جميل السلحوت في رواية (جنة الجحيم)

بقلم: نازك ضمرة

هوية الكاتب نفسه في أدبه وشخصيته ومعارفه

ما إن تتقدم في قراءة رواية (جنة الجحيم) للكاتب الفلسطيني المقدسي جميل السلحوت حتى تجد نفسك مندمجا متابعاً لمنمات وحكايات تراثية فلسطينية، إن معظم ما جاء في ثنايا الرواية من تصرفات وتأريخ يكاد يصبح في زوايا النسيان، لكن السلحوت ينبش عليها ويعيدها للحياة ناطقة نابضة من جديد، وأؤكد أن هذه الرواية تمثل فترة زمنيةً ستبقى الدراسات حولها جدلية وتتطلب المراجعة الدائمة المطولة من كل أديب وكاتب ومؤرخ، فهي فترة من أخطر الفترات التي مرّت على فلسطين وشعبها، وستظل رواية (جنة الجحيم) حكاية تتداولها الأجيال، لأنها تتميز بالبساطة والسهولة الممتنعة، أي أنها هوية الكاتب نفسه في أدبه وشخصيته ومعارفه، وأصفها بالسهل الممتنع، هذا الإنشاء الانسيابي العفوي صادق ومعبر أقرب ما يكون إلى الواقع والمعيش اليومي، في فترة زمنية مميزة من حياة الشعب الفلسطيني بالذات، وظروف أردنية بشكل عام بعد احتواء الضفة الغربية.

استنطاق التاريخ عن فترة كانت وستظل مثار جدل ونقاش ومراجعة

إن زمن الرواية في فترة كانت وستظل مثار جدل ونقاش ومراجعة، تناولها جميل السلحوت بمنظوره وبقدر ما تمكن من معرفته سماعاً و حضوراً وممارسة، فكانت صادقة ناطقة بواقعية تلامس ضمير القارئ، تنقلك بوعي أو دون وعي إلى تلك الأجواء التي أثرت على حياة هذا الشعب المطعون من كل اتجاه، وتشعر وأنت تتابع تسلسل أحداث الرواية التي تحكي التاريخ المسكوت عنه، وتنقل لك الأحداث وكأنك تعيشها، أو تراقبها بعينيك، فهي مسرحية أو فيلم ترافقه كاميرا دقيقة تعبر بصدق عن الواقع والمعاش. وفي ظني أن جميل السلحوت لم يقصد مجرد السّرد والوصف والتأريخ، بل لا بد أن لديه مشروعاً يريد أن يصل في نهايته إلى نتيجة، ربما يقصد أن يقول لنا إن كل ما قاله في حكاياته المتشابكة المتشعبة المتفرعة أدت بشكل ما إلى ما يعانيه الشعب الفلسطيني في حياته الحاضرة، تلك القصص والحكايات والأفعال والأقوال والتحديات والمشاغبات والنفاق والغش والسذاجة والجهل، موضوعات هذه الرواية قد تصبح أساساً ينقلب عليه أجيال تحاول البناء والهدم في الوقت نفسه، فعرض كاتبنا كل تلك العيوب عبر مساحة الرواية من أولها حتى آخر سطر فيها، واستشراء تللك المثالب والموروثات والتصرفات في نفوس الكثيرين من الأفراد من مختلف الطبقات والفئات والسياسيين، والحزبيين والمتنفذين والوجهاء التقليديين النفعيين والقبليين والفئويين والوصوليين، مكن كل المتسلقين من إضاعة السبيل إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد نكبة 1948.


يصل الأدب الفلسطيني إلى أعماق الإنسان العربي أينما كان

إن هذه السطور ليست قراءة نقدية بالمعنى العلمي للنقد، بل هي محاولة للوصول إلى ما نوى السلحوت توصيله للقارئ، ولتسجيل انطباعات قارئ عادي يحاول تحليل ومراجعة ما علق بذهنه وقدر استطاعته، لبيان ما يعتقد أن كاتبنا أراد أن يقوله بلغة أدبية حكائية، لكنني أؤكد ثانية أن هذه الرواية جدلية بمضمونها وسردها وبتفاصيلها، بل لا بدّ من التوقف عند مفاصل كثيرة فيها لتجعلنا أقرب ما نكون إلى فهمٍ قصد الكاتب توصيله لنا، سواء عبر ثرثرات الشخوص أو اتفاقهم أو اختلافاتهم، أو عبر تدخل السارد العليم لوضع الكلام في أفواه الشخوص، أو أن يضطرّهم لتصرفات ذات معنى خاص، يناسب الحدث والزمان والمكان، فجاء تسلسل السرد بمستويات متنوعة ومتساوقة مع الظرف الذي يصوره الكاتب بدقة وعناية في أغلب المواقف، ولم يغفل أساليب الحداثة في بناء روايته، فكان التقطيع الزمني وتداخله والفلاش باك هو السائد على طول زمن النصّ، حتى لا تصبح الرواية حكاية مملة (من طقطق لسلام عليكم) مشدداً وفي إصرار على أن ينطق شخوصها بلهجتهم المحلية، مما يضفي بعض الضباب في مواقف كثيرة للقارئ غير الفلسطيني، فالأدب الفلسطيني هو إشعاع صادق يفهمه ويقدره ويستمتع به كل قارئ من أي قطر عربي، وحين نقول ويقول غيرنا إن فلسطين هي قلب الأمّة العربية النابض، أو كبدها، فذلك وصف صادق ما زال يحرك الضمير العربي والوجدان والمشاعر، وتصل القصة أو القصيدة أو الرواية الفلسطينية إلى أعماق الإنسان العربي أينما كان، فيتعايش متأثراً أو مهيئاً لهذا البوح والوصف المعبر واقعياً أو رمزياً مما يسهم في وحدة المشاعر العربية واتفاقها وتفاهمها، ولهذا كانت قضية فلسطين همّ عربي من الدرجة الأولى لأسباب كثيرة لا مجال لسردها أو الخروج عما نحن بصدده.

إن تماهي السارد العليم مع شخصيات الرواية في سرد صادق ساحر أمين، ينقلك لموقع الحدث، ويجعلك مشاركاً في كل مقولة أوحركة أو نهمة أو حتى إتكاءة على مسند، أو وأنت تتابع تلقيم ركوة (إبريق) القهوة، وكأنك حاضر تستنشق عبيرها وتتوقع تذوق نكهتها، مثل كاميرا أمينة عالية الجودة، تنقل لك الحدث عن طريق الصورة التي تصل لعقلك عبر العينين، وتزيد من تأثير الحدث بالصوت والصورة المتخيلة، ففي روايته (جنة الجحيم) يؤرخ السلحوت لمنطقة ريفية جنوب مدينة القدس، وقد أصبحت بعد الاحتلال جزءا من المدينة المقدسة.

هذه الرواية دفقة من وطنية السلحوت وإخلاصه لوطنه

إن جميل السلحوت قدّم في هذه الرواية لوطنه نموذجاً من اهتمامه وإخلاصه وحبه ووطنيته، بكل ما أوتي من معرفة وخبرة وقدرة أدبية واقعية أو رمزية، في إخلاص وصبر واستدعاءات تسجيلية فعلية نادرة، لتظل هذه الحكايات المتشعبة والمتداخلة متكاً للأجيال الحاضرة وللمستقبل، وهو يلمس ويدرك أن الماضي هو في طريقه للموت، أو أصبح من الصعب ربطه بحاضر الشعب الفلسطيني وبأرضه التي تئن تحت نير الاحتلال البغيض، فأراد أن يجسد ذلك الماضي المرير، في زمن تتلاشى فيه كل المعالم والمعايير والعادات والتقاليد، وتؤدي بالناس إلى انتهاج أساليب ومناهج وسلوكيات تكاد تكون غريبة متعارضة، مع كل ما عرف عن الشعب الفلسطيني من تراث وعادات وتقاليد وهموم ومهمات. لكن روح النص الروائي يركز على تأصيل الشعور الوطني في أجيال الحاضر والمستقبل لإبقاء الذاكرة الفلسطينية حيّة في الوجدان الفلسطيني والعربي، مهما تباعد الزمن وحاولت الأيام محو تلك الذكريات والتراث.

التماسك والإصرار على حق الحياة يظل الخيط الذي يربط الشعب الفلسطيني
فنحن أمام رجل في الستينيات من عمره عرك الحياة وخبرها، وعانى من ظلم الدخيل والغريب وذوي القربى، ومن الاحتلال وويلاته، وما زال أديبنا صامداً على أرضه، مع أن أمامه فرصاً سانحة ومتاحة للهجرة، والعيش بمستوى حياة أفضل كثيراً مما يحياه في فلسطين، لكنه وهو المتشبث بأرضه وديرته، يكرس حياته وفكره لتسجيل ما أمكنه في هذه الرواية، بأسلوب أدبي فني حداثي، من أقوال وأفعال وتصرفات وحسنات وأخطاء وشذوذ، وهو يضع يده على جروح ومفاصل كثيرة في حياة الشعب الفلسطيني، الذي تضافرت عليه المصائب والهموم والضغوط، ليجد هذا الشعب نفسه في مهاب الرياح، وليس ريح واحدة، أو انها تهب من جهة واحدة فقط، لكن التماسك والإصرار على حق الحياة بكرامة على أرض فلسطين يظل هو الخيط الذي يجمع هذا الشعب ويوحده حتى لو وصل الشتات ببعضهم إلى سيبريا وأستراليا والأرجنتين وجنوب أفريقيا وألاسكا وكندا، ولا نستثني أوربا واليابان وكوريا والصين وجنوب أفريقيا وأواسطها، فالإنسان الفلسطيني لم يترك بقعة على الأرض إلا وطأها، وعاش بها وعمر واستقر وأثبت وجوده وفعاليته.

إن البساطة التي كتبت بها رواية (جنة الجحيم) هي نقطة القوة التي تجلى بها جميل، فهو يعايش أبطاله، وحتى وهو يسمح للسارد العليم بالاطلاع على كل حركة وكل مفردة وكل تصرف يقوم به جميع شخوص الرواية، وتكشف الرواية عن عادات وتقاليد وتصرفات وأفكار منطقة جنوب القدس والغور، وأغنياء وفقراء هذه المناطق، وتظهر بساطة الحياة وشظف العيش الذي كان عرب السواحرة في مواطنهم التي هي حول جبل المكبر جنوب القدس، وكذلك مجاوريهم من عرب التعامرة، وأغلب عيشة العرب كانت حياة تغلب عليها البداوة قبل إكمال الاحتلال الصهيوني لبقية فلسطين عام 1967، هذا النموذج من الروايات والحكايات هو الكنز الذي يعيد النشاط والفرادة والنبوغ للذاكرة الفلسطينية.

إن كل قارئ لرواية (جنة الجحيم) يعرف جيدا أن هذا الشعب باق وخالد، ولن تقوى قوة على الأرض في الحاضر ولا في المستقبل، أن تمحو ذاكرة الإنسان الفلسطيني، مهما كانت المغريات والتقدم والغنى والجاه، فالماضي هو الحاضر دائماً في عقولهم وطموحاتهم واتجاهاتهم العامة والخاصة، ودون أن يغفلوا امتطاء ركب الحضارة في الوقت نفسه، والأخذ بكل أسبابها والتحديات، حتى وإن خال البعض أن المظاهر تنبئ غير ذلك. وأحداث الرواية تؤكد ذلك حيث إن كاتبنا جميل السلحوت يتسامح مع السارد العليم أن يلاحق الفلسطيني حتى في مهجره، فيضطر لوصف حياة البلد التي هاجر لها الفلسطيني متابعاً لتصرفاته، والمردود عليه من تلك التصرفات التي يغلب عليها السذاجة وربما الجهل أحياناً، فيأتي الراوي بالدليل إثر الدليل على جهل وبساطة تصرفات شخوص الرواية، ولسان حاله يقول، كل هذا والكثير من أمثاله أوصلنا إلى ما وصلت إليه الحالة الفلسطينية، ويعايش السلحوت بعض شخوصه حتى في غربتهم، وكأنه يشهد صراع ذينك الشابين الفلسطينيين الريفيين المغتربين في جو عدائي غريب عنهما، بعيد كل البعد عما كانا يعرفان، ويظهر مدى سذاجتهما في التعامل مع ابناء البلد الأصليين في المهجر، فحين هاجر يوسف ونايف إلى الأرجنتين على وهم أن أمريكا كلها منبع للمال ومصدر للغنى والملايين من الدولارات، ولا يعرف الشابان شيئاً عن الأرجنتين إلا أنها أمريكا، متخيلين أن الولايات المتحدة والبرازيل وفنزويلا وكندا وكلمبيا هي في نفس المستوى الاقتصادي، لأنها كلها اسمها في أمريكا، ولا يعرفان هما ولا أهلهما أن أمريكا قارتان، أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، وفي كل منهما دول عديدة. وتتوالي المصائب على أسرتي الشابين لتصف لنا تعقيدات من الحياة التي عاشها الشابان في أرض الغربة.

وجد الفلسطيني أنه يحيا مواطناً من الدرجة الثانية أو الثالثة أو خارج النظام وتؤكد الرواية أن الفلسطيني بعد العام 1948 فتح عينيه على الغرابة والغربة، فالغربة الأولى كانت في مواجهة العدوان الصهيوني في المرحلة الأولى، والغربة الأقل خطراً في التعايش مع جيران فلسطين من الشعوب العربية الأخرى، والتي اضطر الفلسطينيون للهجرة لها أو التضامن مع أهلها الأصليين كالأردن وسوريا، والخطورة الأشد على وجود الشعب الفلسطيني في الهجرات البعيدة، والتي اضطر لها المتضايقون والطامعون والطامحون من الفلسطينيين إلى أرض الله الواسعة على مدى مساحة الكرة الأرضية؛ لأسباب كثيرة منها العوز أو الثقافة أو الطمع أو الهروب من الضغوط السياسية والنفسية والاجتماعية؛ لأن الفلسطيني وجد نفسه مواطنا من الدرجة الثانية أو الثالثة أوخارج النظام الاحتماعي أو السياسي أصلاً، ليعيش على هامش الحياة لمجرد الحياة والعمل من أجل الغذاء، دون مشاركة في رسم الحياة العامة في الوطن الذي اضطر الإقامة فيه.

القدس رمز الوجود الفلسطيني تظل حاضرة

تشير الرواية إلى أن الفلسطيني ببساطته ونقص توعيته كان ساذجاً حتى على أرضه بعد ضياع الجزء الغربي من فلسطين عام 1948 ويتوسع الكاتب في سرده ليصف لنا سذاجة الإنسان الفلسطيني في تعامله مع الغرباء، حتى على أرض فلسطين وبلده ومنطقته، فالشاب خليل الأكتع (مقطوع اليد) استغلته فتاة في بريطانيا، واستغلته عجوز دنمركية في مدينة القدس، مدينته وعاصمة فلسطين وتصف لنا الرواية أن هذا الإنسان البسيط والذي سافر لبريطانيا للعلاج، وتثقف وتعلم الإنجليزية لم يستطيع اكتشاف أهداف المنقبين عن الآثار في مدينة القدس، بأنهم يهود صهاينة، (فهل ستفعلها هذه المرأة الدنمركية؟ قطعت حبل أفكاره عندما خرجت من الحمام عارية، تلف وسطها بمنشفة، اقتربت منه، أمسكت رأسه بكلتا يديها، قربته من بطنها، قبلت رأسه وقالت لا تستح يا صغيري، رفع رأسه وكأنه يتوسل، رأى نهديها قمرين، واحد عن يمينه وواحد عن يساره، قادته إلى السرير) صفحة 166 (بقي خليل يتقلب في فراشه يفكر بيومه الذي مضى.. عاد بذاكرته إلى لندن وستيفاني.. ماذا يريدون منا هؤلاء القوم؟ ستيفاني تريد الجنس وبقيت في بلادها، وجاسيكا امرأة تكبر أمّي عمراً وتريد الجنس هي الأخرى، جاسيكا تحب القدس كثيراً، فهل اعتبرتني تحفة من تحف القدس؟) صفحة 167، وهؤلاء المنقبين عن الآثار يخططون ويجهزون ويحاولون معرفة نتف من معلومات تفيدهم حين يأتي الوقت لاحتلال المدينة المقدسة كاملة، على أمل أن يكتشفوا موقع الهيكل الصهيوني والآثار المزعومة تحت الحرم القدسي الشريف أو في جواره.
لم ينس السلحوت مدينة القدس في روايته، فكان ينتهز كل مناسبة لوصف موقع في المدينة أو شارع أو مكان مقدس أو باب من أبواب سورها، أو أسواقها مثل سوق باب خان الزيت، وسوق العطارين، وسوق الدباغة وباب العمود أو مدارسها اوكنائسها أو مسجدها الأقصى وحائط البراق وحارة المغاربة.

الفوضى السياسية والتخبط الإداري والحزبي

أمّا التوصيف الحيّ والصادق والدقيق بتفاصيله، والذي أبدع السلحوت في وصفه فهي مشاعر الفوضى السياسية والتخبط الإداري والحزبي في المراحل الأولى؛ لإدخال النظام الديمقراطي البرلماني في الأردن بضفتيه، والقائم على أساس حريّة الأحزاب والأفراد في اتباع أيّ فكر، ونتوقع أن الكاتب سيتابع هذا الأمر في رواية لاحقة، لأنه تطرق لسلوكيات الأفراد والمرشحين لمجلس النواب في منطقة القدس، لكننا لم نعرف عبر هذه الرواية ماذا حدث لمن نجحوا في مجلس النواب؟ ولمن دخلوا في سلك الجندية جنوداً او ضباطاً أو في الشرطة؟ إن سذاجة الناس تمازجت مع حرية التصرفات غير المنضبطة لوصول المرشحين لمواقعهم في مجلس النواب. وجميع التصرفات المتعلقة بهذا الموضوع كانت شاذة وعكس الأصول، وأوجدت تنافساً غير شريف بين المرشحين، وأفسحت المجال للأثرياء من المرشحين بالفوز بمقاعد في مجلس الأمّة، ونظراً لمعايشة الكاتب لتلك الفترة وهو مسلح بوعي ثقافي، يجعل الدارس لتلك الفترة يجد في الرواية تأسيساً لتسجيل تأريخي. وكأنك ترى الأحداث تجري أمامك، لا بل ربما كأنك تشارك في مثل تلك النشاطات الحزبية والعشائرية والسياسية والفئوية، ولأن تلك الحرية لم تدم طويلاً للناس ولا للأحزاب في الأردن، لكن يبدو أن في جعبة جميل السلحوت روايات أخرى تتبع هذه الرواية.

جدلية عنونة الرواية

وقبل إنهاء هذه الانطباعات، فإن تسمية الرواية (جنة الجحيم) تؤرق القارئ ، فهل مفردة جنة لأن الفترة التي تغطيها الرواية في فلسطين والأردن كان سقف الحرية فيها عالياً نوعا ما، ولكل إنسان مجال واسع ليحقق مافي رأسه من طموحات سواء كانت سياسية أو حزبية أو اجتماعية أو فئوية أو تسلطية؟ وخاصة للأثرياء ولمن لهم جاهات أو محسوبية، فنسبة الجنة إلى الجحيم يزيدك إرباكاً، فهل ينتج الجحيم جنة؟ وكيف سيكون ذلك؟ والمعروف أن الجنة والجحيم هما ضدّان متنافران، أوهل في هذه التسمية إشارة لترميزات دينية، وإشارة لمضمون الآية الكريمة (يخرج الحيّ من الميت) وخاصة وإن القدس هي ثالث الحرمين الشريفين بالنسبة للمسلمين، وحاول الأوربيون الصليبيون استملاكها، لكنهم ردّوا ومنوا بخسائر فادحة، جعلتهم يتراجعون عن ذاك الحلم، ففي الجنة يمكنك الحصول على النعم والراحة والهدوء والأمان والسعادة، والجحيم هي عكس كل ذلك ومن كافة الوجوه، وقد يتعدى الأمر إلى الاحتراق والموت في عذاب وألم، فلماذا (جنة الجحيم ، وليس جحيم الجنة مثلاً؟؟؟) ومثل هذه التساؤلات لا يقدر على الجزم بها إلا إذا جاءت من كاتب النص ومؤلفه مع أن هناك احتمالات أخرى لهذه التسمية، ومنها هل إن الكاتب وأهله كانوا يعيشون في بحبوحة وراحة في منطقتهم كناية عن الجنة، ولكنهم في واقع الحال كانوا في جحيم قريب منهم أويحيط بهم من كل اتجاه؟ أو انها تأشير على أن حياة الفلسطيني على أرض فلسطين أصبحت جحيماً لا تطاق، ولكن غلبة الظن أن الكاتب استند إلى جملة في وسط الصفحة 90 من الرواية والتي نصها (ويوديه لجنة الدنيا والجحيم للجاهلين) وجاء تفسيره لهذه الجملة في السطر الذي سبقها (يا عمي العلم مافيه أحسن منه، واللي يعلم ابنه يطلع من خطيته، ويودّيه لجنة الدنيا والجحيم للجاهلين)، أي أن الأبناء المثقفين جنة يخرجون من جحيم أهاليهم وجهلهم.
وأخيراً أخشى أن يكون جميل السلحوت كتب الرواية للفلسطينين فقط، لأن استخدامه للهجة المحكية الريفية الفلسطينية بكثرة تكاد تكون عسرة على الفهم لنسبة كبيرة من الفلسطينيين أنفسهم، مثل: (وأزيدك من الحب جانب) تبدو وكأنها خارج النص صفحة 70 ، وكذلك (والله ماهن شاطرات إلا في شغل الليل) صفحة 77 ، (بس اللي بيقرب منهم رايح ابعجه بسيخ حديد) صفحة 84 ، (أفندية ولا حبتية) صفحة 84، ولأن معظم الفلسطينيين المهاجرين أقاموا في لمخيمات لا فرق بين مدني ولا ريفي، ولا بين شمالي ولا جنوبي سواء عاشوا في المدن أو ضواحيها، تغلب على معيشتهم الحياة المدينية لا ريفية ولا زراعية، فتقاربت مفاهيمهم وهمومهم وتوحدت، وتصاهروا وتزاوجوا فأنتجوا شعباً متماسكاً متجانساً جداً وموحداً، فيمكنهم فهم تلك التعابير التراثية واستيعابها، حتى إن كاتب هذه السطور عجوز فلسطيني الأصل ريفيّ، واجه مفردات وجملاً في ثنايا الرواية، وأؤكد أنني لم أسمعها ولم أنطقها منذ عقود، وأعاد السلحوت لذاكرتي الكثير من المفردات والتعابير والأمثال التي لم أسمع بها منذ أكثر من خمسة عقود أو ستة، حتى أن الكاتب لم يغفل الناحية الغنائية التراثية، فأتى على عينات من تلك الأهازيج باللهجة المحكية، ففي الإصرار على اللهجة الفلسطينية الريفية إحياء للتراث الجمعي الفلسطيني الذي كان سائداً في معظم فلسطين، وحتى إن أهل المدن أيام زمان وقبل ضياع فلسطين كانوا يعرفون معظم تلك اللهجات بحكم الاحتكاك والبيع والشراء والتجارة والتواصل الاقتصادي والأعمال، ولكنني أزعم أن غيرالفلسطيني سيجد صعوبة كبيرة في الاسترسال في القراءة بسلاسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى