أوراق الخريف.. ساحرة النيل (٢)

شرين خليل | مصر
مرت أيام وشهور وما زالت أمي حزينة على فراق أبي ..وفي يوم جاءت إمرأة تزور أمي ووقفت أمام المنزل تنادى: أم إسماعيل
يا أم إسماعيل..
-مين بينادي
-أنا أم صلاح..
-اتفضلي ياحبيبتي..
-يزيد فضلك ياغالية ..أنا قولت أطمن عليكي أصلك مش بتخرجي خالص بقالك كتير كل دا حزن يا أم إسماعيل..
-الحزن مش هايخلص ولا اللي مات هايتنسي..بس دي الأصول يا أم صلاح ..
-مش فاهماكي ياختي تقصدي إيه؟
-أخويا مصباح قالي إن الست لما جوزها يموت ماتخرجش من البيت أربع شهور وعشر أيام ..
-أيوا صحيح بصراحة الشيخ مصباح دا فاهم في كل حاجه..
بس إنتي طولتي يا أم إسماعيل وإحنا قلقنا عليكي دا إنتي عديت الأربع شهور بكتير ..
-ماتقلاقوش عليا أنا بخير ..
يارب ياحبيبتي..
-بس كده يا أم صلاح دا اللي جابك ..
-بصراحه لأ..أنا ليا طلب عندك ..
-اتفضلي ..
-المحل بتاع الأعلاف عاوزين نأجره أصل أبو صلاح بيقول إنك مش هاتقدري عليه ..
-ومش هقدر ليه ..أنا أقدر ونص وبكره تشوفي ..
-هو قصده إنك لوحدك والتجارة صعبة عليكي وماينفعش تتاجري وتتعاملي مع رجاله وبعدين دا شغل أبو صلاح فعشان كده قولنا نأجره أحسن ..
-أنا معنديش محلات للإيجار …
-دا أخر كلام ..
-أيوا أخر كلام ..
-إنتي حرة ..أنا كده عملت اللي عليا ..
-تشكري يا أم صلاح…
-أنا هامشي ولو رجعتي في كلامك كلميني ..
-أنا قولت لك دا أخر كلام عندي ..
-طيب ياختي اسيبك بقى سلام ..
-مع السلامة ونورتي يا أم صلاح..
-خرجت أم صلاح ..
وفي الليل وبعد أن نام الجميع استيقظت على صوت أمي وهي تصرخ :
إيه الدخان دا؟؟ في ايه ؟؟ ايه اللي حصل ؟؟ المحل بيولع ..منهم لله وحسبي الله ونعم الوكيل فيهم ولعوا في المحل عشان رفضت أأجره ..
تعالت أصوات إخوتي بالبكاء وأمي تصرخ حتى استيقظ أهل القرية مفزوعين وقاموا بتطفئة النيران المشتعلة التي كادت أن تودي بحياتنا فلولا استيقاظ أمي لإشتعلت النيران في المنزل وكنا انتهينا جميعاً.
أهل القرية لم يتركوا أمي حتى هدأت الأمور وظلت أمي جالسة بجوار المحل حتى آذان الفجر..
أما أنا وإخوتي فنحن مرعوبين ضمتنا أمي بين أحضانها وقالت :
محدش يخاف طول ما أنا موجوده محدش هايقدر يعمل فينا حاجه ..
أوعوا تخافوا وخشوا ناموا والصباح رباح ..
وفي اليوم التالي قامت أمي بتنظيف آثار الرماد وأحضرت عمال لدهان المحل ..
ودخلت أمي غرفتها وسمعتها تتحدث بصوت عال:
هما فاكرين إني ضعيفة لا دول بيحلموا خلي بالك ياحج راضي أنا أقوي مما يتخيلوا وهايشوفوا مني اللي عمرهم ماهايتوقعوه دا أنا السيدة وهافضل طول عمري السيدة عليهم كلهم ..
كنت أسمع وأنا خائف أمي تتحدث مع أبي هل أبي موجود ؟ ..
خرجت أمي وازداد خوفي فهي ترتدي ملابس أبي ونادت عليّ:
-إسماعيل..
– نعم يامه..
-تعالى عاوزاك…
-حاضر..
– شوف يا إسماعيل إنت كبير إخواتك وعاوزاك تبقى راجل من صغرك، أنا هافتح المحل بتاع أبوك وهانشتغل في التجارة بس في نفس الوقت تعليمك وشهادة أهم من أي حاجه، فاهم؟؟
-حاضر يامه..
-واللي يسألك يقولك أبوك بيجي لكو بليل تقوله آه فاهم ؟
-فاهم بس أبويا بيجي ازاي؟..
– أبوك مش بيحي بس أنا لازم أخووف الناس دي ..أنا هابقى أبوك وأمك..فاهم؟
– حاضر قصدي فاهم..
– مالك ياواد ياإسماعيل بتتنفض كده ليه؟؟
-أصل أنا خايف..
-أنا مش عاوزاك تخاف إياك تخاف ..من بكره هانفتح المحل وإنت هاتقف معايا فيه وزي ماأقولك تعمل ..
-حاضر يامه..
– هاتلي المسجل اللي في الأوضة اللي جوا وتعالى بسرعه…
– حاضر ..
– المسجل أهوه..
-اقعد جنبي وشوف هاعمل ايه وإياك حد يعرف اللي أنا هاعمله..
جلست وأنا مندهش وخائف من أمي فأنا لا أفهم ماذا تفعل، أشاهدها في صمت وهي تقوم بتسجيل بعض الأصوات المرعبة وتكرر التسجيل وتستمع إليه حتى انتهت تماماً..
-شوف يا إسماعيل أنا هاحط المسجل دا في المحل وأشغله بليل عشان أرعب الناس ومش بس كده دا أنا هاطلع على السطح وأقف وأنا لابسه لبس أبوك عشان الناس تفكر إن روح أبوك بتزورنا ويخافوا يقربوا مننا أو يطمعوا فينا ..لازم أعلمهم الأدب ..فهمت يا إسماعيل إنت مش صغير ولتاني مرة بقولك تسمع كلامي وبس وتعمل كل اللي هاقولك عليه..
-حاضر يامه..
وبالفعل بدأت أمي في تخويف الناس..
ففي القرى الصغيرة يكون من السهل إثارة الرعب والذعر وقريتنا تتسم بالهدوء وكثرة الأراضي الزراعية والبيوت قليلة فيها وعندما يحل الظلام تنطفأ الأنوار وتجد قلة قليلة هي التي تتجول في شوارع القرية ..
نجحت خطة أمي وخاف الجميع من الإقتراب من بيتنا..
كنت أمشي في الشارع وأنا كلي ثقة وغرور.. يقترب مني أصدقائي وأولاد الجيران لكي يعرفوا مني القصص المخيفة وحكاية روح أبي التي تأتي لنا في الليل وسبب ارتداء أمي لملابس أبي أنه وصاها بذلك فهي أخبرتني أن أقول لهم أن أبي يأتي في كل ليلة ونستشيره في كل أمورنا..
الغريب أنهم يصدقون كل شئ حتى ولو كانت خرافات..ولم يكتشف أحد هذه الأكاذيب..
فمن الواضح أن أمي كانت مُحقة فيما فعلت فنحن الآن في موضع قوة لا أحد يقترب مننا وأمي تتاجر في الأعلاف والكل يخاف منها ..
انتشر الخبر في القرى المجاورة وأصبحت قصتنا حديث القرى كلها …
وهذا مازادنا قوة فالجميع يخاف أن يرفض لأمي طلب والناس تأتي من كل مكان لتتعرف علينا وتشتري من أمي ..
كنت أذهب معها في كل مكان وكانت تنهرني عندما أناديها بأمي وتقول لي: ماتقولش ياأمي ولا يامه إنت تقولي يابا أنا أبوك أنا راجل في الشغل لكن في البيت قول يامه زي ما إنت عاوز ..
– أصبحت أمي قاسية معي ومع إخوتي، تتعامل معنا بشدة وحزم وتناست أمومتها وفي يوم طلبت أمي من جدتي أن تقيم معنا بسبب إنشغالها في التجارة فهي دائمة السفر والذهاب لإحضار البضاعة ..
وجاءت جدتي فهي لا تختلف عن أمي كثيراً في طبعها الصارم ولكنها كانت ترعانا جيداً وفي الليل تحكي لنا الحكايات المرعبة حتى ننام بهدوء وذات ليلة سمعنا صوتاً مرعباً….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى