أيها السادة ارحلوا عن يومياتنا

يونس العموري | فلسطين

وكان التحذير من مغبة الانجرار إلى منزلقات السقوط في بحر تناقضاتنا، وما زلنا نحذر من مغبة  الإسقاط والانجرار الى العنف الداخلي غير المحرم  بالظرف الراهن ، وقد يكون غير المفاجئ،  في ظل سياسات التجويع والحصار للشعب وجماهيره، جراء برامج السياسات المُصنعة في دهاليز الغرف الموصدة على شرعية القرار والتقرير واليات تمثيله لجموع جماهير الأرض السمراء الغائبين المغيبين عن حقيقة إصدارات الفرمانات ، والكيفية التي من خلالها تتم صناعته وتسويق ضرورته وتبرير القفز عن الأنظمة والقوانين والدساتير والمواثيق والعهود ، ولم  ولن يظل القسم هو القسم ولا العهد هو العهد ، فقد تبدلت مواثيقنا وعهودنا واصبحنا نلهث خلف ما من شأنه تنفيذ مدونة السلوك الجديدة لرعاة المشروع التصفوي لإعلاء كلمة الحق والحقوق والتشبث بالهوية الوطنية النضالية المقاومة ، وفي ظل احتراف سياسات الكذب والرياء وتكذيب إرادة بنادق الاحرار وتصفيتها على مرأى من الكل ، وسياسات الاستجداء من قبل رعاة التربع على عرش منصة شرعية القرار واصداره .

وفي ظل السياسات التي تستهدف النيل من صمود هذا الشعب ودفعه باتجاه تقديم التنازلات والتخلي عن الثوابت والحقوق، تحت أنين الجوع والفقر والحصار، نعايش اللحظة برتابة الانتظار للفراغ ، واعتبرنا أن ثمة رائحة خبيثة تنطلق من قبل مسوقي أجندات الآخرين على الساحة الفلسطينية وتصفية الحسابات الإقليمية من خلال بوابة الواقع الفلسطيني الداخلي ، وكنا أن اعتبرنا أن الوقائع السجالية ما بين أقطاب القوى الوطنية العاملة على الساحة لا تنذر بتصفية الأزمة القائمة والمتفاقمة،  كل هذا والشعار الذي أضحى أضحوكتنا الكبرى نحاول أن نستر عورتانا به ،  وهو المتمثل بأن الدم الفلسطيني خط احمر لا يجوز تجاوزه أو اعتبار أن مسألة الاقتتال الفلسطيني الداخلي لا يمكن أن يندلع، قد سقط وأصبح وهما، بل اعتبرنا أن مسألة أو إمكانية اندلاع حرب أهلية فلسطينية امرا صعب المنال، والأدهى أيضا من ذلك أن كل طرف من الأطراف يعتبر نفسه مالكا للحقيقة دون سواه وله الحق بالتصرف بمصائر الوطن وتقرير المصير على اعتبار انه المالك الوحيد للحقيقة وللصوابية في التعاطي والشأن الفلسطيني الداخلي، وهنا اسمح لنفسي بالقول أنكم جميعا لا تملكون هذا الوطن والوطن ليس ملكا لكم  بصرف النظر عن أحجامكم او قوتكم و حتى إمكانياتكم ، أنكم يا سادتي أصحاب دكاكين تروج للبضائع الفاسدة، وقد أخفقتم بالتعاطي وقضايانا وهمومنا بصرف النظر عن مواقعكم الرسمية أو تلك غير الرسمية، ولا استثني منكم أحدا فكلكم مسؤولون عما يؤول إليه الوطن، وكلكم مشاركون بجريمة استهداف الشعب وجماهيره من خلال متاجرتكم بمعاناة أهل الوطن وأبناءه…

أيها السادة ارحمونا وارحموا معاناتنا من غيكم ومن سيطرة مواقفكم علينا وادعائكم بملكية الحقيقة والصواب ووجهة النظر الصحيحة، ارحمونا من سجالكم ونسيانكم لنا وكأننا شعب مطلوب منه أن يؤدي ولاء الطاعة لقواكم وأحزابكم وتنظيماتكم، ونحن الذين خبرنا التعامل وقضايانا ونعلم حق العلم من أنتم ، وما تمثلون ، وكيف من الممكن أن تتمترسوا بالدفاع عن مصالحكم ومصالح مناصريكم أولا وقبل كل شيء، يا سادتي كفاكم ارتباطا بالخارج وبأجندات الخارج وبالقوى الإقليمية التي تحاول أن تنجز مصالحها ومصالح أوطانها من خلال صراعاتكم، واستهداف جماهير شعبكم وأنتم تعلمون هذا علم اليقين.

ابعدوا نيران أسلحتكم عن شوارعنا وعن إحيائنا وعن صدورنا، واعلموا أن أفعالكم مخزية ولا تليق بهذا الشعب العظيم الذي لابد من أن يلفظكم ويلفظ أفعالكم، ويرفض كل أساليبكم في السيطرة ومحاولة سرقة الوطن والاستئثار به من قبلكم.

أيها السادة إن فلسطين ليست ملكا لفصيل، وان كان المنافس الأقوى على الأكثرية النيابية، ولا تعتبر بأي شكل من الأشكال مزرعة من مزارع تنظيم اخر تديرها وفق ارادتها، إن فلسطين لا تراهن على قوى وتجمعات رسمية كانت ام غير ذلك تأتمر بقرارات خارجية ولا بقيصر يراعي مصالح الآخرين على أرضه.

يا ملوك دبلوماسية الفراغ، وامراء الهذيان السياسي، اتدركون ما آلت اليه القضية الوطنية في ظل فعل سماسرة ومقاولي السياسة في الدهاليز الإقليمية والدولية …؟؟ فقد أصبحت السفارات العربية في قلب شوارع تل ابيب راضية مرضية، آمنة مطمئنة، وأنتم بالحمد تسبحون لفعلكم وأنشطتكم وكفى الله المؤمنين شر القتال.

يا رجال النظام وارباب المعارضة، ويا انصاف الموالاة ومن يقف على الحياد، والمتفرجون والمراقبون، وهؤلاء العابثون، والقابعون، أتعلمون أيها السادة صراع الأجندات في القدس العظيمة والمحتدم من قبل مراهق اعتلى المنبر العظيم ناطقا باسم الاسوار وكل الرابضين المرابطين المطرودين على الهوامش جالسين. يمنحونه البيعة والمبايعة ارغاما واغتصابا، وبات الغلمان هم من يقررون واجهة ووجهة قبلة البيت العتيق.

أيها السادة المتخندقون بخنادق تخريبكم قدموا لنا استقالاتكم وارحلوا عن إدارة شأننا ، فقد فشلتم جميعا في استيعاب آهاتنا وهمومنا، بل وأصبحتم عبئا علينا وعلى مسيرة نضالنا وكفاحنا، ويهوذا يتربص بنا ويعلم كل العلم أن اللحظة قد حانت ليرتاح ويهدأ ولو قليلا وانتم تمارسون ضجيجكم وصخبكم وتخريبكم وتقتيل بعضكم.

والحالم القادم قد يكون الأفضل، سيأتينا كناساك متعبد بين ثناياه الكلمات الغاضبة لعل وعسى يصنع معجزة في ظل معضلة الامارة وتناقضاتها، وهو الشاهد على الواقع الراهن في ظل الاستكانة والتخريب للمشروع الوطني، وتجريف منظومة الوعي والفهم والادراك لمعادلة الصراع ،ولحقيقة اباطرة الحكم والتحكم وإحكام السيطرة على ما تبقى من الروابي والتلال الخضراء .

وهو المُنتظر للحظة المواتية للانقضاض على معاول التخريب وتجريف التاريخ وتزوير الحقيقة والتلاعب بمصائر البشر والعباد والعبيد. وهو المعايش أيضا للتناقض الساكن بين ضلوع الذات، والمتصارع مع الفكرة واستدامة المواجهة مع الكل المنبطح.

وهو القادم الى منصة الصرخة فمرة أخرى يكون الانكسار، ومرة أخرى يعايش هزائم غزواته، ومرة أخرى نجده في مهب الريح، ما بين الصحو والهذيان، يمارس طقوس حياة غادرته، ما بين الليل والنهار، عائد إلى رتابة أشيائه ، ومرة أخرى سيشرب قهوته بمفرده ، وسيقرأ كتاباته لذاته ويعيد محاكاة وقائعه وسيسمح لنفسه أن تغوص في بحور احلامه ، وستغادره ابتساماته ، وكلماته ستكون جافة ، ولن ينتظر هاتف الليل ، وكلام المساء سيخونه ، وصباحه  سيعلن عن قسوته ، ونهاره سيحرقه، وأسوار العتيقة سيعود إليها شاكيا باكيا ، وسيعبر حواري القدس من جديد ، ليترجل ويجر خيباته ، وسيطأطأ رأسه بأزقتها من جديد ،  اتاها قبل سنوات معلنا عن همه وشجنه واشجانه ، وبللته امطارها وغسلته من همومه ، واليوم يعود ليسير بالدرب ذاته ، أوليس ابن الرب قد اتاها ولاذ اليها شاكيا باكيا هاربا ، من القسوة وظلم ذوي القربى…؟؟

فيا أزقة القدس العتيقة، وصديقته احتوي صرخاته، واكتمي أهاته، صديقة انكساراته. وجد ذاته بصرخة مرتدة عن جدران ازمانه قابعا ما بين الهذيان والصحو، متكورا عن احزانه مناشدا الفرح ان يتسلل الى اعماقه واعتصم بين حجارة الأسوار العملاقة وأحجم عن الظهور، ولن يظهر الا حينما تأتيه البشارة والبشارة هنا بضرورة رحيل من يعتلي منصة الأمامة المنافقة، الواهية كرتونية العرش المبين.

 لعل وعسى ان يعود الامير الصغير الى ثنايا مدينته ويمارس الحب بوضح النهار، ولن يغادر حلمه هذه المرة ولن يمنح البيعة من جديد الا للذات الأمنة المطمئنة القادرة على فعل التحدي والاستجابة لضرورات النهوض والاستنهاض من هذا السبات العميق، والبيع والشراء في أسواق النخاسة وتجارة الرقيق.

أيها السادة الكبار خُذوا كلامكم وارحَلوا، خذوا خطاباتكم وارحلوا، فالكلمة مَوقف، قبل ان تكون صف أَلماس من الكلام، مثلما الثائر موقف لا يهادن نَذلا أو جبان.

يا قادة الصدفة واللحظة الفارقة، خذوا اوراقكم وارحلوا، خذوا كتبكم العتيقة وتلك الجديدة وارحلوا، خذوا خطاباتكم المكررة ولا تنتظرونا وارحلوا، خذوا بقايا مواقفكم وبرامجكم الفاشلة وارحلوا، خذ وعودكم الكاذبة وارحلوا، خذوا نظراتكم الخائبة وارحلوا، خذوا رسائلكم المزيفة، خذ ما شئتم من اعمارنا، من ارواحنا من سعادتنا وارحلوا عن يومياتنا، وارحلوا رحيلا بائنا، لا رجعة فيه ولا عودة، وافسحوا المجال للحالم القادم على صهوة صرخته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى