جبينة خادمة الغول

ياسمين كنعان


لماذا لم يأكل الغول “جبينة” عندما خطفها..تعددت الروايات قالوا:”عندما وصل الغول إلى الكهف البارد المظلم أنزل جبينة عن كتفه وقيدها إلى جذع يابس وصار يدور حولها ويتشممها بأنفه، ويبدو أنه أصيب بدوار الفكرة، وفرح وضرب بقدمه الثقيلة أرض الكهف وارتعدت فرائص جبينة وكاد الكهف ينهار بأكمله، فقد قرر أن يستغلها لا أن يلتهمها دفعة واحدة، قال لنفسه يمكن لهذا الكائن الضعيف أن يخدمني ويوفر لي طعامي وشرابي؛ هكذا أرتاح من عناء البحث عن ضحية جديدة كل يوم، وكان ما فكر به، وقيل أيضا أنه ربط يد جبينة الناصعة البياض بحبل سميك، وربط آخر الحبل بإصبع قدمه الصغير النتن ذي الإظفر المتسخ الذي تفوح منه رائحة النتانة، وقيل أيضًا لم يكن الحبل إلا شعر جبينة الذهبي الطويل الذي عقد آخره في إصبعه الصغير كي لا يتسنى لها الهرب، وصار يوقظها كل صباح بصوته المزلزل فتهب واقفة على قدميها، تكنس أرض الكهف القذرة بمكنسة من “النتش والعليق”، وتحمل جرة الماء على رأسها وتذهب بها إلى النبع تملأ الجرة وترعى الأغنام، وتحزم الغصون الجافة لتوقد بها النار، وهكذا بدأ مسلسل العذاب اليومي الذي لم يكن له نهاية، لم يكن لها أي فسحة من أمل للتخلص من سلطة هذا الغول الذي لا يرحم، ولم يكن لها أي صفة سوى انها خادمة في كهف الغول، أما من قال عنها انها “مرت الغول”فقد نقل صورة غير حقيقية لحقيقة ما كان..!
جبينة خادمة الغول توصل الليل بالنهار لتلبي رغبات جوعه الذي لا يعرف الشبع، لم يكن شهما كما وصفته بعض الجدات في حكايهن، ولم يحدث ولو مرة واحدة أن خرج من كهفه البارد ليرد على كتفه بقرة أو شاة ويعود بها إلى الكهف لتطهو جبينة طعامهما، كان يتمدد بلا مروءة على أرض الكهف يقلب التراب بقدمه الضخمة ويهش الذباب وقد يصطاده بلسانه القذر..!”
ومنهم من قال أنه ابقى عليها ولم يسعى لالتهامها كي يجعل منها فخا يصطاد به كل من تسول له نفسه الاقتراب لانقاذ جبينة، ولم يكن في ذهن جبينة سوى شجرة “الدوم” بها تستذكر ماضيها البعيد، تجمع المشهد المتناثر، تتسلق الشجرة القابعة في ذهنها وتخترع سيناريوهات عديدة للخلاص، وتجرب ألف خطة في ذهنها كي تنعتق من هذا الجحيم، من فوق شجرة دوم خيالها كانت ترى الأشياء بوضوح أكثر، أحيانًا كانت ترى بيوت القرية، وناسها، في احدى المرات لمحت وجه امها كادت أن تنزل عن الشجرة وتلحق بها لكنها خشيت أن يتنبه الغول لفعلتها ويتنبه الغول لفعلتها ويلحق بها ويقمع خيالها، شدت يدها على فمها وكتمت النداء..!
كيف تنجو اذا من قبضة الغول الذي يربط مصيرها وحياتها بإصبع قدمه المتسخ، هل تسمم له طعامه، هل تطعن قلبه بسكين حاد فتريح العالم أجمع من شروره، لكنها تتذكر ان الغول لا قلب له،وانه بلا دماء أيضا، فكيف يمكن لكائن مخلوق من وهم وقباحة، وأساطير عديدة أن يموت..كيف تموت الأساطير والحكايا وكيف ننجو من أوهامنا..؟!
ربما علينا خلق حكاية جديدة لننجو كأن نترك جبينة معلقة على شجرة الدوم ونؤخر مشهد دخول الغول أو نحذفه نهائيا من الحكاية، ولكن يبدو هذا الخيار مستحيلا، فالغول أحد أركان الحكاية وصلبها كيف يمكن تنحيته أو اسقاطه من القصة وهو أساس البؤس فيها، الغول ثابت وربما صار بمقام قدر في حكاية جبينة وأهل القرية نسوا جبينة كما تنسى عادة كل الضحايا وتترك لمصيرها كي تصارع الغول في واقع يبدو فيه النجاة شبه مستحيل..! ستعود جبينة مرارا إلى شجرة الدوم تتسلقها تحاول أن تصرخ طالبة النجاة، وفي كل مرة يذهب صوتها سدى، وسيعلو صوت الغول ويطمس على صوتها، وستظل جبينة رهينة الغول وضحية مجتمع جبان وسيتكاثر الغيلان وتتكاثر “جبينة” أيضًا وتخرج ألف حكاية من رحم واحد..!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى