الرئيسية / قصة / حكايات شهريار قصة يعقوب (٨)

حكايات شهريار قصة يعقوب (٨)

شرين خليل | مصر

اللوحة للفنان بيدير مورك مونستيد

وجدت يعقوب في المقابر في نفس المكان الذي قابلت فيه السيدة العجوز يجلس بجوار أحد القبور وبجانبه هذة السيدة.. اقتربت منه في هدوء حتي لا يشعر بي ويهرب مني ولكني لم أتمالك نفسي فشوقي له قد تجاوز كل الحدود ..
ناديت عليه :يعقوب إبني إلتفت إلي وضمتته في صدري وأنا أبكي وهو يبكي ..أخيرا ياولدي أخيرا أنت في حضني ..أخيرا يايعقوب ..هل كنت تختبر حبي لك؟ أم كنت تعاقبني ؟؟ هل صدقتني الآن وأدركت مدي شوقي لك وخوفي عليك ؟ أنا أحبك ياولدي فأنت نور عيني …
_سامحني يا أبي مافعلته كان خارجا عن إرادتي ..لم أكن أعلم بأنك تحبني كل هذا الحب .كنت أظن أنني لا أمثل لك شئ وأنك تحب أخي أكثر مني وتكتفي بوجوده معك لذا رحلت ولكن عندما علمت ماحدث لك لومت نفسي لوما شديدا وعندما أخبرتني هذه السيدة بأنك سألتها عني وطلبت مني أن أعود لك عندما جئت لزيارتها وأنا متخفي حتي لايراني أحد خجلت من نفسي، فكيف أعود إليك بعد كل ماحدث كيف أواجهك بعد ماسببته لك من متاعب ..ولكن من أخبرك أنني هنا؟
ردت السيدة العجوز أنا التي أخبرته أرسلت رسالة لضحي مع أحد الأشخاص الذي أعتاد زيارة المقابر ..
وتركتنا وذهبت كنت أريد أن اقبل يدها ورأسها ولكنها لم تنتظر .
كدت أن أطير من الفرحة فلقد عادت إلي روحي التي أفتقدتها أنظر إلي يعقوب وأضع يدي علي وجهه لأتاكد أنني لا أحلم ..
-يعقوب هل انت بخير ياولدي ؟
نعم ياأبي ، لا تقلق علي فأنا بخير لأني معك .كم مرت علي أيام وليالي وأنا أنتظرك .لقد أفتقدتك ياأبي وذقت مرارة البعد ،الحياة بدونك كانت صعبة جدا لم تكن حياة أبدا… منذ طفولتي وأنا وحيد وبائس أعاني من الوحدة والحرمان ولا أحد يشعر بي .
-هيا بنا ياولدي من هنا نذهب إلي المنزل ونبدأ حياتنا الجديدة ..
أمسكت يده ولكن لفت نظري الإسم الموجود علي القبر الذي كان يجلس بجانبه، إنه قبر صديقي يعقوب، سألته: هل تعرف صاحب هذا القبر؟
_ نعم يا أبي إنه صديقك المخلص..كنت دائما تحكي لي عنه وجدتي أيضا كانت تحكي لي عن حبه لك وعن أفعاله الطيبة ومدي حب الناس له وأنه طيب الأثر وأشتهر بفعل الخير، وتتمني أن تراني مثله وتقول لي دائما أنك يا أبي إخترت لي إسم يعقوب لكي أكون مثله ..أحببته دون أن أراه وأعتدت علي زيارته فعندما كانت تضيق بي الحياة أهرب إلي هنا وأجلس بجوار قبره وأتحدث معه كأنه يسمعني وأحكي له عن كل ما يؤلمني ..
-حقا ياولدي إنه كان صديقا مخلصا فهذا حال الطيبين يغادرون الحياة سريعا .لاتحزن يايعقوب سانبدأ حياة جديدة بدون ألم هيا بنا ياولدي فجدتك تنتظرك علي لهفة ..
خرجنا من المقابر وذهبنا إلي المنزل وأستقبلت أمي يعقوب بالأحضان الحارة ..
وبدأت في عتابه ..طلبت منها أن ننسي مافات ونحمد الله علي عودته لنا ..
دخل يعقوب حجرته لكي يرتاح وينام ..
وأنا مازلت خائفا عليه أجلس بجانب الغرفة إلي أن أشرق الصباح وخرج من غرفته ليجدني نائما علي الكرسي بجوار باب الغرفة ..جلس أمامي علي الأرض وبدأ يقبل في يدي ويقول لي لن أتركك أبدا يا أبي وسأكون لك خير السند ..
سألته أين ذهبت يايعقوب في هذة الفترة الصعبة ؟؟
_كنت أعمل في أحد المطاعم فأنا لدي بعض الخبرة في هذا المجال منذ طفولتي كنت أجلس بجوار أمي وأساعدها في إعداد الطعام لطلاب المدارس وعندما وجدت صورتي في الجريدة طلبت من صاحب المطعم أن ينكر وجودي ولا يخبر أحد مهما كان أنني أعمل عنده وأخبرني أنك سألته عني يا أبي ..
_الحمد لله علي عودتك لي ياولدي وهيا بنا لنقوم بإعداد الطعام سويا فلدينا أعمال كثيرة اليوم سنذهب لشراء مزرعة و نقوم ببناء منزل صغير لنا ونعيش أنا وأنت وأخوك وجدتك في هدوء أتمني أن تكون الأيام المتبقية من حياتي أيام هادئة ودافئة ..وكل ما أريده منك أن تهتم بدراستك وأن تكون إبني وأخي وصديقي …لن نفترق مرة أخري يابني …
سألني سؤال غريب هل مازال لديك أموال تكفي لشراء المزرعة ياأبي ؟؟ ..
– إطمأن يابني لدي مايكفي ويزيد أيضا فجدتك ساندتني كثيرا عندما كنت أرسل لها المال كانت تدخر جزء في البنك وجزء آخر تشتري به بعض العقارات بغرض الإستثمار ..جدتك إمرأة عظيمة تحملت كثيرا وتعبت معنا جميعا فهي سيدة أعمال رائعة وأم وحنونة ولكنها تعشق الإنضباط والإلتزام لذا كانت تقسو عليك في بعض الأحيان كما كانت تقسوا علي ..لم أكن أعلم أن قسوتها علي كانت حبا وخوفا علي فلقد ندمت علي عدم طاعتي لها في أمور كثيرة ففي النهاية كان رأيها هو الرأي الصائب ..أحيانا لا نفهم من ينصحنا ..
الخلاصةياولدي لن تجد في هذه الدنيا من يحبك مثل أبوك وأمك وهذا ماعرفته ..الغربة علمتني أن حضن أبي وأمي يساوي كنوز العالم كله ..وعلمتني أيضا أن العقل لابد أن يتحكم في القلب وأن أتعامل بحذر ولا أنبهر بالمظاهر ولا أنساق وراء المشاعر الزائفة وأتعلم من تجارب الآخرين ومن أخطائي ، لا يلدغ المرء من جحر مرتين ،
الحمد لله ياولدي أنني مازلت بصحتي وأنت وأخوك معي …وهيا بنا حتي لا نتأخر ..
مرت الأيام والشهور وأنا ويعقوب نقوم ببناء البيت وتجهيز المزرعة حتي إكتمل كل شئ وإنتقلنا للعيش فيها فهذه الحياة التي كنت أحلم بها بعيدا عن الصخب والضوضاء أنا وأولادي وأمي .
تمر الأيام وأراك يايعقوب تكبر وتزداد رجولة وأري فيك أحلامي التي تمنيت أن أحققها وأري فيك المستقبل والأمل تحب الجميع وتساعد كل الناس .حياتي معك إختلفت يابني فأنت دعوة أمي الصادقة .أشرقت شمس حياتي بك يايعقوب ونسيت آلامي وعناء السنين ..حفظك الله لي يايعقوب.

عن عالم الثقافة

ناصر أبو عون - رئيس تحرير جريدة عالم الثقافة

شاهد أيضاً

ثُقب أَسوَد

بقلم: أسيل خالد أمين | مملكة البحرين ٢٠ – يونيو  – ١٩٦٨ رنّ جرسُ الحصةِ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *