الفلسفة من منظور طفولي: الصغار فلاسفة كبار

أجدور عبد اللطيف | المغرب

لعل ما يجعل الإنسان متفردا عن بقية الخلائق بالدرجة الأولى هو حاجته الملحة لطرح الأسئلة، حول ذاته والموجودات التي تلفه وتكتنفه، ثم حول سيرورات الأشياء وأسرارها. ولعل الطفل أكثر هرقا للأسئلة وتطلعا للاكتشاف وسبر الأغوار، من حيث هو كائن جَدّ على الوجود وما يزال مندهشا بكل مكوناته ومكنوناته، ومن حيث حاجة دماغه وحواسه للنمو على ضوء العلائق التي يقيمها مع نفسه ومع غيره تبعا للإجابات التي تقدمها الطبيعة أحيانا والتي يقدمها الكبار أحيانا أخرى.

في الرواية العالمية الرائعة “عالم صوفي” التي تتناول موجزا لتاريخ الفلسفة منذ نشأتها على لسان طفلة صغيرة اسمها صوفي، يتحدث جوستاين غاردر عن سر الدهشة عند الأطفال وعلاقتها بالفلاسفة يقول: “هل قلت لك مسبقاً ان الميزة الوحيدة اللازمة لكي يصبح المرء فيلسوفاً جيداً هي قدرته على الدهشة؟ إن لم أكن قد قلتها فأنا اعيدها الآن: أن الميزة الوحيدة اللازمة لتصبح فيلسوفاً هي أن تندهش.. ويبدو أن ملكة الدهشة هذه تضعف مع الكبر. لماذا؟ “

يجيب جاستون :” لو أن مولوداً صغيراً عرف أن يتكلم، لكان عبّر بالتأكيد عن دهشته من الوقوع في عالم غريب.. لذا يروح يصيح لما يرى كلبا: عو، عو عو أما نحن فنعقب بنبرة ضجرة “أجل ، نعرف أنه عوعو . لكن يكفيك الآن .. كن عاقلاً!” إننا لا نقاسمه تهلله فقد سبق ورأينا كلباً”

ثم يضيف: ربما يتكرر انفلات صرخات الفرح هذه مئات المرات قبل أن يصل الطفل إلى أن يلتقي كلباً دون أن يضطرب، وكذلك الأمر أمام فيل أو بقرة أو نهر .. الخ”^، انتهى.

وبما أن الفلسفة تناولت مبكرا الأسئلة الطبيعية للإنسان من قبيل السؤال الأزلي الأول أي شيء أنا؟ الذي أجاب عنه سقراط إجابته الأزلية كذلك : اعرف نفسك بنفسك، فإنها الآلية الأولى التي يمكن أن نقدمها للصغار بمفهومها البسيط الذي يتخذ التأمل والتفكير جسرا لمعرفة النفس والكون والخالق والمخلوقات.

جاهل من يظن أن الطفل لا تواجهه أسئلة ذات طابع فلسفي محض في حدود إدراكه الغض طبعا، أسئلة على شاكلة : لم لا أستطيع التفوق في الرياضيات ومراد يستطيع؟ لمَ لمْ يستطع شراء محفظة سندريلا الزهرية لي بينما أب سلوى أو ليلى يستطيع؟ لم لست سريعا أو شجاعا أو طويلا أو أبيض مثل صالح أو عنتر أو برنارد؟ لم صرت بنتا ولم أصر ولدا، أو العكس؟ أو لم لا يسعنا الاختيار حتى؟ ثم تسترسل الأسئلة لتصبح : كيف ولدت وكيف وجدت أختي من العدم داخل بطن أمي؟ ولم لا تتحدث الحيوانات؟ وما الأسبق الدجاجة أم البيضة، وهل الدجاجة أم الديك؟ .. مع الأخذ في الحسبان أن الطفل أكثر إقداما على إبداء الحيرة وطرح السؤال من الكبار، كونهم ما يزالون غير مستشعرين لجبروت رقابة سلطة الدين والإيديولوجيا والمجتمع.

إن دربة الطفل على التفكير السليم بتوجيه وتيسير ومراعاة، لمن صميم مرجعيتنا الدينية التي تحض على طلب العلم من المهد إلى اللحد، وآي الخطاب القرآني يفيض بالسؤال البالغ الإستنكار : أفلا تعقلون، أفلا تتفكرون، أفلا تتدبرون.. وإنه كذلك لمن صميم التربية القيمة القويمة التي تنأى بالأجيال المستقبلية عن التطرف والغوغائية والوقوع ضحايا لغسيل الأدمغة والعنف والإرهاب والتحيز والعنصرية، ورهاب الفلسفة نفسها.

يكفي الفلسفة ترغيبها في الفضائل لِذاتها، وتغريبها للرذائل ولَذّاتها، في هذا المعنى يقول الفيلسوف الألمعي أرسطو : علمتني الفلسفة أن أفعل طواعية ما يفعله الآخرون خوفا من القانون.

^ ترجمة: فهد الحازمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى