وجهة نظر العوائق التي ينبغي مجابهتها، نعتبر اليوم حقا متموقعين بشكل أفضل. لقد تخلت تلك الأجهزة عن مكتسبات وثورات لقاء ضعفها ثم ضياع الأساسي فيما يتعلق بنفوذها على الطبقات المثابرة.عموما،كي نختصر الجواب على سؤالكم،بالنسبة لنا أصحاب النظرية التروتسكية، يمثل امتيازا تجلي عمق الأزمة مثلما سيتبدى واضحا خلال المرحلة المقبلة ثم ضعف مختلف أنماط الإدارة الإصلاحية أو البيروقراطية.

إذن تمكنا من توسيع وتعضيد قاعدة أطر و مسؤولين كما فعلنا في بلدان عديدة،ستتاح لنا حينئذ القيام بدور حاسم بخصوص تفعيل ارتفاع وتيرة النضالات العمالية كما تلوح في الأفق.ربما تفوق أهمية الدور الحالي مافعله سابقا التروتسكيون حيال الأزمات وكذا صعود نضالات الطبقات.

س-أين تعبر اليوم حركة الجماهير عن نفسها؟

ج-أضحى بوضوح الاشتراكيون الديمقراطيون،إصلاحيين ثم مناصرين لليبرالية المتوحشة،بما في ذلك الأحزاب الستالينية الكبيرة ذات الشعبية مثل الحزب الشيوعي الإيطالي.إن أحزابا شيوعية كما الشأن بالنسبة لشيوعيي فرنسا،الأوروغواي وشيلي،تعتبر اليوم بالتأكيد أكثر ضعفا قياسا للماضي.المجموعات الجديدة الإصلاحية،أو الاصطلاحيون الجدد،مثلما نسميهم،أقصد حزبي سيريزا(اليونان) وبوديموس(اسبانيا)، تظل أساسا مجرد ظواهر انتخابية،دون نضالية فعلية، وتعكس في نفس الوقت دلالات هذا الضعف.تواصل قطاعات جماهيرية مهمة،مع تباينات كبيرة بين البلدان،التعبير عن ذاتها داخل نقابات،تشكل رغم ضعفها وتضاؤل اعتبارها،فضاء مركزيا يبلور غالبا نضالات العمال والعاملات.لذلك، ينبغي لنا،السعي نحو الاشتغال داخل هذه النقابات.تكتفي غالبا توجهاتها البيروقراطية بمطالب إصلاحية غالبا متناقضة،حينما لاتلعب مباشرة دور وكيل مناهض  للثورة، مثلما حدث في الأرجنتين إبان سنوات 1970،مع مشاركتهم في كتيبة الموت”الثالوث A “،التي قتلت ألفا وخمسمائة من أفضل العمال المناضلين قبل 24 مارس 1976(يوم الانقلاب العسكري).لقد أكد تروتسكي في البرنامج الانتقالي،بأن النقابات تستقطب في أفضل حالاتها ضمن صفوف الطبقة العاملة رقما لايتجاوز 25%،لكن بالفعل، نجد غالبا داخل النقابات وكذا تنظيماتها الهيكلية- المندوبين،لجان داخلية،إلخ- تلك القطاعات الأكثر وعيا والأفضل تنظيما داخل الطبقة العمالية.لذلك،تدافع عن فكرة مفادها أن من يدير ظهره للنقابات،يتنكر للجماهير.

إذن، من الضروري الرهان على اكتساب وزن نضالي داخلها بغاية اقتلاع المدراء البيروقراطيين من فوق كراسيهم، وكذا تفعيل نداءات نضالية،حتى تمارس الطبقة العاملة وفق فعل ملموس، وإن بدا صغيرا جدا،تأثيرا حيال تلك الطبقة المغلقة الفاسدة مثلما يسمح ذلك بانخراط النقابات لصالح نضال طبقي لاحق.

بالتأكيد،لايكفي نضال هذه الأقلية من الطبقات العمالية لتعبئة الجماهير الكبيرة قصد النضال إبان مسار ثوري.بالتالي،يلزمنا الدفاع في غضون ذلك،عن برنامج محكم يتجه نحو الاهتمام بأوضاع عمال يعيشون أوضاعا هشة وغير رسميين،تتكرس يوما بعد يوم جراء الأزمة.النضال بغية استعادة تنظيماتنا وسحبها من تحت بساط البيروقراطية،تبقى غير منفصلة عن النضال سعيا لتوحيد صفوف العمال المنقسمين في الوقت الحالي بين المأجورين تبعا لعقود غير محددة،وكذا المؤقتين والعاطلين،وأيضا تعضيد سياسة تدعم الحركات المهمة للنضالات النسوية، والسود، والمهاجرين، والطبقات المتوسطة المنهارة بهدف أن لايتم استقطابهم من طرف اليمين.معطيات من شأنها تحفيزنا: مع تطور الأزمة وتفاعلنا بطريقة ملائمة،يصبح حينئذ في وسعنا بناء أحزاب مؤثرة في صفوف الجماهير وكذا إعادة تشكيل الأممية الرابعة.طموح  نشتغل عليه، بتواضع، وفق اتجاهات حركتنا التي تتوخى تفعيل برنامج و استراتجية مترابطتين، نجاح شبكة اليوميات الثورية العالمية(التي تنتمي إليها الثورة الدائمة)،التي تضم ملايين المنتسبين عبر مختلف جهات العالم،خلال لحظات أكثر حدة بخصوص النضال الطبقي،وتبث يوميا رسالتها بلغات عديدة،يشكل مثالا يبدو أنه يحدس هذا المنظور.

س- تقرون بوجود فرصة متاحة فعلا أمام التروتسكيين لبناء أحزاب ثورية داخل بلدان عدة،وكذا الأممية الرابعة.لكن ماذا يعني أن تكون تروتسكيا خلال القرن الواحد والعشرين؟

ج-كم يصعب تقديم جواب في كلمات قليلة ! يقول لنا بعض الرفاق بأن تعريف “التروتسكية”مجرد إحالة على”قضية إيديولوجية”، بحيث نستنتج على ضوء قولهم عدم أهمية التفكير في تطوير ممارسة ثورية خلال الوقت الحالي.لكن لايتعلق الأمر بقضية تبني اسم.لذلك، حينما نستحضر التروتسكية، لا تتم الإشارة هنا إلى مسألة محض إيديولوجية، مثلما نجاهر بهذه الديانة أو تلك، أن تكون كاثوليكيا، بروتستانيا أو بوذيا، بل نحن بصدد نظرية ذات أسس علمية بلورت برنامجا و استراتجية بغاية أن يتمكن الذي يكابدون الاستغلال من هزم الذين يستغلونهم.مختلف هذا أوضحته نظرية/مخطط الثورة الدائمة وكذا البرنامج الانتقالي،الذي يمدنا بالبوصلة فيما يتعلق بانتصار الطبقة العاملة والمضطَهدين سواء على المستوى الوطني أو الدولي.

س-ماهي حمولة النظرية التروتسكية بالنسبة للأجيال الجديدة؟

ج-أوضحت المداخلات السابقة للرفاق(الفيلم الوثائقي)مختلف جوانب نظرية الثورة الدائمة.سيكون من الوهم الاعتقاد خلال القرن الواحد والعشرين،أن البلدان المتأخرة أو المسماة متخلفة، ستنمو بفضل مشاريع بورجوازيات محلية مرتبطة بالرأسمال الدولي، وتحرر مئات ملايين الأشخاص يكابدون البؤس على امتداد العالم.في أمريكا اللاتينية،عشنا حتى عهد قريب صعود مدِّ المراهنين على صعود بورجوازيات وطنية شهيرة،مثل لولا دا سيلفا، وكريستينا كيرشنر أو هيغو تشافيز.

يكفينا بهذا الخصوص معاينة الكارثة التي يعيش وفقها فنزويلا بعد انقضاء عقدين من هيمنة التشافيزية.يبقى توجيه الاتهام ببساطة إلى الحصار وكذا انقلابات الامبرياليين مجرد مبررات لأنصار هذه الحكومات. وحدها بلدان مثل روسيا والصين قادت ثورات ضخمة وصادرت ممتلكات البورجوازية،ستنجح في انتشال ذاتها من بين براثن التخلف والتبعية،حتى وإن تكلست أنظمتها فيما بعد أو ولدت أصلا مشوهة،بحيث أودت هيمنة البيروقراطيين الستالينيين والماويين على التوالي،كي تفصل بين تلك الثورات عند الحدود الوطنية،وكذا ترميم الرأسمالية.بمعنى ثان،مرة أخرى،أظهر مخطط الثورة الدائمة سموه قياسا إلى زيف النظريات الاشتراكية داخل البلد الواحد.

س-هل تهم نظرية الثورة الدائمة فقط البلدان المتأخرة؟

ج-لا.تتسم المهام في البلدان المتقدمة،بخاصية اشتراكية مباشرة،بمعنى ليس ضروري بالنسبة إليها التحرر من نظام طبقي منغلق لمالكين عقاريين أو الامبريالية التي تطبق ميكانيزمات الاضطهاد وكذا السلب.يحتمل بلوغ عمال هذه البلدان دوائر امتلاك السلطة، واصطدامهم ببورجوازية أكثر تماسكا،لكن بما أنها بلدان متقدمة،مع إنتاجية للعمل قوية،ففي حالة ظفر العمال بمراكز السلطة،يمكنهم حينئذ إضافة إلى تحرير البلدان التابعة، التطور بأقصى سرعة بخصوص النضال من أجل تقليص ساعات العمل،أي تحقيق الأهداف الشيوعية لبرنامجنا.إن إخفاق العمال الألمان،تحت قيادة الاشتراكيين/الديمقراطيين وكذا الستالينية، خلال سنوات1921 ،1923،1929،لم يمكن فقط  هيتلر من الصعود بل أدى إلى بقاء روسيا وحيدة أمام تأخرها،وضع يفسر في جانب كبير منه صعود البيروقراطية الستالينية. تخيلوا لو تحقق عمليا انصهار المستوى العلمي والتقني المتطور للعمال الألمان، مع الحس النضالي للعمال وكذا الفلاحين الروس :كان بوسعنا تجنب الستالينية، الفاشية،بل الحرب العالمية الثانية نفسها. إنه برنامج  و استراتجية ليون تروتسكي.

س- ماهو المخطط الواجب الدفاع عنه قصد تطوير الاستعدادات مستقبلا؟

ج-بغاية تحرير البروليتاريا من نظام العبودية الحديث،المتمثل في عبودية الأجور، داخل البلدان المتأخرة أكثر من المتقدمة،أستحضر بعض اللحظات ليس فقط البرنامج بالمعنى الحرفي،لكن أيضا المنهجية التي تبث الحياة لدى جماهير كبيرة.يحتشد ملايين الأشخاص حين تجلي تطورات ثورية و لايتقدمون بناء على مستوى وعيهم،لكن تبعا للدعاية.وحده وجود أقلية من العمال المتقدمين الذين يشكلون الطليعة، وأكثر تحديدا تدخل الأحزاب الثورية،سيؤدي إلى تقدم الوعي الثوري.انطلاقا من حيثيات هذه المعاينة كتب تروتسكي سنة 1938البرنامج الانتقالي،مواصلا تقليد السنوات الأولى من الأممية الثالثة،بحيث توخى ربط المطالب بالحاجات المباشرة للعمال ثم التدابير التي تقودها إلى بلوغ الحكم.كي نقدم مثالا بسيطا.يؤدي استفحال الأزمة، إلى إغلاق المصانع والمقاولات.

ماذا بوسع إذن عمال  هذه المقاولات القيام به ضمن سياق سيناريو تراكم أعداد العاطلين؟يجيب البرنامج الانتقالي عن ذلك باحتلال المصانع وجعلها تنتج تحت إشراف العمال أنفسهم،وهم يطالبون بتأميم دون استحواذ.في بلدي الأرجنتين،توجد تجربة كبيرة بهذا الخصوص،والتي من خلالها،تموقعنا نحن التروتسكيون ضمن صفوف الطليعة.إن استغرقت الوضعية التي نصفها سنوات عديدة ثم احتمال أن تصبح ثورية مثلما نتوقع اليوم،لن يحدث فقط هذا داخل مصنع أو مصنعين لكن بالنسبة لفروع إنتاجية كاملة وخدمات،مما يقتضي مستوى من التخطيط العام،تخطيط اشتراكي.

لكن السؤال المطروح إذن :ماهي الموارد المالية التي ستعتمد عليها تلك المقاولات في أوج الأزمة؟يتعلق الجواب بانتزاع ملكية الأبناك الخاصة وبالتئام جل الادخار الوطني داخل بنك واحدة،ثم يصبح في وسع العمال التصدي لتحويل تلك الموارد المالية إلى المضاربة وكذا تهريب رؤوس الأموال،بالتالي توفير السيولة الأساسية بهدف اشتغال تلك المقاولات والصناعات،ثم المحافظة بالتأكيد على ادخار المدخر الصغير الذي يعاني دائما من ابتزاز المصرفيين.ينطبق نفس الأمر على الموارد: كيف سيحصل العمال على المواد الضرورية الأولى لهذه الصناعات؟ والعملات الأجنبية؟ بمعنى الدولارات الأساسية لشراء الواردات الأجنبية؟ فكيف سيلتفون على الابتزاز والمفاوضات مع الشركات الرأسمالية المسيطرة على الاقتصاد العالمي لمختلف البلدان ؟ مثلا في الأرجنتين، تهيمن على التجارة  حفنة من الشركات المتعددة الجنسيات المهتمة بزراعة الحبوب وملاك الأراضي.

يلزم العمال أن يفرضوا استئثار الدولة بالتجارة الخارجية بهدف وضعها لصالح الأغلبية.تصور يبقى مجرد مثال عن الكيفية،التي يتغير من خلالها وعي العمال ثم يتطور تبعا لتجربتهم مع المشاكل التي واجهوها حينما تتكرس الأزمة وينخرط العمال في سياق ثوري.لا يتعلق الأمر بالبروباغندا،حتى ولو اقتضى ذلك خوض كثير من النضالات النظرية والإيديولوجية،لكن أيضا صياغة أفضل الشعارات المناسبة خلال كل لحظة،قصد تمكن العمال تدريجيا من مواجهة صعوبات ضخمة تعترض سبيلهم.مختلف ذلك صحيح،كلما أخذنا بعين الاعتبار،حقيقة أننا أمام أعداء ليس فقط خارجيين،يتمثلون في الرأسماليين والدول المنحدرين منها،لكن أيضا أعداء داخليين،كما الشأن بالنسبة للإدارات النقابية البيروقراطية أو حركات اجتماعية،تسعى في نهاية المطاف،من خلال الخديعة /أو القمع،تعضيد الأحكام المسبقة الإصلاحية للعمال أنفسهم بأن تقول لهم لاشيء ممكنا،سوى بقائهم مجرد متسولين لمساعدة الدولة أو أرباب العمل.

س-ماذا يقول البرنامج حول الكيفية التي ينبغي وفقها للعمال تنظيم أنفسهم؟

ج-يؤكد المخطط الانتقالي بأنه في خضم النضال من أجل هذه المطالب،يمكن للطبقة العاملة ويلزمها تطوير تنظيمها الذاتي الخاص كي ننتزع هذه التنظيمات من أيادي البيروقراطية التي تخضعها للدولة وتحولها جراء ذلك إلى متواطئين وعملاء لتفعيل مخططات المجاعة الرأسمالية،عبر بناء تنظيمات ديمقراطية حقا،تكون قادرة على تجميع مختلف القطاعات المناضلة وضمان الدفاع الذاتي ضد القمع وحيال المجموعات شبه الحكومية.

لقد خلق العمال الروس تنظيمات أكبر حقا من النقابات،ألهمت عمال بلدان أخرى إبان ثورات عديدة.تسميتها الأصلية ”السوفييت”،الدالة فقط على معنى”مجلس” يضم خارج إطار النقابات عمال المدينة مع مندوبين يتم توكيلهم وتفويضهم من طرف رفاقهم في العمل قصد مناقشة وكذا حصر الأجوبة بخصوص مختلف الأسئلة المطروحة إبان هذه الوضعية لصراع الطبقات.سأقدم لكم مثالا صغيرا،يستحيل الكلام اليوم عن هيمنة العمال- باعتبارهم مرتكزات  الاقتصاد- على قطاعات أخرى مضطهدة دون أجهزة ديمقراطية مباشرة تحقق تقاربا بين نضالات العمال مع الحركات القوية التي عبرت عن نفسها خلال العقود الأخيرة، مثل الحركة النسائية الضخمة وكذا الحركة التي تناضل ضد الكوارث البيئية. وحده هذا النموذج من التنظيمات،الأرفع منزلة من النقابات،بإمكانه توحيد وتجميع مختلف المطالب.

س-ما الهدف النهائي لهذا المخطط؟

ج-سأبدأ بالشق الأول من السؤال.يكمن المشروع بأنه بناء على هذه التجربة،سيتأتى للطبقة العاملة والقطاعات المضطَهدة خلاصة مفادها ضرورة امتلاك سلطتها الخاصة.جمهورية العمال، و”ديكتاتورية البروليتاريا” حسب تعبير ماركس. تماما مثل البورجوازية، التي تحافظ دائما تحت سلطة الأنظمة الديمقراطية أو السلطوية،على ديكتاتورية رأس المال، يتيح لها باستمرار تكريس مصالحها الخاصة، ينبغي على البروليتاريا بدورها فرض مصالح الأغلبية الكبيرة من العمال وكذا الجماهير الشعبية.تشتغل جمهورية العمال على أساس ديمقراطية الذين يشتغلون،عبر مجالس المنتدبين المنتخبين من طرف وحدة إنتاجية، مقاولة، مصنع، مدرسة، إلخ،بغاية تمكن العمال من الحكم بالمعنى الواسع للكلمة، وعدم الاكتفاء بانتخاب ممثلين كل سنتين أو أربع سنوات،بل يحددون يوميا التوجه السياسي للمجتمع وكذا التخطيط العقلاني لموارد الاقتصاد.بمعاني أخرى،ستصبح مجالس العمال،أي أجهزة توحيد النضال،أساس دولة جديدة، دولة العمال والعاملات.

س- كيف ننتزع السلطة من الرأسماليين وكذا قواتها العسكرية والقمعية؟

ج-يمكنني أن أجيبكم وفق مصطلحات عامة.أذكر مقالة حديثة صادرة ضمن صفحات مجلة (la new left review)،قارب من خلالها فولفغانغ ستريك السوسيولوجي الاشتراكي-الديمقراطي اليساري التفكير العسكري عند إنجلز،مؤكدا على استبعاد كل منظور ثوري قياسا للوضع الراهن،نتيجة التطورات التكنولوجية،وكذا المستوى التقني المتقدم الذي بلغته الطائرات بدون طيار قصد تنفيذ اغتيالات منتقاة وكذا التطور المتقدم لنظام التجسس المعلوماتي. نقاش يحظى بمكانة جوهرية،لأنه ينصب على إنهاء المنظور الثوري من عدمه. يكمن في نظري الخطأ الأساسي لتحليل ستريك في اختزاله القوة عند جانبها التقني/ المادي. ينطلق تروتسكي من أطروحة الجنرال البروسي ”كارل فون كلاوزوفيتز”كي يميز بين القوة ”المادية”و”المعنوية”.في حالة ثورة عمالية،تكمن مثلا القوة المعنوية في عدد العمال وحلفائهم،التي تعتبر كبيرة للغاية مقارنة مع كل جيش نظامي أو المجندين،ثم تمسكهم  بإرادتهم النضالية غاية النهاية.يضاف بالتأكيد إلى هذا،خاصية القيادة،بحيث لاترتجل قط ممارستها النضالية.لنرصد بعض الأمثلة.

منذ قرن،قارب تروتسكي موضوع السكك الحديدية،وقد شكَّلت خلال تلك الحقبة تقدما كبيرا مادامت تمكن الجيوش من نقل فرق إلى المدن في غضون ساعات.بهذا الصدد،أقر بضرورة عدم إغفال انبعاث حقيقي للجماهير من خلال مبادرتها إلى خوض إضراب يشلّ السكك الحديدية.يمكننا مقارنة هذا السياق بالمنظومة المعلوماتية المتطورة حاليا لجهاز الشرطة التي أشار إليها ستريك :فماذا سيحدث إن بادر عمال الاتصالات إلى فصل الأجهزة،أو وقف التزويد من طرف عمال الكهرباء عن بعض المناطق،مثلما يفعل أحيانا اختصاصيو الطاقة الفرنسيين ؟ربما تمتلك البورجوازية أفضل الأسلحة ومزيد من وسائل القمع،لكن فضل تحريك المجتمع يرتبط بمدى فاعلية العمال، ويقتضي التحريض الحقيقي للجماهير،إضرابا عاما،يمثل أساسا لكل تمرد.حنة أرنت،وهي البعيدة عن التروتسكية،أوضحت بأن الحرب الأهلية الاسبانية قدمت الدليل على أن العمال بقيادة الفوضويين، المدججين بالبنادق والسكاكين، بعددهم الهائل وانقسام الطبقات المسيطرة،تمكنوا في نهاية المطاف من تحقيق الانتصار داخل المدن التي سيطروا عليها،بعد هزمهم لجيش فرانكو المحترف الذي حارب الجمهوريين.هكذا استخلصت،بأنه لايمكننا فقط الاكتفاء إبان الوضعيات الثورية،بتحليل الجانب الكمي للقوات المدافعة عن النظام وكفاءتها التقنية،لكن ينبغي في الوقت ذاته أن نأخذ بعين الاعتبار إرادتي المضطَهدين كي يقاتلوا ومضطهديهم على التراجع والانسحاب.يكمن الموضوع الأساسي للدهاء العمالي في بثِّ الشك وشلِّ إرادة هؤلاء في القمع.

س-لماذا تقولون بأن استيلاء العمال على السلطة يمثل الهدف ماقبل الأخير للمشروع؟

ج-بكل بساطة لأن الهدف النهائي ينصب على الشيوعية،مفهوم لوثته طيلة مرحلة كبيرة من القرن الأخير،المرجعية الستالينية ثم ماينعت ب”الاشتراكيين الواقعيين”. يتعلق الأمر باستعادة النضال من أجل مجتمع بلا طبقات اجتماعية،دون دولة أو استغلال ودون قمع،إنها الشيوعية.هذا التطلع ليس بمسألة قومية،بل حصيلة وحدة وتنسيق بين مختلف القوى الإنسانية المنتجة على المستوى الدولي،وأخيرا العالمي.هذا سينمي بكيفية لانهائية قدرة الإنتاج لدى نوعنا بغاية تحرر الكائنات البشرية من فظاظة العمل  الجبري والمرهق.

لنتذكر بأن كلمة عمل مصدرها تسمية أداة تعذيب طبقها الرومان على العبيد. لقد اهتم جانب كبير من فلسفة القرن العشرين على مساوئ التكنولوجيا.تذهب هذه الرؤى السلبية من مواقف اليمين المتطرف كما الشأن مع مارتان هيدغر المتعاطف والمنتمي إلى القومي الاشتراكي، مرورا بما بعد الحداثة غاية مواقف الاشتراكيين الديمقراطيين لليسار كما الشأن مع أدورنو وهوركهايمر. دون الذهاب بعيدا،بوسعنا أن نتابع اليوم العديد من الإبداعات الفنية كما الشأن مع سلسلة ”المرآة السوداء” التي توثق  لواقع مرير، سيطرت في إطاره التكنولوجيا على الكائن البشري.آلات تسترق بشرا متهافتين وسريعي الانقياد عجزوا عن الصمود أمام تلك الهيمنة.لايستطيعون تبيّن تكهنات معينة، و يفاقمون بالتالي بعض سمات ديكتاتورية الشركات الكبرى ودولها في إطار الرأسمالية الحالية.

وحدهم الماركسيون الثوريون بوسعهم رصد الكامن بين طيات تطورات العلم والتكنولوجيا حتى يقلصوا إلى أقصى درجات اللامعنى الحيز الزمني الذي يخصصه كل فرد إلى العمل الذي تفرضه الرأسمالية،داخل مجتمع ليس رأسماليا.فلا يمكننا نسيان بأن القرارات الاستراتجية حول مفهوم،وكذا استعمال وتطوير التكنولوجيات اتخذتها ذوات بشرية،وليس آلات.إذن،لسنا عبيدا للروبوتات،لكننا نعيش تحت هيمنة الشركات المتعددة الجنسيات ودولها،تتمثل العبودية الحديثة في العمل المأجور.

يخضع كل شيء لهذه السلطة بما في ذلك العلم والتكنولوجيا.يمكِّن تطور العلم والتكنولوجيا من اختزال العمل الضروري اجتماعيا لإنتاج الثروات التي نحتاج إليها كي نعيش.لكن مثلما قال ماركس،ففي إطار النظام الرأسمالي،لاينعكس أثر ذلك بإتاحة مزيد من الوقت الحر لأغلبية الكائنات البشرية،لكن بتفاقم أعداد العاطلين،وكذا أفراد البطالة المقنَّعة ومؤقتين يكابدون  البؤس، ثم من جهة أخرى،تضطر قطاعات أخرى للطبقة العاملة كي تستهلك حياتها في دوامة العمل، من خلال يوميات تتراوح ساعات العمل إبانها بين ثلاثة عشر وأربعة عشر ساعة.مختلف ذلك لفائدة الرأسماليين وشركاتهم الكبرى العابرة للقارات،ويكمن الهدف دائما في احتفاظ خمس وعشرين ملياردير على مقدار نفس ثروة نصف عدد البشرية،مع تخريب الكون وكذا الطبيعة.

سيتيح الظفر بالسلطة من طرف الطبقة العمالية،القطع مع هذه اللاعقلانية المطلقة ثم توزيع ساعات العمل،بطريقة عادلة،وضمان راتب في نفس الوقت على ضوء الحاجيات الاجتماعية.هكذا، يتجلى تحديدا منظور الثورة الاشتراكية التي يمكنها السماح إبان القرن العشرين،بضرورة استثمار التطورات الضخمة للعلم  والتكنولوجية وجعلها في خدمة التحرر من عبودية الأجرة،بما في ذلك العمل المنزلي،الذي يتطلب كل القدرات البشرية،عبر علاقة متوازنة مع الطبيعة وليست افتراسية.بالتالي،حينما نتكلم عن النضال بهدف تحقيق دولة عمالية،نقصد بذلك دولة انتقال نحو مجتمع بلا طبقات تختفي معه الدولة على مستوى وظيفتها القمعية.ومثلما أشار تروتسكي،يكمن هدف الشيوعية في تطوير التقنية حتى توفر المادة للبشر جل احتياجاتهم بل وأكثر من ذلك.لكن هذا الهدف يجيب على هدف أسمى منه،يتمثل في تحرير القدرات الإبداعية للكائنات البشرية من مختلف العوائق و الإكراهات التي تنطوي على الإهانة،وبأن العلاقات الشخصية،العلم، الفن،لايمكنها قط استساغة ظلمة إرغام ينطوي على الاستبداد.

س-كسؤال أخير، هل تسعون إلى طرح إضافة؟                                   

ج-لقد استعرضنا سريعا مختلف القضايا التي نجابهها اليوم.أعتقد ونحن بصدد تخليد الذكرى التراجيدية لاغتيال تروتسكي، بأن أفضل تأبين بوسعنا تقديمه له يتمثل في ترصّد الفرص المتاحة أمام الثوريين جراء أزمة الرأسمالية،لذلك لايمكنني أن أنهي سوى بكلمات من هذا القبيل.تحيا الحياة وتراث تروتسكي،المكرس لتحرر المستعبَدِين وكذا المضطَهَدين على امتداد العالم،يحيا النضال من أجل إعادة بناء الأممية الرابعة.

 مرجع الحوار :  

actualité des idées du trotskysme :06. 09. 2020.L

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى