حكايا من القرايا ” طرومايسين “

عمر عبد الرحمن نمر | فلسطين

نبغ الحج عبد القادر التركي في البيطرة… والله سوقه مشى مليح، فهو يسكن قرية صغيرة، يعتمد أهلها زراعة الأرض، واقتناء الحيوان… وحول قريته قرى كثيرة… عبد القادر ولد سباعياً… قليّل، يتيم الأب، دلّوع الأم، ومن شبابه وهو يعاني ضعف النظر… في صغره حاول الدرس في الكتّاب، لكن الشيخ عقل هجّجه منه، وكان يتهمه بأنه ” طلطميس ما بعرف الجمعة من الخميس ” وكان السبب الأساس في طرد الشيخ له، هو تأخره في دفع أجرة الشيخ من البيض والخبز… وقرف حوار أم العبد مع الشيخ، التي كانت تريد من الشيخ أن يجعل ابنها الأول في صفه، والعالِم الذي يشار إليه بالبنان في قريته…
زوّجته أمه من ثريا بنت الجدي، من قرية مجاورة، وثريا كانت ترى عبد القادر ثريا في السماء، وأمه ثريا بجانبه… ما أطوع الكنّة وما أحلى ريقها وما أنشطها…! إلها ثِم يوكل ما إلها ثِم يحكي… وأنجبت لعبد القادر عُرّ أولاد وبنات أكبرهم محمود…
اشتغل أبو محمود في كل شيء، طقروزاً (قطروزاً) عند السعيد المحمد، وبحّاشاً على الشجر في القرية، وحصّادا يحمل منجلاً… وحتى كسّارات الحجارة كان يجمع الرمل من تحتها، والغبار يأكل من جسده… لكن الشغل الذي علمه كثيراً، هو مع صالح العماوي، صاحب الخبرة في معالجة الحيوانات… كان أبو محمود يجمع له الأعشاب الطبية، ويمسك له الحيوان عند المعالجة، ويتأمل العلاج… فتخرّج الرجل من كلية العماوي الطبية… يعالج الحيوان… عرف الناس ( أبو محمود) ولم يبخلوا بزيارته هم وحيواناتهم المريضة… ولم يبخل عليهم بالكشف عن الحيوان… ومعالجته… وما كان يسبب له الإعاقة في عمله أحياناً هو ضعف نظره… فهذا الحمار يعرج… ينظر عن قرب في حافره، ينظفه ويعقمه… وهذا الخروف مزمّع… يتأمل أزامعه، ويبللها بمحلول لديه، وهذه النعجة ممغرة… وهذه البقرة أكلت سلكاً مع علفها… يسقيها سفن أب… فإما أن تتقيأ ما أكلت… أو تسلكه في قناتها الهضمية… ما شاء الله… الدكتور أبو محمود خريج كلية العماوي طجّت معه، والكريم قللو خذ… إلى أن كان يوم… يوم ربيعي، كان يمكن أن يكون جميلاً… كان الدكتور في عيادته (قرب خم الدجاج) يحتسي قهوة الصباح، وإذ بــــِ( خليل الجايح) بسروال أبيض، وفانيللا نص كم، وكأنه في عجلة من أمره، يحمل تيْساً كبيراً بين يديه، ويضعه بين يدي الحكيم، وهو يقول ” معدته مكرمزة، لا بوكل ولا بشرب” عاينه الحكيم، وضع يده في فمه… تحسس ظهره، نفخ في أذنيه… والتيْس لا من ثمّه ولا من كمّه… مجّ الحكيم سيجارة الهيشي… وأهدى دخانها للفضا وبعد تنهيدة قال: تيسك يحتاج إلى إبرة (طرومايسين)… انت امسكه مليح بلاش يتحرك، وأنا بعطيه إياها… وسيستريح بعدها تماماً… قيّد الرجل تيسه، بينما جهز الحكيم إبرته… سمّى الرحمن، واقترب من فخذ التيس… ودسّ إبرته… المفاجأة أن التيس حرف نفسه، والإبرة انغزت في ذراع الجايح… صاح الجايح… وغادر راكضاً إلى بيته، وهو يولول… وجاء أحد أولاده لأخذ تيْسهم… ولكن للأسف كان التيس قد فارق الحياة في عيادة الحكيم… واستراح كما تنبأ له الحكيم… بينما نام صاحبه في المشفى ثلاثة أيام بلياليها… لإزالة آثار الشرور… يقطع الشر ويقطع ساعته… ومن يومها سقطت أوراق (أبو محمود) وأصبح الحزين خريفيّة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى